وتريات لخطوط حبرية يكتنفها الجمال الفني في لوحات "زوهراب"

ضحى عبدالرؤوف المل

تصاغ الخطوط في لوحات الفنان "زوهراب" (Zohrab ) بدقة تعبيرية لها مزاجية الحبر الهندي ودقته ذات اللياقة الجمالية، وبتشكيل يحبك من خلاله الخطوط، ليثير عدة تساؤلات بصرية لها أبعادها البصرية ، المحفوفة بلغة الفنان المُدرك لمعنى الخطوط التي ينتجها من الحبر قبل أن تختلط الألوان ببعض المعاني المصقولة بمرونة تمنح الخطوط السميكة والخطوط الدقيقة مزيجاً من الحرفية، منتقلا من البساطة إلى التعقيد وبالعكس، لتتكون اللوحة من تأثيرات الظل والضوء، وبتدرجات صلبة وواهية في آن. ليؤلف منها زوهراب وتريات لخطوط حبرية يكتنفها الجمال الفني بأوبرالية تصاعدية تنتج نغمة موسومة بخربشات توحي بالعفوية، لكنها تتسم بالذوق التشكيلي، وغنى البصيرة المحملة بأدق تفاصيل الفكرة المنبثقة عنى الأشكال التعبيرية التي تمتزج بالمعنى الذي لم يفارقه "زوهراب" إلا لتشكيل عدة معانٍ بمعنى وتريات خطوطه الحبرية وجماليتها ذات النمط المعاكس في الخطوط من حيث الطول والتوجيه، والقدرة على السيطرة على النقاط الأساسية التي ينطلق منها بحنكة تشكيلية.

منطق تعبيري تخيلي ذات منحى فلسفي مرتبط بخصوصية زوهرابية تنصف الخط، وتعتبره من أساسيات التكوين وفق متغيرات بنائية شاخصة بتفاصيل إنسانية يستخرج منها صفات الوجوه التي تنبثق من الذاكرة، وتحاكي وجدانيته وبمستويات بصرية تُعنى بالجزء والكل، لتكتمل حركة الخطوط ومشاكساتها مع اللون المنفرد إن الأساسي أو المركّب، وبنغمة يتلاعب معها تاركاً للخط رحلته البصرية الشبيهة برحلة الحياة من النقطة وإلى النقطة بمتافيزيقية الرحيل والبقاء، والأثر الموحي بإبداع الإنسان فكرياً ووجدانياً، لتترجم لوحاته الأحاسيس التي ترتكز باتجاهات الخطوط والضوء اللامتناهي الذي يدخل بعمق في لوحات الفنان زوهراب التي تنطق بالحياة، وبتوظيف لقدرات تعكس ثقته بريشته التي يسيطر عليها بفن بصري في عملية الخلق الإبداعي التشكيلي .

يتفرد الفنان "زوهراب" إن باللوحات الزيتية أو اللوحات الحبرية بالإيقاع الداخلي المنظم، وإن بدا عشوائياً. إلا أنه ينطلق من الأسس الفنية المؤمن بها في تكوين لوحة هي الحياة بمتناقضاتها وتناغمها الحركي، المتضمن فيزيائية الضوء بين الخطوط وانعكاسات الظل، وبابتكار يهدف إلى تقليص الأجزاء ومنحها عدة أشكال لها ميزاتها البصرية على سطوح اللوحة ونماذجها الموجية للضوء، ونغماته الخاصة. إن مع الخطوط أو مع الألوان أو التشكيل الإيحائي بجوانبه الفنية المتعددة التي تعتمد على التقارب والتماثل، لفهم ظواهر الحياة وشموليتها باليقظة والوعي لمتغيراتها التي تتمثل بالخطوط ودقتها وتنوعها بين المائل والعامودي والأفقي وما إلى ذلك .

يستوحي الفنان" زوهراب" الحكمة الفنية من الطبيعة التي تعانق الإنسان بسمو خطوطها الضوئية ظل البقاء الذي نجده كخطوط وهمية يتركها في لوحة توقظ الوجدان، وتسري نسماتها الجمالية في نفس المتلقي. لما تحمله من أهازيج حركية تحتوي التعبير عن كينونة مشاعر مؤانسة للمعنى التي تدخره اللوحات، لتندرج التفاصيل الأخرى تحت أسماء ومصطلحات تشكيلية. إلا أنها رقصة لها إيقاعها وأوزانها وقدراتها في خلق مفردات ضوئية خاصة بالحالة التي تتنوع فيها لحظة الخلق. إذ يعتمد "زوهراب" على الضوء المنبثق من ساعات النهار، لتشكل اللوحة مدارات زمنية تبرز من خلالها قوة النفس وتمسّكها بالخطوط وألحانها الحبرية ، المنفصلة والملتحمة مع الجزء والكل وبموضوعية جمالية مؤثرة بصرياً وعبر قياسات لها توازناتها على المساحة والتفاصيل الأخرى.

تومئ الخطوط في لوحات "زوهراب" للشكل تقترب منه تلامسه، تفارقه، تشاكسه تنأى عنه تستريح عند الضوء أو تنعكس مع الظل وبأجواء تخيلية لها تعبيرها القوي، وتأثيرها الفعّال باستدراك النشوة الجمالية المتأثرة بالحياة وقوتها في خلق عناصر الجمال عند الإنسان المكتشف لخيوطها المتينة وجدانياً وعقلانياً، وبسرد فيزيائي تنساب معه الأحاسيس التي تكتنز الفكر الفلسفي الذي يحتفظ فيه زوهراب روحياً في لوحاته بأبعادها التشكيلية الناتجة عن استمرارية الحياة. فماذا عن جسيمات اللون النغمية في لوحاته المتجددة برؤية محاكية للتقارب البصري في الفن؟

يفرك الفنان زوهراب في لوحات تقريبية جسيمات اللون النغمية ، لتكون موسيقاها مرتبطة بالتقارب الانتقائي الذي يرسمه بدقة، وبتحسينات بصرية لها سكناتها التي ينطلق بها من شكل إلى شكل، ومن لون إلى لون .إذ يستخدم الأسس الأولية لبناء اللوحة وفق عناصر التظليل، وبنمذجة أولية لمفهوم انطلق منه في كل معرض قدمه" زوهراب" واستطاع من خلال الابتعاد عن الرتابة والتكرار، وإن بتفصيل مشبع بالضوء الذي رافقه، كلغة زوهرابية خاصة لها سرها ومكمنها في لوحات تستمد من الحياة المحبة والأمل والإشراق ، وبالقوى الحسّية المؤسسة بصرياً لمساحة يقسمها بمعايير مؤتلفة مع بعضها البعض. لتكوين الأضداد الجزئية بملامح اللون وفيزيائيته، كنظم استثنائية تشكّل عدة نظريات في اللوحة قبل البدء في التكوين .

كتلة من الإيقاعات المختلفة يوزّعها زوهراب كوميض موجي، ليتمم الفكرة التي تنشأ من الفضاءات التخيلية للنور الذي يجذبه كفراش يبحث عن الفراغات، كي تتضح معالم درجات الألوان بين الصياغة والفهم التقريبي لها. ليلغي بذلك حدود الأشكال عبر الدلالات وتكنولوجية الحركة حسب مستوى العين والتشخيص المرتبط بالمضمون، وإعادة تشكيل المفردة في تركيب فني هو النسيج المتكون من الإدراك التشكيلي وصفاته في رسم المعالم الجمالية التي تغدو كقطعة ذهنية تثير الحواس، وتوحي بالتفاعل الموضوعي مع الكون والطبيعة والحياة، وثلاثية فلسفية استكملها "زوهراب" بلوحات ذات مقاسات كبيرة، وبأوصاف اللوحات التقريبية التي قدّمها كأشكال فنية عن أفكار مجردة من المكان والزمان والحدود المادية، وإن ضمن الرسم المحيط بالجوهر، وبتجسيم لموسيقى البصر الناتجة عن مجازات الارتحال بالنور نحو الجمال المطلق المتمثل بالرموز المتمسكة بالعائلة والمحبة للمساحة التي تعلق بها "زوهراب" دون أن يتجاوز الخط والشكل والفراغ والضوء والانطباعات العامة .

تتميز أعمال الفنان" زوهراب" برصانة تشكيلية في الشكل والمضمون، والأسلوب المرن في إظهار البساطة المتخيلة، وبانجذاب يسترعي الاهتمام عند المتلقي. وفق نسق اختياراته في البنى الموضوعية وتنوّعها الحسّي، إن من حيث الضوء وقوته أو خفوته، وغالباً ما يشعر المتلقي أنه كالنور الذي يكشف به عن أعماق الخط وسر تحولاته أو من حيث الكينونة الروحانية التي يتركها بين الفراغات أو في العين عند رسم أخته بشكل خاص. إن في الرسم التقريبي أو في الرسم الاكتمالي المُكتسي بتوصيفات عقلانية بالتوازي مع وجدانيات اللون والعاطفة الضوئية،ليترك للريشة فيما بعد سجيتها للتنقل بحكمة مع غريزة الفنان ومقاصده الفنية المُصغية إلى الذات وانطباعاته في خلق التفاصيل الصغيرة داخل لوحة تضج بضوء الحياة.

استكشاف يعززه التحليل اللوني في لوحات تنبعث منها حالة المشاعر الإيجابية التي تغمر الريشة الضوئية الباحثة عن صميم الوجود عبر اللون وكنه الخط ، وقوة الخلق الفني الأصغر، ومنشأ الدهشة التي تصيب الحس البصري دون مبالغات نقدية . إذ تتباين الظلال في أعمال الفنان" زوهراب" كماورائيات تنقلنا إلى الخلود الذي اشتهاه، وتركه في لوحات تلامس الواقع والخيال، وبطبيعة الفصول كافة والخطوط أيضاً. والألوان الداكنة والفاتحة وبمتغيرات خلاقة توحي بالثقة والأمل والانعتاق، والإدراك والكينونة المادية والأثيرية، وبتكثيف يصوغه بانضباط يحيل اللوحة إلى مشهد ينمو ويزدهر بالحركة، وبالوعي الناتج عن الإيمان بالموت وقوة الحياة الخالدة فيه، وإن وفق إشكالية المعنى وتخليده عبر طقوس الرسم، وما تحظى به مساحة اللوحة من جمالية الحس الإنساني عند زوهراب.

في لوحات "زوهراب" تهتدي الحواس بالنور المنبثق من اللوحة، كنافذة مفتوحة تفصح عن سر الوجود، وتدرك أهمية الخروج من الفراغات باللون المنتمي إلى نسيج يكتنه الكثير من المؤثرات المخبوءة طي ألوانه، وتجاوزاتها الطبيعية المتجذرة بقيمتها التشكيلية ذات النهج الجمالي في الضوء والظل والمساحة، وبتحاور تتكافىء معه المكونات الطبيعية بلمسة صوفية وفق المعنى الإنساني وقضايا الماورائيات والاتصال الحسّي بالضوء وقيمته الحياتية. فماذا عن البناء الفني وأهميته في لوحاته التشكيلية؟

لا يستبعد زوهراب حفاوته في تفاصيل اللون وفرحة نماذجه التعبيرية، مؤكداً على البناء الفني وأهميته في اللوحة التشكيلية، وأمكنتها ذات الفضاءات المشرقة، المثيرة للبهجة معتمداً على الحدس والإبصار في خلق انطباعات مختلفة ليلفت الأنظار بقوة نحو الداخل، وليحافظ على الرؤية الجوهرية للشكل وإيهامه ، فهيكيلية اللوحة تشكل الجزء الأهم في منح الإحساس قيمة بالمكان الذي يحتوي عناصر اللوحة، كطبيعة تطرح في تصوراتها تساؤلات عديدة نحو مكونات اللوحة في أعمال " زوهراب" وسر دلالاته المخفية التي تتراءى كتوازنات نغمية تنصهر مع جزئيات اللون وتقنيته في استبطان العمق الجمالي ، والوعي الفني التحليلي المثير لجدلية الموت والحياة عند زوهراب.

تتلاشى الشخوص الوهمية عبر اللون، وكأنه يؤلف من الألوان إيحاءات لوجوه يفتقدها ويغمرها بفرحة ألوانه ونشوتها التي يسعى من خلالها إلى امتلاك المساحة وبسط سلطته التشكيلية عليها. لتكون ترجمة لمشاعره الوجدانية النابعة من الجمال الداخلي الذي يتمتع به، فيمنحه للوحة تكتسب هوية فنية زوهرابية لها بصمتها الخاصة بازدواجية حسّية يجمع فيها الإنسان مع الطبيعة وتناغمه معها، وكأنه يتصالح مع الكائنات من حوله في لوحة إيقاعية وشاعرية لها حيثياتها الخاصة، والاستثنائية النابعة من مسارات الألوان وأليافها البصرية المنسوجة بدقة، كنافذة تطل منها النفس نحو الحياة البصرية المتخيلة في لوحات تبث الفرح في النفس، وعبر تكنيك ريشة أوبرالية تميز بها زوهراب. لأن أصوات الألوان تكاد تنطق بمخزون الجمال الفني لتشكيل هو حبكة بصرية يرنو لها المتلقي.

.

تحولات ضوئية ترافق الألوان في ثيمات لها مساراتها البصرية التي ترتكز على محور الطبيعة وأسرارها ، وبمحاكاة للإنسان عبر أنماط تشكيلية مختلفة لها سرديتها المتخيلة التي تسهم في منح لعبة التخييل لذة استكشاف المشهد الذي يتخطى حدود الواقع أو المتخيل، لتتكون العوالم المختلفة من تفاصيل لونية وتناغم الخطوط، وتلاشى الضوء وانسجام الفكرة مع ما هو متخيل إلخ. لتصبح اللوحة كينونة ذاتية تشكيلية يتفرّد فيها زوهراب من خلال مميزاتها من عدة نواحٍ فنية، إذ لا يمكن للنقاد التغاضي عنها، لأنها موسيقية في أبعادها التشكيلية، وتعكس مرونة ريشة واثقة باتجاهاتها ومحاكاتها. بل وقادرة على التجريد والانطباعات والواقع والتعبير بلغة تشكيل قوية تمارس تأثيراتها على المتلقي بثقة تسمح بانتماء اللوحة إلى الغنى الفني في عنصر التخييل وجدليات العمق في الداخل والخارج، فهل يلاعب "زوهراب" في لوحاته النقاد أم المتلقي؟

تخيلات داخلية وإيحاءات خارجية تتناقض لتؤلف نوعاً من التضاد، لواقع تتقلص حدوده عبر الأنماط الفراغية التي يتركها "زوهراب " في لوحاته كفسحة أمل تعيد للحياة بهجتها، وتترك للوحة تكنيكها الخاص الممزوج بمراعاة الفوارق اللونية حرارتها وبرودتها تدرجاتها بين الفواتح والغوامق تناثر الضوء بين أجزاء اللون، بكلاسيكية يميل زوهراب إليها لإظهار تحولات تقنية في مفهوم التخيلات التشكيلية وأبعادها في خلق نشوة حسّية بصرية عند المتلقي والتأثير على الحدس والذوق الفني برومانسية، وتسامي جمالي يحاكي الطبيعة الأم وألوانها أولا، وكأنها هي السر الأكبر للفنان زوهراب المستند إلى مفاهيم نسبية اللون في توليد الأشكال الموسيقية، لتحرير الخيال من جمود الواقع. فهل من ألوان زاهية وائتلاف في اختلاف يجعلك تشعر بالحيرة في أعماله؟

يستنطق" زوهراب " اللون حين يمزجه بدرجات تبث الضوء ، وتهيمن على الخط والحركة، فتبتعد وتقترب لا إراديا، لتلتقط الحركة الدائرية أو المائلة نحو اتجاه الشمس. إنه " زوهراب" ودهشته الانطباعية المميزة التي يرسمها على وجه كل متأمل لأعماله، لأنك وبكل بساطة ستتساءل وأنت تغادر معرض زوهراب" ماذا سيقدم في المعرض القادم؟..

وعي داخلي وفلسفة حياتية برزت في الخطوط الحركية والألوان المتناقضة. مما يجعل الحواس تخضع لدوران الحياة الموجودة في مفاهيم لوحاته المغرّدة ، كما الطيور والفراشات التي تخفي كل منظور هندسي غير مرئي، ولكنه محسوس بدقة متناهية لا شعورية . جعلتني أبحث عن مركز الدائرة ومحور الخط، في أكثر من لوحة تعج بالحركة الضوئية المستقلة عن الحركة الذاتية للفرشاة المحملة بالسكون التعبيري الصامت، الظاهر بين الأجزاء والتعاريج ، والتفاصيل الجزئية الناطقة بالمحسنات، وبتزاوج العناصر وثلاثيتها الفنية، فالكتلة البصرية تختلف من حيث التباين، وهذا ينم عن إحساس عقلي وعاطفي ممزوج بلغة شاعرية لونية أعطاها صفة الحياة والقدرة على التجدد.

ألوان زاهية وائتلاف في اختلاف يجعلك تشعر بالحيرة ، فتسأله ماهذا يا " زوهراب" ؟فهو يتصل بريشته مع الأرض بزهورها وعصافيرها ، ومعانيها الجمالية، ليرفعك حسياً إلى ما وراء الطبيعة، ويرحل بك نحو الجنة حيث الخلود و الإيمان المتماسك بوجود الله في كل جزء حياتي، فتغرد معه لتحيا الجمال الخلاّق في مساحاته المكتظة بالحركة، والمليئة بالحياة وبالخطوط المتناسقة فيما بينها ، وكأن الكرنفال في لوحاته هو عرس طبيعة جذابة موجودة في قلب إنسان تأمل! تفكر! رسم! لون!. أو صنع من ذاته فرشاة تحط على الفراغات، فتملؤها وجوداً جمالياً متناسقاً ودقيقاً ، وكأنه يناضل مع القدر ، لصنع الجمال وإحياء فكرة الولادة هنا على الأرض وهناك حيث جنة عدن.

أسلوب ربيعي مزج فيه الهندسة الفنية مع الطبيعة، ليظهر الخط كالإنسان في مسعاه نحو النور أو الضوء المعرفي الذي يقوده نحو الجوهر ، فالمكنون العاطفي للمشاعر الحياتية عند" زوهراب" تجده في الفراغات التشكيلية التي نحتها بأحجام مختلفة . لا تشعر بوجودها مرئياً إلا حين تبتعد وتقترب ، وتشعر بالحركة، وكأن الضوء هو المنارة التي تجذب الألوان نحوها بقوة نقطة ارتكازية يضعها في اللوحة ، وتشكل بؤرة الوجود. مما يجعلنا نستكشف العناصر الفنية والموتيفات ببصر مشدود . لأن القواعد الهندسية المختلفة التي استعملها تركها غير مرئية بصرياً، ولكنها موجودة حسياً ، ونستطيع إدراكها من خلال الحركة ، فهل يحمل الفنان رسالة الجمال ويقرؤها عبر اللون والخط لكل عين ترى وقلب يتذوق؟.

كل لون من ألوان" زوهراب" هو تغريدة نسمعها بصرياً ، فالإحساس بالإيقاع يخرج من حركة كل لون ، كأنه الفراش المبثوث أو انثيالات شعرية تجعلنا نحلّق نحو فضاءات تتسع فيها المخيلة، لنقرأ الإيحاءات بدهشة خلاقة يفرضها " زوهراب " سمفونياً من خلال نوتات إيقاعية تعيدنا إلى الكون البكر، وإلى الابتكار والتجدد ، فمسارات الضوء في كل لوحة هي درب سار عليه ، ليكتشف الألوان وسرّها، والخط وقوته في إبراز الجمال، فالخطوط العشوائية والعبثية . ما هي إلا تعرجات تعطي للذات قوة تجعلها تحاور كل استقامة متشددة في الحياة. إلا أنه ترك للارتفاع في لوحة المحيط معناه الضوئي، وكأن الأسماك ما هي إلا كائنات تتناغم وفق كونية دائرية نورانية لها روحانيتها وخاصيتها ، لهذا هو مزج الأزرق مع الضوء واللون البني المركب. لتظهر عتمة اللون البني مضيئة رغم الظلال والانعكاسات التي جعلتني أستعيد أنفاسي أمام هذه اللوحة.

بناء وفناء، حياة وموت، نهاية وبداية ، انفصال واتصال، هنا وهناك والخط عند " زهراب" هو مجموع نقطتين متناقضتين ترى الجمال بهما حتى عبر اللون الراقص في دائرة التضاد اللونية التي لم تخلُ رغم الفرح من الحزن ، فاللون الأسود مع الخطوط المتعرجة ما هو إلا عودة إلى الماضي حيث الطفولة الصافية النقية ، والمرح مع الألوان ، والفراشات في تلافيف طبيعة انطباعية رسمها تجريدياً، ليضعها في لوحات تأثيرية تجعلنا نحنّ إلى الطفولة والمرح، والحب ، والتناغم، والعودة إلى الله.

أبيض كثيف نقي في لوحة رباعية متآلفة بسيمترية قادرة على الإيحاء بقوة . ترمز إلى الوجود والضياء، وتعطي للأبيض قيمة جمالية تجعله قادراً على إبراز الألوان، والتأثير عليها ضوئياً، ليظهر بورتريه أميرته بالأزرق الشفاف المختلط بالأبيض، وبتعبيرية واقعية تجعلك لا تفارق نظرة عيون تحبس دمعة شفافة تعلن الرحيل، وهي لوحة فصلية تشبه الربيع السماوي أو الإلهي الهادئ ، ليؤكد على الحضور والغياب في أرواحنا التي تلتقط الانطباعات الروحية في كل ما حولنا في الوجود. محققا" زوهراب " بذلك الانسجام الباطني واللاشعوري مع انفعالاته المختفية خلف الخطوط الراقصة على مساحة لوحة انعكاسية لها مدلولاتها المرتبطة بالدوران.

لمسات إبداعية في إيحاءاته الفراغية. رغم اكتظاظ الخطوط إلا أن بروز الضوء والفراغ زاد من جمالية الحركة المشعة بالحياة، والمشبّعة بالألوان الشفافة رغم كثافتها ، وبسيمترية بصرية تتوازن من خلالها الخطوط، فتقف مستقيماً لا شعورياً ، وكأنك وسط مشاهد رومانتيكية تجذبك نحو الحس الهندسي شبه المنتظم ، وتكرار إيقاعي يتوزع في اتجاهات مختلفة مراعياً الحجم ، والشكل، والكتلة، وحجم الفراغ ، مما يضفي الإحساس بالعمق، وبالوقت نفسه بالسطوح المتساوية، فنتأثر فسيولوجياً باختلاط الألوان وتمازجها ضوئياً ، فتصحو من أي انفعال نفسي لتتأمل الحياة خلال أربع وعشرين ساعة في لوحة بسيطة ومعقدة في آن، فالمثلثات الرمزية التي تتماسك عند نقطة واحدة تشبه رسومات الأطفال التعبيرية السريعة، وهي تشبه إشارة رمزية نستعملها غالباً للتعبير عن نوازع النفس التي تتوق إلى الحرية والطيران نحو المجهول. لنتفاعل في ثلاثية منسجمة مع بعضها البعض هي اللوحة ، زوهراب ، والمتلقي.

تشكيل حركي يحقق التوازن للرؤية الجمالية، فهو اعتمد في معرضه على الخط والتآخي مع اللون في بناء وحدة فنية لها عناصرها المحسوبة هندسياً، ليرمح بنا نحو السماء ويعيدنا إلى الأرض بقوة ، محاولا التعبير عما بداخل كل منا من طفولة ، وأحاسيس ومشاعر تمتلك صفة الألوان وتباينها، وعذوبة الضوء المتعطش للمعاني والدلالات السيميولوجية . المتماهية مع الوحدات الفنية والإيقاع الداخلي والخارجي، وهذا ما يجعل المتلقي يشعر بقوة وجوده داخل اللوحة المتواشجة لونيا. عبر ذاتية تجعل الطبيعة فكرة تلتصق بها الحياة ، كما التصق اللون الأحمر المشتعل في لوحاته كرمز قوة وبقاء. تصوّره كل مخيلة بما يوحي إليها من عبارات أو صور يحاول الذهن من خلالها فك شيفرة خطوطه ، وتذوق جماليتها الهندسية والتعبيرية تجريدياً، قبل أن نغني إيقاعياً مع إيليا أو ماضي:" متع لحظك في النجوم وحسنها..فلسوف تمضي والكواكب باقية". فماذا أقول بعد هذا عن زوهراب بعد رحيله عن دنيا فرشها بالجمال؟ هل أقول له زوهراب منحت أبصارنا حقيقة الحياة وجعلت من الألوان جنة للمحرومين من الجمال ؟

منح زوهراب الألوان مزيجاً من فرح الحياة ، وزرع في لوحاته بهجة الرؤية الصافية والطبيعة البكر التي سار فيه كديوجين يضيء من اللون في لوحاته، ليتفكر كل من يراها ويتساءل عن زهوره التي لا تنضب وعن سر البهجة التي تتسرب إلى النفس بطيبة وسلاسة، وعن وجه أخته التي رسمها في كل معرض له جاعلا من الوفاء أخوة أخرى رافقته عبر مزيج ألوانه. عن سر تلك الخطوط التي تبث الأمل في النفوس الحزينة التي تقاوم البقاء في حياة رحل عنها زوهراب جسداً، وبقي في لوحات هي من عطر وجدانه وجمال الفن التشكيلي الذي انبثق من بين أنامله واستمتعنا برؤيته في كل مرة يقول فيها الحياة هي الفرح هي جنة الله على الأرض، فكيف لا نرسمها لنستمتع بها عبر قلوب تحب الحياة؟ نعم هو الحياة التي رافقتنا في لوحات هي مشاهد لا تتكرر لأنه يمنحها من نفسه زمنية لحظة لا تعود، لأنه يمضي بخطى ثابتة وفرشاة لا تعرف إلا الحب والفرح والإمساك بالحياة .

كلمات أكتبها بدمعة تستنكر فكرة رحيل فنان عن أرض لبنان الذي عشقه، ولطالما سألته عن وطنه وحبه له، فيأتي الجواب أنا لبناني وأعشق لبنان، لأنه وطني نشأت وترعرعت فيه ومن بين ألوانه خرجت إلى النور وأرمينيا هي الأم والوطن الثاني. كلمات لها صداها في نفسي، ولوحات هي الأثر الفني الجميل التي ستبقى بصمة زوهراب في حياة رافقنا فيها، ورحل عنها باكراً بعد صراعه مع المرض بصير وأناة، وصلاة يرفعها في كل حين، ليخفف من أوجاع أو من حزن أو من أمل صمت عنه، لأنه ينتظر الضوء ليرحل إليه كفراشة تطير نحو الحرية، ونحو جنة ألوان بإحساس الراحل نحو الموطن الأخير، وصرخة يكتمها من هجر لألوان هي في انتظاره لترحل معه على الأقمشة ويعزف معها لحن الحياة .

جذبه الضوء فتناغم معه إلى أقصاه بحواس لم تنفلت من عقلانية المقاييس، وكأنه يشدّ على يد الحياة لترافقه في أعماله كلها، ولتكون الوميض الذي يشدد به أزره، ليبقى الساكن المستقر جمالياً في لوحات أدرك أنه سيترك من جمالية روحه فيها ما يجعلها مضيئة في النفس ، لنتساءل عن الأسلوب في كل مرة نرى قطعة من قلبه تركها معلقة على جدار لوحة أو في سقف كنيسة أو عبر عمل فني تركه هنا أو هناك للذكرى. إذ يغوص دائماً في عمق اللون، ليستخرج جوهره بتدرجات يحزم فيها خيوط الضوء المتناسبة مع الخط والألوان الأخرى، وبانسجام لا يتعارض مع بقية العناصر، وكأن اللوحة هي العالم الحي الذي عاش فيه وخرج منه بروح تنبض بالبقاء. فهل أستطيع يا زوهراب أن لا أقول إلا البقاء لله؟.

لوحات أشبه بملحمة تشبه حياته التي أمضاها في الفن، بل وناضل بريشة مغموسة بروحية فنان عشق لعبة الخطوط وانعكاساتها التي تجسد مسيرة حياة لمع جمالها في بصره، فرسمها لمحبيه عبر الأشكال والألوان، وفذلكة الوجود الذي فارقه عبر الجسد، وسكن فيه من خلال لوحات ستبقى حضارة خاصة بزوهراب بيننا ، فبوركت نفس زوهراب العاشقة للحياة وجنة ألوانها وبوركت رؤاه الجمالية التي عششت في قلوبنا، ليكون كما أراد وتمنى الإنسان الذي محا الحزن بفرح الألوان، وبث الفكر في تأملات ينمو العقل من خلالها حيث إدراك قيمة الخطوط التي تساير ألوانه، وكأنه يوحي أن ما تحت الألوان هي القدرة على النسيج والبناء أو الحبكة الكونية التي ترعى الإنسان في كينونته، وهي الإيمان بخالق الوجود القادر على الإمساك بخيوط الحياة حين نرحل إليه كفراشات تطير نحو الضوء، فهل رحل زوهراب حقاً عن الحياة وألوانه ترفرف فوق سماء لبنان الذي أحبه حتى الرمق الأخير؟

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol