مستويات الوعي البصري في أعمال الفنان يوسف غزاوي

ضحى عبدالرؤوف المل

تعكس أعمال الفنان "يوسف غزاوي" ( Youssef Ghazawi) عن جهود تقنية يدمج من خلالها بين رؤاه الجمالية والطبيعة الحرة ، وبين التعبير عن نفسه من خلال تمجيد الألوان القادرة على محاكاة الإنسان والطبيعة البكر أو عن كيفية استخراج الطبيعة اللونية من الطبيعة الأم نفسها. وبتأثيرات ضوئية تكشف عن حقيقة الخطوط الطبيعية وقوتها في إبراز قيمة اللون بتدرجاته المتنوعة، لإظ

هار المعنى الخفي في الطبيعة ومؤثراتها على البصر ومستويات الوعي ، مما يسمح بوضوح العناصر الأخرى الممكن استيعابها بصرياً، بالإضافة إلى الجاذبية القوية بين الشفافية والانعكاسات أحياناً، وبين التصورات الناتجة عن التفاصيل الصغرى في كل لوحة، مما يمنح اللوحة جمالية إضافية لتوثيق نظريات التكوين اللوني وقدرته على خلق التصورات الزمنية لطبيعة احتوت الكائنات الطبيعية والإنسانية، ومنحتها تعبيرات جمالية خاصة بالوعي الجمالي، وإدراك أهمية الأكواريل على محاكاة مستويات الوعي البصري في الفن التشكيلي من خلال أعمال الفنان" يوسف غزاوي" الخاصة بالأكواريل، ليزيل الغموض عن ألوان هذه المادة وقوة الإدراك البصري المستند على التأمل المفتوح من خلال التذوق الذاتي للألوان واستراتيجية إظهار قوة الخطوط من خلالها . فهل حاول الدكتورغزاوي أن يبرهن على قوة التواصل البصري من خلال أعماله هذه؟

تغذي لوحات الفنان "يوسف غزاوي" الانطباعات الحسّية فيما يتعلق بفكرة كل لون من الألوان التي استخدمها في لوحاته مختصراً تحديد النقاط بتنظيم بعيد عن العفوية التي تتجلى بالمثال الجمالي الطبيعي والبعيد أيضاً عن العبثية وفق سياقات بصرية تقتصر على المعايير التي امتثل لها تلقائياً، لأنها الأقرب لطبيعة مغايرة رسمها بنفحة فلسفية لونية تثير الاهتمام الجمالي أو البصري من خلال تحديات الألوان المُشبعة بالفواتح والغوامق، والانعكاسات المؤثرة على سرعة اللون، ولأول مرة استخدم هذا التعبير . إذ يبرهن الغزاوي على قوة الأكواريل في التمييز بين الهويات اللونية من حيث قوتها وضعفها أو علو كثافتها وانخفاضه، وكأنه في هذا يتحدى الألوان، ليثبت نظرياته اللونية في مادة الأكواريل التي روّضها كي يستحضر الطيف الضوئي فاتحاً فضاءات المخيلة نحو الطبيعة البكر أو تلك الخالية من سموم العصر الحديث أو كل ما يفقد الطبيعة عذريتها، ليمنح لوحاته الانصهار مع الحياة والطبيعة من حوله، وبألوان الأكواريل المؤثرة على روحية المشهد الطبيعي وأسراره البصرية من حيث العمق والنغمة والتوافق بين الأضداد . فهل حاول إزالة التعقيد عن بعض الألوان باستخدامها مجازياً كالأزرق في السماء والأزرق في بركة الماء وما حولها على الأرض؟

تلامس لوحات الغزاوي الطبيعة ولكن من حيث استخدام مادة الاكواريل الواسعة الشفافية والمعقدة في آن، متحدياً الأبعاد الأساسية والفروق الضوئية وسلبيات الألوان وبرودتها . إذ منحها القليل من الدفء مع الزهور الحمراء لإثارة العاطفة الوجدانية عند المتلقي ، وبديناميكية مزاجية لتعزيز رؤيته الفنية، ومنحها انطباعات ذات معاني مختلفة، كالدفء والضوء والهدوء والسرعة. وبمنطق ذي ظلال وانعكاسات ارتبطت بالإدراك البصري والاستقرار الحسّي الناتج عن مقدرة الألوان في الطبيعة وتأثيراتها على الكائنات لاستحضار أهمية البيئة على حياة الكائنات، وعلى الصحة والنضارة والحس الجمالي التأملي، المفتوح فنياً على عدة معان أخرى كالحلم والواقع والعذوبة والخيال والشعور بالغبطة، والأهم الإحساس بالرضى والجمال من خلال التحديات التي قدّمها في ألوان الأكواريل ضمن الطبيعة والحساسية المرهفة نحو الخطوط المائلة منها والقادرة على منح الخطوط الأخرى الإمتداد وخلق السطوح والانعكاسات والحقول اللونية المختلفة الأخرى . فهل رمزية الوجود والقدرة على البقاء وفق رؤية فنية تشكيلية لها معنى مختلف في أعماله ؟ وماذا عن جدارية الحرب والسلام؟

ترتكز جدارية الفنان " يوسف غزاوي" على مفهوم الحرب والسلام، وعلى رمزية الوجود والقدرة على البقاء وفق رؤية فنية تشكيلية يقدّمها بتعبيرات دلالية لها رمزيتها الأيديولوجية ، الخاضعة لمفاهيم اللون والبعد الفكري في إخضاع الريشة . لترصد الحدث المؤرخ في ذاكرة الفنان " يوسف غزاوي" ، والمترجم في جدارية أنطولوجية تبرز مشكلة الحرب مع العدو، الضاغط بكل مستوياته على أبسط المفاهيم الحياتية والإنسانية، ومنها الفنية بشكل خاص .

تغيرات حركية لأشكال مبهمة رغم وضوحها يحاكي من خلالها " يوسف غزاوي " اللون الأبيض الباحث عن السلام الداخلي قبل الخارجي، وكأنه يشير في جداريته إلى لوحة الغارنيكا ، ولكن بعمق المفهوم التشكيلي حيث يشير إلى قريته التي تم تدميرها أكثر من مرة . محدداً كيفية اللغة الفنية بتناص ينعكس على أسلوبه المناقض ، والمؤثر في اتجاهات اللون، والفراغ ، والرموز والتعبيرية والإيحائية ، وتداعياتها على نحو خاص داخل مساحات بصرية ذات اتجاهات مرئية، وخصائص تصويرية تعتمد على منح اللوحة لغة تؤرخ لوجود الإنسان الكلي، وقدرته على النهوض من المحن التي تسلبه الإحساس الخاص بالجمال والفن، فالمشهد المقترن بوجدانيات ملحمية يروي من خلالها الغزاوي الوقائع الحسية التي تأثر بها أثناء الحرب على جنوب لبنان، وعلى قريته إذ يبحث بين الرموز التي رسمها في جداريته عن الكينونة الإنسانية من خلال اليد التي تقترب لتصافح اليد الأخرى. إلا أن الفراغ يحيط بها، وتفصلها مسافة كلية تشير إلى الضعف في القوى المسببة للحروب، ولتآكل الإنسانية في ظل النزاعات المتكررة منذ نشوء الإنسان وحتى الآن.

يحاول " يوسف غزاوي " في جداريته محاكاة الزمن والمكان، وتفعيل دور المخيلة في تنشيط حكائي رمزي، وسرد تشكيلي له رمزيته حيث تبدو المربعات ، كوجوه ، وكقبور، وكعلامات قرى تم قصفها في إيحاءات توازنت مع الوقوف الهزيل للإنسان وسط الخراب والدمار من حوله . إلا أنه مزج اللون الأبيض مع الألوان الأخرى ، كاستراحات زمنية أراد لها أن تصفو مع تعابيره، ومفرداته، وموتيفاته التي تتباعد فيما بينها، في وصف باطني لأحداث تكشف عن عداوة الإنسان للإنسان نفسه من خلال مفهوم الحرب ، والقلق، والخوف، والكينونة المفعمة بإنسانية تتمزق أركانها في كل حرب تصبح فيها حتى الطيور، كطائرات تحمل في جوانبها رموز الموت والشر . إذ يخاطب " يوسف غزاوي " الرائي بكل هذا ليضعنا أمام " جورنيكا" من نوع رمزي تتجاوز حدود الذاتية والموضوعية، وتندمج مع الخطاب الإنساني، المحاكي لأوجاع شعب يتحرر إنسانيا من كل قيود الموت والحياة، وكأن للموت لغة بقاء تتناهى في مفاهيمها أحاسيس القلق، والشعور بالعدم إلى وجود من نوع آخر. أو وجود فني تشكيلي لا حدود له يرتبط بمفاهيم خاصية . تمتلك مميزات لونية يتخللها الخط المتجانس مع الرؤية المنبثقة عن الحرب، وتفاقم الإحساس السايكوفينومينولوجي المتحرر من كل المعايير الفنية، والمنضبط رمزياً وتصويرياً داخل حدود جدارية لا متناهية من حيث الحوار الداخلي والخارجي، والقدرة على وضوح الفكرة الناشئة من حدث تم التأريخ له في عمل فني يتأرجح بين الواقع واللاواقع، والرفض والقبول ، والحقيقة والخيال، لتتلاحم كل هذه الرؤى ضمن تناقضات قدمها بصرياً بدينامية باردة لونياً ، ورسومات عشوائية تتميز بعفويتها التشكيلية الممزوجة بتحولات الأشكال، وانحرافاتها ضمن زوايا منظوريه. يهدف من خلالها إلى تصوير قدرة الحروب على دمار الإنسانية.

علاقات داخلية مبنية على محاكاة للرموز فيما بينها. لتمنح الرائي إيحاءات ديناميكية. تتشكل على مسرح الجدارية الممتد بصرياً نحو فضاءات اللون الأبيض، وموسيقاه التصويرية الهادفة إلى إنشاء تكوينات منفصلة ومتصلة ، فيما بينها بفكرة الحرب المدمرة للإنسان، وبيئته الحياتية والقدرة على الوقوف لبناء المفاهيم المتجددة بعد كل حدث مؤلم يعيد الإنسان إلى نقطة البداية، وهذه دورة الخير والشر، والموت والحياة، والحرب والسلم يرى برديائيف :" إن الخلق الفني شأنه شأن كل شكل آخر للنشاط الخلاق يتألف من التفوق والتحول على الحياة المعطاة (المحددة والعينية )بمعنى أنه انتصار على العالم."

إن الألوان والتكوين، والمحاكاة الداخلية لعبوا دوراً هاماً في تحقيق جاذبية تثير البصر، ليتعمق الفكر في فك رموز الجدارية ، وحركتها العشوائية ضمن المنظور الفني المشبوب بمسحة يأس وأمل، وفرح وحزن، ونهوض إنساني تتشكل فيه الحياة من خلال الحدث الماضي بلغة حاضر ترك الجدارية مفتوحة على دلالات مختلفة ، ومتنوعة إنسانياً من حيث قدرة المربع ، والمستطيل على منح الزوايا تشكيلات ذات فضاءات توحي بأشكال متعددة. غلب عليها حيادية تميل إلى الرمادي المزرق بشفافية، وترابيات لونية متزنة ومنسجمة مع الأسود، والإضاءة المتناغمة مع الكتل والفراغات، والفواصل، والأحجام المختلفة في قياساتها النابعة من فكرة إنسانية تبحث عن السلام داخل الحروب المتتالية، التي تواجهها بفكر فني وإنساني .

تستكمل المخيلة دورها التي تبدأ عند حواف الجدارية ، ومضمونها المتعلق بالمحتوى الإنساني المناقض لفكرة الحرب والخراب، والدمار المؤثر على مفاهيم الجمال للجمال، ومنح الحدث لغة فنية تترجم الخطوط كل تفصيلاتها، وجزئياتها الغامضة، والقيمة التحاورية. لما تتسم من تلقائية وعفوية ، وبساطة في الأداء، وتعقيد في الفكرة المبسوطة على مسطحات ذات مضامين فنية تشكيلية ترتسم في ظاهرها الحروب، وفي عمقها قدرة الإنسان على الوقوف دائما في وجه كل خراب تتسبب به الأيدي الممدودة. إن للشر في مفهومها المنفصل أو للخير في مفهومها الباطن كيد إنسان يهدف إلى منح الإنسانية الخير والجمال. كل هذا في جدارية الحرب والسلام. فماذا عن تحرير الذاكرة الطفولية في لوحات الفنان يوسف غزاوي؟

صاغ الفنان "يوسف غزاوي" لوحاته بريشة تخيلية منسوجة بروح طفولية رشيقة بصرياً ، يرصد من خلالها الحركة التأليفية البنائية التي لم يطمسها، ولكن حرر الذاكرة الطفولية من قيود العمر، ليحاكي الأجيال فنياً، بما يرسخ في ذاكرته وتطور مع السنين الحياتية، ليتلاقى مع الخطوط التأسيسية لبناء اللوحة من حيث القدرة على اللعب بالخطوط، كالعامودي والأفقي والمستقيم واللولبي وغيرها ...وكلها تؤسس لبدايات فهم الطفل معنى الخط والتأليف من خلاله، وهذه قاعدة تجعله قادراً على رؤية الأشياء من خلال خطوطها ومعناها، والتي يتولد منها المربعات والمستطيلات والدوائر والمثلثات مع القدرة في الانفلات مع الألوان، وتأثيرها على منح الخطوط الأشكال المؤثرة في معانيها أو منحها الأسماء اللازمة لها، كالنافذة والباب والغرفة والوجه، وما إلى ذلك من مفردات شحنها دكتور غزاوي بروح الطفولة واحتياجاتها لمثل هذه الرسومات التي تغذي الذهن الطفولي وتعصف به. ليتمعن البصر بالتفاصيل الحياتية التي يراها الطفل، وتعيدنا إلى الطفولة في الكهولة بجمع استطاع من خلاله تغذية نظريته البناء والتأليف في الفن من الطفولة للشيخوخة . فهل يضعنا الفنان "يوسف غزاوي" ما بين عفوية رسومات الأطفال ودقة الخطوط، ليثير بنا لذة اكتشاف قوة الخطوط التي ننطلق معها نحو الحياة ؟ أم أنه فعّل الرمزيات الفنية كالسلم والعصفورة والطائرة الورقية والقفص، لتكون إيحاءات لطفل في داخله ينمو مع الأطفال الآخرين ؟

تتخذ المفردات الجمالية في لوحاته هذه التي يحاكي من خلالها شتى المعاني البصرية التي تنطلق أسسها من علم الخط ،وضمن مستويات مختلفة تتوازن معها الدلالات بشتى مدارسها، لتُنعش الحس الفني والتأملي والممتع في الكثير منه .خاصة أنه يستدعي الطفل الكامن في النفس والطفل الذي يحيا بدايات عمره بثنائية نحلّق معها ، فمن منا لم يتأمل السماء يوماً ويقوم بعد النجوم أو لم يمسك عصفوراً أو يصعد السلم القديم. ليصل إلى السطح وفي يومنا هذه اختلفت المسميات وبقيت الخطوط ومدلولاتها هي حقيقة الأشياء من حولنا حتى عند تعليم الطفل للخطوط نبدأ بالعامودي والأفقي وغيره . فهل التغيرات الزمنية في الأمكنة ومعانيها تشكيلياً هي ذاتها من حيث القدرة التأليفية في رسومات الأطفال القائمة على الخطوط وأساسيتها ؟

تتضمن لوحات الفنان "يوسف غزاوي" رؤية حركية ومعرفية وعاطفية غير معقدة للطفل. رغم أنها تعتمد على الأسس البنائية لتنفيذ حركات اليد عند الطفل، التي تترك أثراً في النفس فيما بعد، فالأنواع المتعددة في لوحاته من هندسية وتصويرية التي يمكن تنفيذها ببساطة من مجموع الخطوط الأساسية ، والمؤثرة على الخيال وخصائص الرسومات التي تتشكل منها وفق مراعاة الإحساس عند كل طفل، وممارساته النفسية بمختلف وجهات النظر التحليلية والنقدية التي يمكن لها فهم المغزى والمعنى. فهي تمثل نوعا من التبادل البصري بين كافة الأعمار خاصة تلك التي تميل إلى الوعي بمرحلة الطفولة، وما تمثله من وحدة جمالية حقيقية تولد وتبقى حتى الموت. فالجمال العفوي في حركات اليد في مرحلة الطفولة هي نقطة الانطلاق في السير نحو بناء الخط، والأشياء الأخرى في رحلة الحياة التي يعيدها الفنان "يوسف غزاوي" في رسوماته هذه إلى بداياتها .ليجعل من لوحاته لغة طفولية تُمجد قوة الخط وتأثيره في الرسم حتى تلك التي تمثل الرموز القديمة على جدران الكهوف، وهي نوع من الإتجاهات التأليفية والبنائية أيضا، والتي أصبحت كرموز نميل إلى ترجمتها بشتى الطرق، ونستمتع بها جمالياً خاصة في انعكاسات خطوطها ما بين العامودي والأفقي والمائل، وهي بمثابة مفاتيح لفهم ما انتجه الإنسان بما يخص الخط وقوته .فهل نحن أسرى طفولتنا ولو بلغنا من العمر عتيا؟

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol