الخيال الرمزي هو عنوان ريشة تبحث عن طفولة بلد تشرد أطفاله

ضحى عبدالرؤوف المل

تعكس «ريم يسوف» الظلال على لون أبيض شفاف يوحي بمساحات فراغية. تحلق فيها المخيلة مع السنونو أو الطائرة الورقية أو مع الأحلام الممزوجة بفضاءات مفتوحة نحو دلالات رمزية ذات تعبيرات جوهرية. تتحكم بها الألوان المتناقضة كالأسود والأبيض، وما ينتج عنهما من حركة ظلال ترتد بصرياً مع التكوينات الجزئية التي تسهم في تعميق الكتلة البصرية، وانعكاسها داخل مساحات هي بمثابة تأويلات حسية تأخذنا فكرياً نحو أحلام الأطفال اللانهائية، حيث التطلع نحو العوالم الأكثر محبة أو تآخٍ او صفاء أو حيث الرحيل والعودة مع كل طائرة ورق تحلق في مخيلة طفل أو مع سنونو يهاجر بألوانه السوداء ، فلا يعود إلا كطيف طائر رمادي يتنافر مع الأبيض ، ويتوافق معه حيث الخيال الرمزي هو عنوان ريشة تبحث عن طفولة بلد تشرد أطفاله وتقهقرت الأحلام.

تتجلى الخطوط الهندسية برقة وشفافية دقيقة في مساراتها مع لون يصعب السيطرة عليه. إلا أنها منحته امتدادات بصرية مبنية دراميا على المعنى الذي يحاكي الحواس برمزية تتفوق على الأسلوب الموضوعي الذي يكشف عن تطلعات فنانه تبحث عن أطفال بلدها بين خطوط أساسية ورئيسية. لتمنحهم القوة من خلال لغة اللون التي تبث أحاسيسها النابضة بالحزن المتغلغل خلف الأبيض أو معه. ليتراءى للمتلقي بؤس الطفولة وتفاؤل مستقبلي محفوف بالحلم، وبخصوصية ذات حيثيات تشكيلية برزت مع ارتسام المشهد البانورامي وتوازن الكتل، والأبعاد المرئية الناتجة عن الانعكاسات المملوءة بالضوء. إلا أن الظل يحمل في طياته التأكيد على الوعي الزمني الذي ستدركه الطفولة بعد مضي محنة، جعلتهم في غموض ملامح لم تظهر بوضوح في لوحات تؤكد على حق الطفل في الحياة الخالية من الشرور أو الحروب أو الهجرة أو اختفاء كل ألوان الحياة.

إن الصراع بين الأبيض والأبيض يبدو من خلال الفاتح والداكن، والتدرجات المقترنة بظلال اللون الأسود، ومستويات المزج السمفوني للونين يصعب تحديد مساراتهما خصوصا وأنها تركت الألوان الأخرى بمنحى عن لوحاتها التشكيلية التي تنادي بحق الطفل بالحياة، والحلم، واللعب والبراءة، وفي ابتعاده عن أرض سلبت منها الفصول. فلا ربيع مزهر ، ولا خريف أصفر، ولا صيف قارص، ولكن شتاء يغمره الأبيض ويتكلل بالأحلام بانتظار ربيع يحمل بين غيومه طائرة ورقية ملونة، فهل ستحلق الطائرات الملونة في سماء الطفولة السورية؟ أم أن «ريم يسوف» سترسم في فصولها اللاحقة الربيع باللونين الأبيض والأسود؟

إن التأثيرات البصرية التي اتبعتها «ريم يسوف» في رسوماتها المفتوحة الأبعاد، والممتدة نحو آفاق دينامية معبرة وجدانياً عن مرحلة انتهكت فيها حقوق الطفل. لتتكون أحلامهم في الفراغات التي منحتها صفة التحليق خارج الزمن، وفي أمكنة لا ألوان فيها تكشف عن تدرجات ضوئية تتسع مع الأبيض وتضيق مع الأسود، وتتوسط بين حالتين مع الرمادي الحيادي بكل تدرجاته الجمالية، المحبوكة ضمن مقاييس لونية ذات موجات عالية في الأبيض ومنخفضة في الأسود. إلا أن النسبة الوسطية هي معيار رمادية الأشكال التي تمنحها من روحية الأبيض. ما يضفي عليها جمالية تجعلنا ننصت لأحلامها الضبابية ذات الرسالة المحمولة على طائرات ورقية، وبين أجنحة السنونو المهاجر.

ثنائيات اندمجت مع الرؤية اللونية الثلاثية الأبعاد حتى يكاد البصر يلتقط الحركة الثالثة، الناتجة عن تفاعل الأبيض والأسود، وارتداد الظل حيث الخطوط تتلاقى بديناميكية تتكسر عندها الخطوط بعشوائية نظمتها. لتشتمل على سطوع ضوئي مخفف بنسبة لون أسود شفاف تبدو بين الزوايا أو عند الفواصل التي تزدان بالكتل الحركية، وكأنها تجسد الحلم بأبسط الطرق الفنية من خلال التلاعب مع اللون، والطائرة الورقية، والسنونو والأطفال، والظلال الجمالية التي منحت اللوحة الحس الحركي، المناقض للسكون وللون أبيض هو بمثابة الطفل بكل معانيه الإدراكية، واللاوعي النفسي الظاهر في الأبيض المشحون بظلال الأسود الواعي، وما يتراءى عن هذا التضاد الجمالي في تقنية التلاعب بالألوان، والأشكال، والفراغات، والمساحات التي تميل إلى فضاءات حالمة، ولكن واعية لرمزيتها الواقعية المتألمة. مما يحدث على أرض سوريا من انتهاكات لحقوق الطفل الذي تشرد، وما زال يحمل حلمه في منقار سنونو مهاجر أو في طائرة تطوف في مخيلته. لأن التناسق الضوئي يثير البصر، ويجذب العين نحو البؤرة الفراغية التي تنعكس منها قوة المؤثرات الفنية الصياغية المنسجمة مع إيقاع اللون الأبيض، وسمفونية الأسود المتوازية من خلال سيمترية ألوان تتوافق مع الخطوط والكتل السابحة في مساحات أتقنت إخراجها بصورة ديالكتيكية. تحاور من خلالها «ريم يسوف» الحس التخيلي المتأثرة بما يحدث للأطفال في المنطقة العربية خاصة وفي العالم عامة.

أشكال واقعية ذات رؤى رمزية حالمة، لكنها مبهمة بمعطياتها الجذابة والحركية، فهي تترجم من خلال خطوطها العوالم الفنية التي وضعتها بين الضوء والانعكاسات، وجغرافية الأبعاد التي ينشأ عنها هندسة تصويرية متناغمة مع الظل والتكوين اللوني الذي ينطوي على قيم جمالية ذات علاقات مترابطة مع البعض، وكأنها تؤلف النصوص البصرية من خلال نغمات لون أبيض يحافظ على إمكانية جمع الألوان كلها في فضاءات الطفل المنتظر الربيع

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol