لوحة رقمية بسيطة الفكرة معقدة تقنياً

ضحى عبدالرؤوف المل

تزداد حدة التشبع اللوني في لوحات الفنان «هيثم جابر» تدريجيا، لتصل إلى الذروة في التوهج البصري المبني على شدة الألوان الأساسية، والكتل اللونية المتراصة، المحبوكة بمسح ضوئي رقمي مع فن تجريدي اختفى منه الظل المتماثل مع الألوان الحارة والباردة. إلا أن الصراع بين المزج التقني والمزج الرقمي للألوان يترك آثاره في لوحات تنوعت فيها الأساليب التشكيلية التي استبدلها « هيثم جباّر» برؤية تمزج بجرأة الأشكال والألوان والفراغات، وتمسح الظل المتواري بين الخطوط بقساوة منحت اللوحة تجريدات تنفصل عن بعضها، وتتماسك ضمن الأبعاد المرسومة بفن بصري رياضي يجمع بين الأضداد بتنافر لوني تفكيكي يقترب من البنائية ولو أن الأسلوب التجريدي يبدو مبهما . ً لأن توتر المعنى يظهر من خلال الملامح الواقعية المتلاشية بين الكتل، وثنائية الخطوط السيمترية ذات الجمال اللوني والانعكاسي وسط مساحات مفتوحة ضوئيا نحو الأبعاد المخفية والألوان الداكنة.

ازدواجية رؤيوية تتجمع فيها عناصر التضاد الكلي بين الهندسة الرقمية ، واللونية والخطوط والفراغات، وما إلى ذلك من تشكيلات ذات الخدع البصرية التي تترك للعين قوة الاكتشاف بين خبايا الفواصل، والموتيفات المستعملة حيث تتفاعل الحواس مع لغته الفنية المرتبكة ما بين النقاط والخربشة، ودقة الخط وعشوائية التفاصيل، وكأنه يعزف إيقاعات ضوئية تجعلك ترى في اللوحة الواحدة لوحات متعددة ذات رؤى مختلفة. لأن الذهن يفتح أبواب التخيلات المتأثرة من اندفاعات اللون القوية داخل الكتل المتنافرة عن بعضها البعض والمنسجمة في آن. وكأنه يعتمد على الصراعات التشكيلية المتعددة الأساليب في لوحات معولمة أسلوبيا، محاولا بذلك جمع الاساليب الفنية في لوحة تشكيلية رقمية بسيطة الفكرة ومعقدة تقنياً.

تتضح السمات الحركية في لوحات الفنان «هيثم جبار» من خلال تناقض الألوان وسمفونية الخطوط، والنقاط، والخربشات، والتكسرات الانفعالية المجموعة وفق عشوائيات تراكمت فوق بعضها البعض. لتتراءى درجات كل لون من خلال الآخر، وكأن آلية التركيب الفني تتراوح بين الجمود والليونة، المخفف نسبيا بأدوات أخرى. مما يمنح اللوحة نوعاً ما نبضاً حيوياً يمتلئ بتصويرات متوازنة حسياً. رغم الجهد العقلي والإدراكي الذي يبذله المتلقي لمعرفة خبايا كل لوحة من حيث المعنى والمبنى والأسلوب.

تذبذب تصويري بين التجريد والواقع والتصوير، يمحو من خلاله « هيثم جبّار» كل إيضاحات يمكن لها فك شيفرة لوحته الرقمية ذات التدافع التخطيطي مع الإحساس بالجهد في كل حركة لونية تختلط مع الفراغ أو اللون الأسود القاسي، حيث يحاول جبّار مزجه بنقاط واسعة وضيقة، ليكسر من جموده بين حين وآخر. لتتكامل اللوحة وفق الشروط التشكيلية الذي قدمها رقمياً بتخطيط آلي مزجه حسيا مع الانفعالات الفنية، والتركيبة الضوئية التي تعتمد على المسح المتزن، ولكن ضمن عشوائية تمنح اللوحة نوعا ما روحية فنية. ليجعلها وسط تداخلات وتصورات ذهنية توحي بالصراع الإنساني في العالم .

أجزاء فنية تكاملت مع شكل الإنسان، ولم تتكامل مع الطبيعة. إذ تبدو كتعبئة هندسية ذات مقاييس رقمية خاصة، ولكنها وجدانية الطابع محسوسة بملامحها الإنسانية المصبوغة بأفكار تكوينية، يسعى من خلالها «هيثم جبار» الكشف عن رؤية ديناميكية، متلاحمة مع تقليدية الفن التشكيلي المتعارف عليه . إلا أن صعوبة تنفيذ الفكرة ملموسة في نواحي كل لوحة. لأن التأثرات الوجدانية لم تكتمل مع الألوان والخطوط. إلا أن الإيقاعات البصرية امتلأت بصدى الحركة والأبعاد والفراغ، وهذا ما منح اللوحة جمالية خاصة، فهل الصراعات الإنسانية تتآخى مع الألوان في تشكيلات هيثم جبّار الفنية؟.أم أنه قدم فنا يمتلك بمعاييره الرقمية رؤية جديدة تكشف عن تحليلات تتصارع فيها الأمزجة العالمية؟.

تميل الخطوط نحو المفهوم البنائي المتلاشي وسط تجريدات تكوينية مشبعة بأساسيات اللون، وقوته البصرية التي تنشأ عن سريالية بسيطة يخفي من خلالها «هيثم جبار» نقاط البداية والنهاية، فنشعر كان اللوحة لم تكتمل بعد، ويمكن إعادة رسمها بصرياً بترتيب مختلف، وهذا يمنحها ذهنية فنية تثير الإحساسات والتصويرات في نفس المتلقي. لتحاكي رسوماته الأحاسيس، محاولا إثارة الانتباه البصري الذي يتجلى بالتناقض والتناغم بين الأجزاء التكوينية داخل مساحات منفصلة تتعارض مع مساحة اللوحة.

يعتمد «هيثم جبار» على تأليف عدد كبير من التناقضات المتآزرة مع الفراغات الممدودة داخل الأبعاد، المتضمنة إيحاءات متعددة مجردة من الصور، ولكنها توحي بأشكال ذات خصائص متعددة وفق رقمية أسلوبية ممنهجة فنيا لتخدم اللوحة، وتحاكي المتلقي بتفرد وبساطة مصحوبة بتساؤلات تثير في النفس تدافعات وجدانية تتأرجح بين السلبية والإيجابية، فتتقبل الحواس هذا النوع الفني وتنفر منه في لحظات، إلا أنه يمتلك جمالية خاصة تنبع من الحوافز البصرية الدينامية ذات البرود التشكيلي الحار لونياً. لأن بطانة اللوحة ترتبط بالقدرة على منح الأسس هندسة ميكانيكية معاصرة ذات نظرة علمية تبتعد عن الفلسفة كليا. لنتجرد من العاطفة ونتجه مع مشاعر اللون نحو التفكر الرقمي. فهل في هذا نظرة إلى الماضي أم إلى مستقبل مشحون بالصراعات؟.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol