خطوط بصرية ذات طابع إنعكاسي
ضحى عبدالرؤوف المل
تؤلف الخطوط في أعمال الفنان السوري «عمر إبراهيم» الحدود لأشكال بصرية مختلفة الطول والعرض، ورفيعة وعريضة تنم عن دقة موضوعية يحدد من خلالها رؤيته الإنسانية الباحثة عن الرمز الأقوى في الكائنات التي تركها وسط الأبعاد البصرية ذات الحركة الدينامية الخادعة للبصر أحياناً. فهي بمثابة تحدٍ للنفس التي تبحث عن قوة الإرادة في بسط السلام، وبعيدا عن الهزيمة والسقوط، فالكائنات المتدلية ترمز إلى الأحلام المتهاوية أو للصراع الذاتي بين الداخل والخارج. فما بين الفراغ والكتلة عناصر مشتركة تركها الفنان «عمر إبراهيم» كلغة حوارية تنبثق من انعكاسات الخطوط واتجاهاتها الداخلية والخارجية مع الحفاظ على الكينونة الدائرية التي أظهرها في لوحات أخرى.
تنطوي أعمال الفنان «عمر إبراهيم» على مضامين عديدة. إذ تتدلى الرؤوس من شجرة أو تتدلى إيحائيا الموتيفات الأخرى، كأنها تسقط بصمت كائنات تتوجع، محافظاً بذلك على جمالية الحركة والسكون، والتلاشي المادي لأجساد ما هي إلا الرمز الاجتماعي لشعوب تنتهك حقوقها، وتعامل كالحيوانات التي استخدمها «عمر إبراهيم» في لوحاته. إلا أن للحصان نظرة واعية من حيث المعاني والازدواجية، والالتفاف والقدرة على خلق الثقة من خلال الخطوط الرفيعة المتعاكسة، والبنائية في سلمها الموسيقي المتشكّل بصرياً كإيقاعات تبث صرخة يبحث من خلالها عن سوريا الجديدة أو سوريا السلام والجمال، فهل الفراغات المتشابكة هي بمثابة الانتظار الزمني الذي تركه سيميائياً في اللامكان أو اللاشعور الفني؟ أم أنه استطاع منح الفكرة خدعة تأويلية نفذها بالأحبار والألوان، وبتضاد فني داخل المساحات التي تشبه الوطن والخارطه الجمالية التكوينية إذ يعتمد على الاستبطان في المعنى والشكل ليظهر الأسلوب بجمالية انبثقت عن نظرة وطنية.
خطوط بصرية ذات طابع انعكاسي له جماليته المبنية على التناقض الإيقاعي المدرك من خلال الاستبصار والمقاييس الطويلة والقصيرة للخطوط الواعية الخالية من الانفعالات العاطفية، والتي توّجها باستقامة في غالبيتها المائلة والعامودية، والأفقية، والمنبسطة مرئيا مع التفاعل الحسي الذي يتولد بينه وبين اللوحة، وبالتالي يسهل إيصاله إلى المتلقي، فجدلية الرؤية الإنسانية التي يرمز إليها من خلال كائناته هي بمثابة نص بصري يوحي بالقيود والسقوط والحرية مع الحفاظ على جمالية الحصان الشامخ شموخ الوطن المتغلغل بين خطوط لوحات الفنان السوري «عمر إبراهيم» وتقنيته الفنية الممتعة بصريا، إذ ترتكز على اتجاهات الخطوط بتضاد مع الفراغ النسبي في لوحات تختلط فيها المعاني الوطنية والجمالية وفق رمزيات استمدها من الواقع والغياب القصري عن وطن له حنينه الظاهر في كل تفاصيل لوحاته الحبرية.
صراعات بصرية تنتجها الخطوط الهندسية المتداخلة مع بعضها البعض، والمنسجمة ضمن النظم التي حددها لها الفنان «عمر إبراهيم» ليرسم بالحبر بصبر وأناة كل ما تترجمه أفكاره من انتقادات يوجهها للمجتمعات التي تنتهك حقوق الإنسانية بأكملها من طفل وحيوان وبيئة، ليجرد شخوصه من الملامح، ويتركها مبهمة ملفوفة بخطوطه البصرية العصية على البصر في فك شفراتها الهندسية الثلاثية الأبعاد في بعض منها، والقادرة على خلق تكوينات فراغية ذات معنى منسجم مع الموضوع الفني الذي منحه صفة الأحلام المتساقطة أو المتهاوية تبعا لرمزيته الضمونية ذات التعبيرات المخبوءة بين الأشكال والأحجام والخطوط والفراغات والضوء والظل، والانعكاسات البصرية الناتجة عن التلاعب بالنسب بين الداكن والفاتح والكتل المتراصة. كأنها منحوتات نشأت في فراغ ذي صياغة هندسية تتصف بالكلاسيكية، ولكن بتجدد موضوعي مدروس بصريا.
مساحات من الفراغات المحبوكة برؤية دينامية محكومة لأبعاد ثنائية، وأحيانا ثلاثية ورباعية تتكوّن من خلالها جزئيات مغطاة ومكشوفة ذات معنى هندسي وبصري متحرك. لندرك قيمة الكائنات المرئية وغير المرئية السابحة في الفراغات أو في الفضاءات التخيلية، مشيراً بذلك إلى المستقبل المجهول أو الخوف من الانتهاكات المؤدية إلى الفراغ القاتل الذي تركه بغموضه يغوص بين الكتل السوداء المغطاة بالأحبار الداكنة، وأحيانا في الضوء وانعكاساته، كالظل بين الفواتح والغوامق المثير للحواس، والذي يؤدي دوره الدرامي من خلال المؤثرات الحركية محاولا خلق توازنات بين اللألوان والفراغ، وبين المعنى المضمون، وكأنه يوازي بين الخير والشر، ليولد السلام من لدن الفراغ والضوء في إشارة منه للذات أو بالأحرى للذات الداخلية المتصارعة مع الخارج، تاركا فكرته تتصارع على أوراقه لنتذوق المشاعر المتناقضة والعقلانية الهندسية المصحوبة بخط له قساوته وليونته، واتجاهاته من حيث الرؤية والوضوح والغموض والإيهام والسيمائية ذات الدلالات المعنوية في حق تقرير المصير، وإعادة حق الإنسان في الحياة وتذوق الجمال، فهل سيستبدل «عمر إبراهيم» رمزية الحيوان بالإنسان حين يتم وضوح الرؤية في وطن يتألم كل كائن فيه؟
لا تتضح بصرياً وذهنياً غالبية رسومات الفنان «عمر إبراهيم» برغم كونها بسيطة الشكل. إلا أنها معقدة بالفراغات والخطوط. إذ يترك للذهن لذة استكشاف المضمون من خلال الغربة التي يشعر بها المتلقي، وكأنه يقول إن الإنسان على أوراقه البيضاء هو المفقود من وطنه، واستبداله بكائنات أخرى هو الإحساس بالغربة رغم المساحات البيضاء المتروكة ضمن مقاييس تشبه الفضاءات المنخيلة لعوالم تركها غامضة أو لتساؤلات جعلتني أبحث عن الإنسان، والقيم الجمالية في المجتمعات المتنازعة، والتي تتسبب بانتهاكات لحرية الإنسان. فهل حملت لوحات الفنان «عمر إبراهيم» ما يكفي لتصل رسالته الفنية الى العالم؟
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol