الخط المثالي والركيزة الأساسية في التأثير البصري
ضحى عبدالرؤوف المل
تبلغ وجهة التكوين مثاليتها عندما يبلغ الخط المثالي قوته في إظهار التوافق التوازني بصرياً. إذ يمكن للخط أن يتجاوز الممكن من خلال المستحيل بمعنى توضيح الرؤية المتوازنة، لنفهم التعددية في الرسم والرقص وحتى الكتابة وكل ما من شأنه أن يبرز الجمال في الكون حتى عندما ننظر إلى الطبيعة نفسها، ولكن السؤال الأساسي في الموضوع كيف نفهم الخط المثالي في علم الجمال؟ ومتى يكون الخط الحقيقي هو الأساسي لتعددية الخطوط التي تنبثق عنه؟ وما هي الخطوط التي تهتز وهمياً والخطوط الثابتة التي يمكن تحديدها في كل شيء من حولنا؛ في الطبيعة وفي النحت والرسم والرقص وعلم الحركة؟ وما هي عوامل الجذب المرتكزة على قوة الخط المثالي وحيويته في التركيز على أساسيات نادى بها بومجارتن وكانت عنواناً لفتح العناوين الجديدة للمعرفة على العلم الجديد والأسس المعرفية التي تثير شهية فك كل ما هو ملغز بين الخيال والفهم. فهل أقطاب الجمال في الكون ترتكز على الخط المثالي؟ وهل اكتشاف المسارات الجمالية في أعمال النحت والرسم والاختراعات الحديثة وحتى البصريات التي تتنافس مع العالم الصناعي تحدد قوة الدلائل في تحديات الخط المثالي وموازينه في علم الجمال؟
من الصعب حقاً الكلام عن الخط المثالي والركيزة الأساسية في التأثير البصري، ونحن نشهد ثورات جمالية وأخرى ثقافية مبنية على التحولات الحديثة في الفكر والفن، وما يشغل البصر في الجوهر هو فكرة التوازن التوافقي والقدرة على تحديد الخط المثالي في أعمال كبار الفنانين لاستخدام العقل في كشف التوازنات في اللوحة أو المنحوتة والمضي قدماً في التطوير الذي تنبثق عنه أفكار جمالية يمكن لها أن تخدم المجتمعات الكبرى من حيث بناء المدن الحديثة وجعلها أكثر قدرة على مواجهة الاكتظاظ، وبنفس الوقت أن تكون جمالية بما يجعلها تستقطب الكثير من الباحثين عن الجمال وما يتوازى معه بين الجماد والطبيعة، وبما يتساوى مع المألوف وغير المعتاد عليه كما هو الحال بين أعمال المهندسة والفنانة زها حديد وخطّها المثالي وأعمال البصابصة في النحت وجمالية الطابع الفلسفي جمالياً في أعمالهم، وبنفس الوقت الخط المثالي الذي حافظوا عليه في علم الجسد قبل الكتلة ومؤثراتها، وطبيعة الجمال في الحجر وقساوته وتذليل ثباته ومفهوم الوحدة الذي اتبعوه في أعمالهم. لبث المتعة في العين التي تنظر قبل البصيرة التي تحلل وتتبع المفاهيم الذهنية في الجمال والحس الداخلي في بناء العلاقات الأخرى. أي العلاقات ما بين الخط المثالي وهو الأساس والعلاقات الأخرى بين الخطوط التي تنبثق عنه كما هو الحال في أعمال زها حديد. وأود أن أشير هنا إلى مدى الإدراك لمعنى الخط المثالي عند من يهتمون بمفهوم الثبات والحركة ومعيار الخط المثالي الذي يفصل بينهم ويجمع بينهم في آن. لذلك عندما نختزل من الطبيعة مكوناتها ونجرّدها من التفاصيل الأخرى لنبحث عن الخط المثالي في كل مشهد تراه العين نجد أن الوهميات فيها قائمة على العلاقات كما أغصان الأشجار وخطوط أشعة الشمس التي نستشعرها خيالياً هي مكونات تنطلق من مكون واحد هو الخط المثالي الذي نرسمه بمساعدة حواسنا. إلا أنه في حقيقة الأمر مصدره الجمالي ما اكتسبناه من الانعكاس التخيلي للخطوط والتي نشأت بداية من خطوط هي عبارة عن مكونات الأحرف كالتي يمكن القول عنها رياضياً وفيزيائياً هي تأتي من قوة الخط المثالي الذي مشينا عليه في الحياة. فهل ما يرضي الأذواق العالمية قائم على الخط المثالي أم هو مجرد وهميات نحددها حسّياً؟ أم هو التوازن التوافقي القائم على الخط المثالي وهمياً أو حقيقياً؟ وهل من مشكلات جمالية دون هذا الخط الذي لا يمكن دونه بناء الخطوط الأخرى؟
نستكشف جمالياً كل ما من شأنه أن يثير البصر أو حتى كل ما يأتي تحت الفهم والإدراك. بما يخص علم الخط وجمالياته، وعلم الحروفيات وأشكالها، وعلم الزركشات وأشكالها وغيرها الكثير الكثير. فكل ما يجعلنا نشعر بعمق التأملات يدفعنا لاستخدام العقل والمقدرة في فهم الحركة بين الخطوط التي تبني الأشكال التي تساعد في التكوين، وبشكل موضوعي ومرئي وقد يكون عن طريق اللمس أيضاً أو ما هو حسّي. فالعين ترى قبل أن يحكم العقل كما يقال. إلا إن تعزيز الإحساس بالأشياء قائم على قوة التوازن التوافقي بين الأشياء، وقد يصيبنا التعارض أو التناقض بصدمة أخرى لا تمثل الجماليات، لكنها قد تتوافق فيما بينها وتخلق نوعاً من الجماليات المختلفة مثل منحوتات الحديد في أعمال أناشار بصبوص ومشكلة التعددية في الخطوط المتناقضة والمتعارضة مع بعضها البعض إلا أنه يوازنها وهمياً مع الخط المثالي، فيتلاقى في الكثير منها مع ما نشعر به ونفكر به في آن وهذا نوع من إنتاج جمالي مرتبط بالمعنى الأساسي للخط المثالي وما ينتج عنه من أشكال للتعبير البصري القائم على إنتاج الخطوط وقوتها في ترتيب أولويات الجمال الذي ما زال يزيد من حيرة الباحثين عن معناه ومبناه، وأسس موازينه التي يتم الحكم عليها. فهل نقوش الأجداد على مداخل الكهوف وفي داخلها قامت على الخط المثالي؟ وهل ما نراه على الأهرامات هو ما دفعنا لاكتشاف قوة الخط المثالي في علم الجمال؟ وهل الموناليزا قوتها الجمالية من قوة الخط المثالي والتوازن التوافقي المثير للفكر قبل البصر؟
الخطوة الأولى نحو الجمال هي الإحساس بالخطوط وقوة علاقاتها وتشكيلها، وهي ربما وأقول ربما فطرتها الأولى طبيعة الجمال نفسه المبني من عدة عوامل تشعرنا بالاهتمام بتكوينات نحاول تفكيكها، لفهم مصدرها وأسبابها والتوافق والتناقض بينها، فكل جمال نراه ولا نفقه أسبابه ندرك قيمته من خلال العلاقات التي تربط الأشياء فيه ببعضها البعض. لكنها في حقيقة الأمر مبنية على الخط المثالي الذي قد يكون وهمياً غالباً، وقد يكون هو الممسك بالشبكة كلها كعلم البصريات أو الأحرى الفن البصري الذي أتى ليحاكي فن الثورة الصناعية، وحالياً هو فن الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يمكن أن ينشأ أي فن بعيداً عن الخط المثالي أو حتى الخط المثالي الذي نفكر فيه ونرسمه في مخيلتنا. لننطلق منه نحو أي شيء نريد الوصول إليه إلى قمة الجمال فنياً تعبيرياً جمالياً، وغير ذلك مما نراه أو مما لا نراه ونقوم بتحسسه ضمنياً أو نستشعر بأهميته باللمس أو الإحساس به. فهل مفتاح عظمة الجمال خط مثالي؟ ومتى يمكن اكتشافه أو فهم سره؟ وهل في الطبيعة نفسها الخط المثالي يؤسس لكل شيء نراه فيها؟ وهل إنتاج الخط المثالي في النحت يجعله ساحراً وغامضاً لدرجة أن تتعادل فيه التوازنات وتتوافق مع المقاييس تلقائياً؟
عندما نتراجع عن شيء نراه ومن ثم نقترب منه نشعر بالحركة، قد يصغر أو يكبر أو تظهر تفاصيل وتختفي تفاصيل قد يغيب شكل ما أو يظهر شكل ما، وما إلى ذلك من مفردات، وقد تتسطح وتختفي بعض الأشياء التي تحسسناها، لنشعر أننا أمام أشياء مادية وأخرى مطموسة أو الألوان وما دونها. فجوهر الأشياء ليس ما ندركه فيها، وإنّما ما يخلق هذه التناقضات فيها، وبالتالي ما يجعلها قائمة على ما هو مادي، كالألوان والخامات أو الحجر وأنواعه أو الحديد وأنواعه أو أي وسيلة من وسائل التكوين، وأخرى ما هو مرتبط بشبكة الخطوط التي نشأت عليها وما هو مرتبط مباشرة بالعين والعقل وتحليل البصر، كتعبير مزدوج بين المرئي وغير المرئي، والموجود في أعمال سيزان بشكل قوي جداً وقدرته على جعل الخطوط تتقاطع مع الخط المثالي، كما هو الحال أيضاً في أعمال زها حديد وما هو مرتبط بالفكر الجمالي الحديث عندها، ومن مقاربات لمسألة الشكل في التصميمات الكبرى والمعقدة والناتجة كلها عن التمسك بفكرة الخط المثالي. فالضوء والظل لهما الخط المثالي أيضاً في أغلب الأعمال العالمية، ويشعر بهما الفنان بشكل متفرّد وفق المبادئ الفنية التي قادته إلى التمسّك بالتطوير الفني لتكوين بصري سعى له من خلال الأجزاء المختلفة التي نتجت أساساً عن الخط المثالي والتوازنات التوافقية، وهي بمثابة الميزان البصري الذي يجمع فيه الوحدة والتوازن، والتضاد والإيقاع والحركة. فهل التكوين المثالي مؤثر لدرجة الجذب المرتبط بمبادئ التكوين البصري وأهميته في أي عمل فني أو تصميمي أو حتى في تجهيزات المدن الحديثة؟ وهل ما يرضي العين يرضى البصيرة التي تتحكم بها المعايير والأسس للخط المثالي ومفهومه المستتر عند البعض؟ وهل مبدأ تماسك الخطوط في الطبيعة قابل للاختزال أو القسمة الناتجة عن مستوى العلاقات بين الخط المثالي والخطوط الأخرى؟
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol