لوحة الفنان الألماني ألبرخت دورر ورمزيات المعنى التشكيلي في فن التصوير
ضحى عبدالرؤوف المل
يتعمق الفنان الألماني "ألبرخت درر" Albrekht Durer في عمق النفس البشرية ، لاستخراج المؤثرات الحسّية التي تظهر على تفصيل الجسد ، وكأنها تترجم المشاعر من خلال الخطوط الانسيابية الظاهرة برقة متناهية على الوجه واليدين أو على حركات الجسد وتأثراته المبطنة والمختبئة بين ثنايا الجلد، وبحس مرهف يكلله بترجمات الرسم أو بالخطوط المختلفة التي تحاكي بصرياً النفس بشكل تأثيري، وبأدق التفاصيل التي يمكن أن تقرأ بصرياً، بقوة الملاحظة، وبإثارة التساؤلات، وبخلق مساحات تبث الألفة والمحبة والجمال. إن في لوحة الأيادي المتناسقة في رمزيتها وتأثيرها على المعنى الذي تفرضه، رغم أنها قد تكون واقعية تم تصويرها بعيداً عن الوجه . لتكون ضمن التعبير الصامت في رسم ذي منهج هندسي مدروس وفق طبيعة جيومترية متزنة في حال جمعنا نقاطها التي يتركها. لتكون شبكة بصرية تجذب إليها الحس الفني وفق النسب التي أتقنها ألبرخت المولود في نورنبرغ ألمانيا، والشغوف بالمنظور الهندسي المرتبط بكل ما يحيط بنا من الإنسان وجسده ومقاييسه وأبعاده إلى القدرة على الحفر والنقش والرسم بكل اختلافاته ما بين الغائر والنافر . لتتقن ريشته إبراز الخطوط حتى في أدق المعاني كالصلاة والرذيلة والفضيلة ، والخشوع والجمال المطلق في لوحة تتويج مريم العذراء، وأيضاً لوحة أيدي الصلاة بالقلم الجاف والحبر وغيرهما من لوحات برزفيها قيمة الظل. لخلق الأضداد وجمعها ضمن توازنات ذات معادلات رياضية قائمة على انعكاسات الظل فيزيائياً. ليجمع في لوحاته رمزيات المعنى التشكيلي في فن التصوير الذي يضفي على لوحاته جمالية خوارزمية لا تخلو من تناظر . فهل جمع الفنان" ألبرخت دورر" بين الواقع والخيال وفق رمزيات المشاعر والأحاسيس وما تنتجه الروح من تعابير على الجسد؟ أم أن الجسد الإنساني أبهره في خلق معاني الفضيلة والرذيلة ونقش المشاعر المختلفة بين البراءة في لوحة تتويج مريم العذراء ولوحة الجشع في رسم امرأة عجوز؟
واقعية طبيعية تميز بها "ألبرخت دورر" إلى جانب فهم التعابير الإنسانية فهماً يميل إلى قوة النقش والحفر عبر القلم أو الريشة ، وباختصار مبطن لمشاعر الإنسان التي تختبئ في ثنايا جسده، والنسب الدقيقة بين الخطوط الظاهرة والغائرة ، وهذه ثنائية الحفر على الخشب التي استطاع التمسك بها وإظهارها في الرسم . إذ احتفظ في لوحاته بنسب جمالية خاصة هي ميزته الاستثنائية تعبيرياً أو بصمته التي تفتح المجال أمام العديد من الدراسات الخاصة بالنسب الجمالية في لوحاته ومعادلاتها الأخرى من حيث المنظور والأبعاد والمساحات . وكأنه يعتمد على التشريح البصري العميق لكل حركة تظهر أو تغور، كالفرح والحزن والتعاسة والرذيلة والفضيلة، وكلها معانٍ حسّية يصعب إبرازها في الرسم ما لم تكن النظرة الفيزيائية تصحبها معادلات رياضية وأخرى ضوئية أو الأحرى قدرة الظل على استخراج المعاني الحسية التي يحتفظ بها الجسد الإنساني، وبزخم تعبيري هو طبيعة الإنسان أو الأحرى ريشة الفنان التي تعيد إنتاج طبيعة الواقع بأسلوب فني غني بالتعابير القادرة إنسانياً على الاحتفاظ باللحظة التي رسم فيها لوحته دون أن يهمل معنى قيمة الجمال في الفن النابض بالحياة. فهل استطاع" ألبرخت دورر" إظهار التفاصيل الدقيقة في الإنسان، كأنه يحاول تشريح الجسد الإنسان من خلال الرسم ؟ أو بمعنى آخر قراءة الانفعالات حسياً من خلال الجسد، وما يختزنه من مشاعر القداسة. كما لوحة الأيدي في الصلاة أو لوحة مريم العذراء بأبعادها البصرية القوية جداً هندسياً ، والتي تحاكي الجمال بواقعية الوجود وطبيعة الغيب الماورائي الذي يظلله من خلال الضوء ومعانيه المستترة في الظل. فهل ترتبط رسوماته هندسياً بسمة النسب الرياضية التي يمكن دراستها في لوحاته كمعادلات فنية ذات أهمية هندسية؟
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol