هل استطاع الطاقم الدرامي لمسلسل "ساق البامبو" الإمساك بالحبكة الإنسانية في الدراما؟

ضحى عبدالرؤوف المل

استأثر مسلسل "ساق البامبو" باهتمام المشاهد العربي، وإن استنكر البعض القصة الاجتماعية التي قدمها الروائي "سعود السنعوسي" بجمالية زادتها الممثلة القديرة "سعاد العبدالله" قيمة درامية لا يمكن إنكارها، باعتبارها العمل الدرامي الذي يستحق وقفة نقدية طويلة، لترتقي لغة الدراما العربية، وتغتسل من أدرانها التي تقبع تحت خيمة رمضانية يتنافس على الجلوس فيها أصحاب الأعمال الدرامية التي تُقدّم في رمضان. إذ ابتعد مسلسل "ساق البامبو" عن مزلق الأعمال التجارية البحتة التي تكرر نفسها في السيناريو والتمثيل وما إلى ذلك. لنستمتع بدراما حملت في طياتها جدلية واسعة دفعت بالمشاهد إلى التفكر في الكثير من المعضلات الاجتماعية التي نعيش الخوف منها، وندفع فواتيرها بقسوة لها مرارتها ومبرراتها، لكنها ما هي إلا عادات اجتماعية تحدث مثل عيسى الطاروف، ولد الفلبينية. إذ طغى الشكل على الهوية، والإنسان واحد في كل زمان ومكان، والسلوك الاجتماعي لا يمكن التنازل عنه بسهولة.

فهل استطاع الطاقم الدرامي لمسلسل "ساق البامبو" الإمساك بالحبكة الإنسانية في الدراما من مؤلف ومخرج وممثل، لتقديم عمل فني جمع الأدب والدراما في مفهوم فني يضيف على المشاهد لذة الاستمتاع بمشاهدة الرواية عبر حركة التمثيل والإخراج؟

ساعد الإنتاج بنسبة كبيرة في نجاح العمل، كما نجح التتر مع أغنية "أنا إنسان" للفنان "عبادي الجوهر" في جذب الحواس ضمن المفهوم السمعي للكلمة المؤثرة واللحن المناسب. إلا أن للمخرج رؤيته الكلاسيكية التي انسجمت تمامًا مع واقعية القصة والبناء الدرامي، وحافظت على النكهة العربية في إدراج الشخصية الفلبينية التي لونت العمل وتركته يتمم العناصر الدرامية في النص، ليخرجوا من الرواية كما أراد لها "سعود السنعوسي" والمخرج "محمد القفاص"، إضافة إلى السيناريو ومعالجته الوسطية الدقيقة بتماثل مع الرواية.

إضافة إلى الصورة وجماليتها التي لم تخرج عن المشهد حتى الرومانسي منه، بل اتسعت وحصرت المشهد ضمن الشخصيات بأسلوب دافئ، وبتركيز على جوانب الحزن والفرح، وانعكاسات ذلك على أركان المنزل أو حتى في المستشفى والأماكن الأخرى ضمن الأفكار الدرامية المتناغمة مع واقعية القصة ومتخيلها على السواء، بما في ذلك الشخصية الفلبينية كالخدم في المنزل والنظرة العامة لهم من خلال الشكل واللغة وما إلى ذلك.

خروج عن التقليدية في العمل أضافته الفنانة "شجون الهاجري" بالمرح المشاغب الذي استطاع فرض توازناته بين الشخصيات، وإضفاء نوع من كسر الروتين في عائلة تحتاج لهذه الشخصية، لتخفف صرامة اجتماعياتها وتقاليدها ضمن أيديولوجيات حرص الفنان "عبدالمحسن النمر" على الانتباه لها ولعب الدور بأسلوب تأملي هادئ دون الخروج عن المألوف أو المبالغة، بإقناع وتأثير عاطفي أضاف للمشاهد دوره في التعاطف معه أو انتقاد الشخصية وسلبياتها أمام الأم وقدرتها على فرض السيطرة. فهل سيطرت الرواية على العمل الدرامي، أم أن تآلف الوجوه والعناصر الدرامية انسجمت مع الأركان الأخرى؟ وهل تفتح رواية سعود السنعوسي لرؤية درامية رمضانية خاصة؟

تفاعل نشط بين الحوارات ساعدت الموسيقى التصويرية فيه على جمع الجوانب الواقعية مع الخيالية في دراما وصلت ببساطتها إلى المشاهد، ليندفع المشاهد بتحليلاته وتأويلاته المفتوحة مع الفعل ورد الفعل على وجوه الممثلين الذين أدخلونا إلى بيت "عيسى الطاروف" وأخرجونا منه إلى بيت صديق عائلة الطاروف الفنان "فيصل العميري" الذي يجاهد في حب ممنوع مع الحفاظ على ابن صديقه من الفلبينية بروح لم تفقد الأمل، مما بث نوعًا من الحميمية بينه وبين المشاهد الذي تعاطف مع الحدث وتأثر به معتمدًا على التأمل بنظرة العين الشبيهة بنظرة العدسة الباحثة عن المكان المناسب أو بالأحرى الحائرة من الواقع. فهل نجحت الترجمة الدرامية لرواية "ساق البامبو"، أم أن نجاح الرواية هو الذي ترجم نجاح هذه الدراما؟

مسلسل "ساق البامبو" هو تجسيد درامي لرواية الروائي سعود السنعوسي، الذي يعالج من خلالها قضايا اجتماعية وإنسانية معقدة. تروي القصة حياة عيسى الطاروف، الذي وُلد من أم فلبينية وأب كويتي، ويواجه صراعات متعددة تتعلق بهويته ووجوده بين عالمين ثقافيين مختلفين.

عيسى الطاروف، الشخصية الرئيسية، يعاني من صراع داخلي عميق يتمثل في قضايا الهوية والانتماء. هذا الصراع يظهر من خلال معاناته في فهم مكانه بين عائلتين مختلفتين ثقافيًا واجتماعيًا. عيسى يعيش في حالة من عدم الاستقرار النفسي، حيث يشعر بأنه غير مقبول بالكامل في أي من الثقافات التي ينتمي إليها. هذا الصراع الداخلي يؤثر بشكل كبير على تطور شخصيته وتفاعلاته مع من حوله.

عيسى يواجه تأثيرات قوية من التنشئة الثقافية المتناقضة، حيث تربى بين قيم المجتمع الكويتي وأسلوب الحياة الفلبيني. هذه التجربة تجعله يعيش في حالة من التشتت بين القيم والتوقعات الاجتماعية المختلفة، مما يسبب له اضطرابًا نفسيًا. الصراع بين هويته المزدوجة يعكس التحديات النفسية التي تواجه الأفراد في سياقات مماثلة.

تتمثل إحدى أبرز مواضيع العمل في رحلة البحث عن الهوية. عيسى يسعى لفهم من هو، وأين ينتمي، وكيف يمكن أن يتصالح مع ماضيه المتعدد الثقافات. هذه الرحلة النفسية تعكس إشكاليات البحث عن الهوية التي يواجهها العديد من الأفراد في سياقات متعددة، مما يجعله موضوعًا ذا صلة عاطفية وفكرية.

الشخصيات في المسلسل تتطور بشكل ملحوظ من خلال تعبيرها عن صراعاتها الداخلية والخارجية. الشخصيات الثانوية مثل والدي عيسى والأصدقاء يقدمون أبعادًا مختلفة للصراع الأساسي، مما يساهم في إثراء الحبكة وتقديم أبعاد متعددة للقضايا النفسية والاجتماعية.

العمل يتناول تأثيرات السياق الثقافي والاجتماعي على الشخصيات، بما في ذلك الصعوبات التي تواجهها الشخصية الفلبينية داخل المجتمع الكويتي. هذا التناول يعكس التوترات الثقافية والتحديات التي قد يواجهها الأفراد ذوو الخلفيات المتعددة في محاولة للتكيف والاندماج.

الأسلوب الفني في المسلسل يعزز من تأثير الدراما النفسية من خلال استخدام التصوير والموسيقى والتمثيل لنقل الصراعات الداخلية والخارجية. الإخراج والموسيقى التصويرية يلعبان دورًا هامًا في تقديم المشهد النفسي والتعبير عن المشاعر العميقة التي تمر بها الشخصيات.

مسلسل "ساق البامبو" يقدم دراسة نفسية عميقة حول الهوية والصراع الثقافي من خلال حبكة درامية متقنة. يعكس العمل التحديات التي يواجهها الأفراد في محاولة للتصالح مع هوياتهم المتعددة، ويعزز من فهم المشاهدين للواقع النفسي والاجتماعي للأفراد في سياقات متعددة الثقافات. من خلال تقديم هذا الموضوع بأسلوب فني مؤثر، ينجح المسلسل في خلق تفاعل عاطفي وفكري مع المشاهدين، مما يجعله عملًا دراميًا ذا أهمية خاصة في تناول قضايا الهوية والانتماء

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol