هذه حرب، والقتل فقط من قواعدها
قراءة في رواية "الهاوية" للروائية "زينب مرعي"
ضحى عبدالرؤوف المل
ابتعدت الكاتبة "زينب مرعي" في روايتها "الهاوية"، الصادرة عن "دار نوفل" أو "هاشيت أنطوان"، عن اللغة المصطنعة التي دمغت بها الحوارات، بلغة الشارع الواقعية بكامل ألفاظها، لتقارب بين القارئ وبطل قصتها سهيل الذي يتخبط في مفاهيم الحرب والبقاء، وأحداثها والتأثر بالمحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه، لخلق أجواء طبيعية بعيدة عن القيود، لتلامس القراء بأنواعهم. وتخوض الرواية لا تعتمد على الفصحى بكاملها، بل تستند إلى طبيعة الرؤية الفنية في الرواية، وربما هذا قد يجعلها محصورة في أماكن ما، رغم لعبة الزمان والمكان التي لجأت إليها المؤلفة "زينب مرعي" لتزيد من نسبة قرائها على امتداد الوطن العربي، وبالأخص أنها تتابع حالة مقاتل حرب حمل سلاحه وقام بالقتل غير المتعمد كما يقول في الرواية: "فهذه حرب والقتل هو فقط من قواعدها"، والفصل بين القتل في الحروب القائم على الربح والخسارة أو على الدفاع عن النفس أو الثبات في أرض المعركة، والقتل المتعمد في الحياة الواقعية أو العادية البعيدة عن الحرب، معايير أخرى في حياة المقاتلين أنفسهم. وبهذا تكون "زينب مرعي" قد دخلت إلى النفس وقناعتها في إتمام دورتها الحياتية وفق ثيمة سردية لها آثارها النفسية الكبرى التي تصيب البعض جراء التخبط بين الحدث وزمنيته فيما بعد، ومؤثراته على الحياة العامة.
بين الوعي واللاوعي، جدليات وجودية تأويلية في مسارها النفسي المعتمد على ما وراء حياة المقاتل، وقوة لعبته الحياتية التي قد يستسلم لها البعض، ويرفضها البعض الآخر. وفي كلتا الحالتين، يبقى الصراع قائمًا حتى الرمق الأخير. وما العودة إلى البيضة إلا رمزية الولادة القابعة في النفس بعد ذاكرة مثقلة بالأحداث، إذ يشعر الإنسان بلذة السقوط، أو بالأحرى الهروب نحو الجنون، لتفريغ تلك الذاكرة من محتوياتها التي تشكل الأسس الموجعة في الحياة التي تستمر مع المقاتلين بعد وضع سلاحهم للعودة إلى الحياة، وهم يحملون أوزار الحرب بمرض نفسي يصعب الخروج منه. وإن دخلوا في متاهة البيضة والعودة إلى مراحل الولادة من جديد، فهل نجحت زينب في الدخول إلى عمق النفس التائهة بالوقوف على الهاوية بعيدًا عن السقوط في خضم الحروب ومآثرها الهادمة للإنسان بشكل عام؟
الصراعات الإنسانية هي الحروب المستمرة في الحياة، كتلك الحياة التي يعيشها سهيل مع زهرة التي حاولت إشعال بنطلونه بالسيجارة محاولةً إيذاءه لشيء ما يقبع في نفسها. إذ تخبئ في نفسها الشر لزوجها حتى في أمنيتها التي تعترف بها بمحاولة إعادته إلى أمه، وكأنها تنتزع فتيل الشر من زوجة رافقته في الحياة، وهو من تزوجها ولم يحاسبها على اختياراتها السابقة. بينما هانا لم تقدم له إلا يد المساعدة للتخلص من الهذيان في رأسه المصاب بهلوسات الحرب اللبنانية في سرد سيكولوجي مشبع بالتصوير المسرحي ذي التشكيل المبني على الحدث وتفاعله بين شخصيات الرواية وتجاربها المتخيلة، ضمن الواقع الروائي الممتد مع سهيل وخضر أولاً، ومن ثم مع زهرة وسهيل وهانا. وبين المخاض والولادة، الدخول إلى البيضة ضمن الوعي الذي يلجأ إلى الهروب بسلاسة من الداخل المحاصر بالعقل، فالهروب من الخارج إلى الداخل أمر ربما يصفه بالبسيط، لكن من الصعوبة الخروج من الداخل المحاصر بذكريات تقبض على المخيلة، وتمنعها من استكمال تصوراتها بصفاء. فهل استطاعت زينب مرعي الدخول إلى اللاوعي القتالي في حياة مقاتل حرب؟
رواية ذات أبعاد نفسية لم يستطع بطلها الوقوع في الهاوية رغم ارتطام رأسه بالأرض في حادث تعرض له، لأن السقوط هو الجنون والخروج من حالة الوعي إلى اللاوعي، والهاوية هي الاحتفاظ بالوعي الموجع ومؤثراته التي تقتضي إخفاء كل ذلك بالدخول إلى الماء لرفع مهمة الدماغ الدفاعية والقدرة للوصول إلى حالة التجمد أو الانتحار الجزئي الذي رسم ملامحه على حبيب زهرة السابق في تخيلات ليس لها وجود بل صورة سريالية لانتزاع الأفكار والرؤى غير المكتملة عن تذبذب في علاقة حب لم تكتمل. كما لم تكتمل عملية السقوط والهروب من ضغوط العقل وذكرياته المشحونة بالحروب وأحداثها، فالمنظومة الروائية في "الهاوية" اعتمدت على استنطاق المتخيلات السردية، وبتفاوت مجتمعي بين بولونيا ولبنان، وبين الإنسان والإنسان الآخر في مجتمع صحيح معافى، وبتباين فكري ينطوي على فهم حالة المحارب بعد تركه ساحة الحرب وأمنيته في العودة إلى مرحلة الولادة بالدخول إلى البيضة.
باختصار وبرؤية موجزة
تبتعد الكاتبة زينب مرعي في روايتها "الهاوية" عن اللغة الفصحى التقليدية وتستخدم لغة الشارع الواقعية، مما يعزز من واقعية الأحداث والشخصيات. الأسلوب يتسم بالجرأة والتجريب، مما يساهم في تحقيق هدف الرواية في تقريب القارئ من عالم الرواية وتفاصيله، لكنه قد يجعلها أقل وصولًا إلى قراء يبحثون عن اللغة الأدبية الكلاسيكية. هذا الاختيار يعكس رغبة الكاتبة في تقديم تجربة قراءة صادقة ومعبرة عن بيئة معينة.
الرواية تعتمد على تقنية السرد المتداخل بين الزمان والمكان، مما يخلق تجربة قراءة غير تقليدية، حيث يتنقل القارئ بين أحداث الماضي والحاضر، وبين الواقعية والخيال. هذا البناء يعكس تباين الحياة داخل وخارج ساحة المعركة، ويعزز من الإحساس بالفوضى والصراع الداخلي لشخصيات الرواية.
تُقدم الشخصيات بشكل عميق ومعقد، حيث يظهر سهيل، البطل، كرمز للمقاتل الذي يعاني من صراع داخلي كبير. علاقاته مع شخصيات مثل زهرة وهانا تكشف عن عمق الألم النفسي والتداعيات المترتبة على الحرب. شخصية زهرة، مثلاً، تجسد الصراع الداخلي والخيانة التي تكمن وراء الأفعال الموجهة ضد زوجها، بينما هانا تقدم يد المساعدة ولكنها تعكس جوانب من الصراع الداخلي المستمر.
تستكشف الرواية موضوعات نفسية عميقة مثل الصراع بين الوعي واللاوعي، وتأثير الحروب على العقل البشري. تعكس الرواية كيفية تأثير التجارب الحربية على النفسية، خاصة عبر مفهوم "الهاوية" الذي يرتبط بالجنون والعودة إلى مراحل الولادة. هذا الارتباط بين الصراعات الداخلية والأحداث الخارجية يعزز من التحليل النفسي للشخصيات ويجعل القارئ يواجه تساؤلات حول طبيعة الجنون والوعي.
تلعب الرمزية دورًا بارزًا في الرواية. البيضة، كرمز، تعبر عن مرحلة الولادة والتجدد، ولكن أيضًا عن الفوضى والاضطراب الداخلي. هذه الرمزية تجعل الرواية تتعامل مع مواضيع وجودية، حيث تشكل البيضة تذكيرًا بالقدرة على النهوض من بين الركام والنزاع.
الواقع والخيال: تمزج الرواية بين الواقع والخيال بمهارة، حيث تعكس الصراعات النفسية للشخصيات من خلال مشاهد سريالية وتصورات خيالية. هذا الخلط بين الحقيقة والتخيل يعزز من تعقيد الرواية ويجعل القارئ يتساءل عن الحدود بين الواقع والخيال في حياة الشخصيات.
التأثير الاجتماعي والسياسي: تتعمق الرواية في تأثير الحروب على الأفراد والمجتمعات. تُظهر الرواية كيف أن الحرب تترك آثارًا عميقة على النفوس وتؤثر على العلاقات الإنسانية. التأثير الاجتماعي والسياسي يتضح في الصراعات بين الشخصيات وخلفياتهم المختلفة، مما يعكس المشهد الأوسع للأزمات التي تعصف بالمجتمعات.
رواية "الهاوية" تقدم تجربة قراءة غنية ومعقدة، تجمع بين الأسلوب التجريبي والعمق النفسي. من خلال تقديم شخصيات متعددة الأبعاد وموضوعات فلسفية ونفسية، توفر الرواية فرصة للتفكر في تأثيرات الحرب على الإنسان وكيفية التعامل مع الاضطرابات الداخلية والخارجية. هذا المنظور النقدي يعكس قدرة الرواية على تقديم تحليل عميق وواقعي للصراعات النفسية والوجودية، مما يجعلها عملًا يستحق التأمل والدراسة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol