علاقات تشكيلية إبداعية راقية
ضحى عبدالرؤوف المل
تحدد «رولا حيدر» قبل انطلاقها في العمل الفني هوية النقاط البصرية تبعا للخط العامودي أو الخط الأفقى أو حتى الدائرة اللونية التي توحي بذوبان الألوان وتلاشيها، وانسجامها مع دائرية الكون، والقدرة على انضباط الحروف ضمن الشكل المحدد المستوحى من بنائية الخطوط العربية، ومرونتها وضمن فكرة تمتاز برياضيات بصرية مرنة محسوبة بدقة، تبعاً لعدد النقاط أو بالأحرى المجرات المتوزعة في فضاءات تخيلية. تضعنا أمام الشكل الدال أو سيميائية توحي بالمعنى التشكيلي أو الحروفي السردي للمعنى، والشكل المتناغم ضمن هارمونية تماوجت مع كل حرف تسطيري أو دائري يشهد على حالة تأمل خاصة انبثق منها العمل الفني المستوحى من مفاهيم القصيدة البصرية أو فن الكونكريتي المتعلق بالدال والمدلول، وانعكاس المعنى الداخلي لخارج حدود الواقع والمتخيل.
أعمال إبداعية فنية مصممة بجمالية ألوان تتناسب مع كل شكل دال وكل معنى تأثر بقصيدة «كيمياء الأوهام»، كالنار، والهواء والماء، والتراب، والألوان التفاعلية القادرة على جذب البصر نحو الامتدادات الخارجية والداخلية، والمرتبطة بالمعنى أو بالأحرى بالقصائد البصرية، والقصيدة الميتة ما هي إلا نقاط إيقاعية، لكلمات توحدت مع الخط الأفقي الممدود، كسطور تشطر النظر بحيث يحاول المتلقي البحث عن حروف قصيدة تتشكل ضمن مخيلة تترجم كل حركة ولون، وشكل وحجم واتساعات رمزية لها معانيها الخاصة وجمالياتها المشحونة بتعبيرات مجازية تتمثل بمعالم الكلمة أو الجملة وسحر التجسيد الفني، وتحولاته الرمزية مثل مفتاح الخيال والتطابق الصوري المنطوي على أسرار ومتاهات لها مرونتها وفلسفتها الخاصة.
يقول فياجي: «إن عقولنا محيطات متسعة في حد ذاتها ومع ذلك نحن نقف على حوافها كل يوم ونأخذ منها قطرة قطرة بملعقة صغيرة» في كل حرف مشغول برؤية جمالية إبداعية أو فنية تتمتع الكلمة بأسلوب تكنيكي ساكن يوحي بخط الحياة الأساسي. مما يجعلنا نأخذ كل حرف عربي تبعاً لشكله، ومعناه الذي يتخذ منحى سيميائي يتميز بحركة ترسم من خلالها «رولا حيدر» ملامح تصويرية ذات شكل إيقاعي يحظى بمسميات منها قصائد بصرية. إلا أنها قصائد حركية ذات مدلول إبداعي يستند على ركائز تشكيلية، وإبداعية تعتمد على الفكرة الشعرية المتخيلة التي تتسم بذاتية كل حرف وقوة محاكاته، واندماجه مع الحرف الآخر والشكل، كما في صورة طاووس، والمقروءة بصرياً في أكثر من شكل ومعنى، فالمستويات الايحائية لها مدلولها العميق. إن من ناحية الحجم كما في قطع المجوهرات المصممة ضمن حيثيات التفعيلة، وقدرتها على بث نغمة متكاملة تندمج مع الصورة المركبة، وضمن زركشات تعيدنا إلى جمالية الخط الكوفي أو الكلمة المتوازنة حسيا. إن بالشكل أو اللون أو الحجم أو المساحة أو جمالياتها البنائية والتعبيرية في آن.
مشهدية فنية تثير علامات التعجب، وما تحمله اللغة الفنية المتوائمة مع ازدواجية الحياة، وشمولية الحرف العربي ومعناه المؤثر في استكانة الحركة، من حيث البساطة الشعرية المندمجة مع كل لحظة وجودية تتعلق بقوة الحرف من حيث حساباته الدقيقة الموصولة ضمن نقاط معينة، تؤلف مداً بصرياً وإدراكاً ذاتياً، ومضموني يؤثر بشكل خاص على الحواس. مما يمنح الحرف جمالية في اتخاذ شكله الإيمائي الدال، والقادر على احتشاد إيقاع حسي معين داخل النفس. ليمنحها استراحات بصرية لها وقفاتها الموسيقية السلسة رغم عامودية الخط أو افقيته أو حتى دورانه اللامتناهي. كما في «وجود الكون دوران حول الذات» فالزخم الحركي المتخد صفة الدوران حول الذات، والشبيه بهلال القمر ودورة الحياة مع الالتفاف حول الذات كرقصة مولوية لها إيقاعها السلس نفسياً وتلقائياً..
إن أهم ما يميز أعمال» محترف الفن البصري العربي» هو الإيقاع التصوفي لحركة الحروف البصرية. إن من الداخل إلى الخارج أو بالعكس، فالبنية الجمالية لكل حرف تتبع مدلولها خارج حدود المعنى وداخله، فنستدل بصريا من الصورة ما تبدو عليه الإشارات الذهنية المتخيلة، ضمن فضاءات الوجدان الذاتي لكل متلق يتعامل مع الشكل بملامسة حسية وبصرية بحتة تكاملت فيها العناصر الفنية من لون وتناسق، وتناغم، وحجم، وشكل، ومساحة تتوافق مع التقاطع البصري الطولي في البداية والوسط والنهاية. كما في كلمة «مفتاح الخيال» ورمزية التصنيف التخيلي والحسي في تسهيل عملية الدخول إلى اللغة العربية المرنة في تطبيق فن الكونكريت، ومنحه اختصارات لا فواصل فيها حيث القصيدة البصرية صامتة تدعو كل متلق ليقرأها بالأشكال الدينامية المختلفة التي تناسبه.
علاقات تشكيلية إبداعية راقية فنيا من حيث الشكل والمعنى، والتصميم، والمحاكاة، والتشبيه الذي يعتمد على بنية التوازن الحي للمعنى، والانسجام الفكري التناظري والسيمتري كما في كلمة وشكل «شفرة» أو «هو وهي»، والتماثل الفني المتجسد في تصويرات تستند إلى طواعية علم الدلالة واللغويات مثل قلق، وقلم، والعنكبوت الفضي، والذي جمع من خلاله محترف الفن البصري الخط مع اللفظ الفني الديناميكي، واتبعه بلون، لتتكون الصورة الذهنية وفق أنماط شعرية مرسومة بالكلمات روّج لها في العالم العربي الدكتور « عادل فاخوري» فهل يمثل الحرف العربي ثورة وجود تثور من خلالها الحروف، لتحقق وجوداً فنياً إيقاعياً من نوع آخر نرسم من خلالها الذات؟ أم أن صناعة الكلمة فنياً تحتاج لإيقاعات الألسن الصامتة، ولمنطق علم الرياضيات، وحساب الجمل الشبيه بعلم الخط العربي وحساباته العددية، كالألف وعدد نقاطها، وترجمة ذلك بشكل فني يحتاج إلى فضاءات واسعة تتعدد فيها الصور والأشكال، فمعجم اللغة العربية ما زال يخفي في طياته من الأسرار الشيء الكثير، فهل استطاع محترف الفن البصري العربي فتح هذا الباب بمفتاح من خيال فني ينطوي على سر متاهة؟. أعمال محترف الفن البصري العربي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol