التجريد التركيبي ومعناه الخفي
ضحى عبدالرؤوف المل
تأخذ الفنانة كريستال فاغنر الطمي وتمنحه معنىً جديداً، محوّلة إياه إلى رواسب لونية تتفاعل فيها الألوان بتناقضات توهج الشكل الانسيابي، لتشكيل كتلة حركية توحي ببرودة وحرارة اللون المتخيل والمتنوع في وحداته وعناصره. تتجمع حبيباته لتشكل عملاً تركيبياً خيالياً في وهجه وإيحاءاته الانسيابية، لتمسّ العديد من التفاصيل الفنية في عمل واحد، بدءاً من الطباعة والرسم وصولاً إلى القص والقماش. يتم تجميع العمل ضمن شبكة تصممها الفنانة وتنفذها بوهج لوني يميل فيه الأزرق إلى الظهور بنسبة عالية، مع التركيب الدقيق للألوان وفق الإيقاع التخييلي، القائم على بناء الشكل المتموج حسياً، بمعطيات فنية غير محدودة، نابعة من حالة نفسية تلعب المزاجية فيها دوراً مهماً. هذا يجعل العمل أقرب إلى النفس الباحثة عن الجمال بأريحية وعفوية، ويعكس منطقاً واضحاً يحافظ على الإيقاع البصري والأبعاد الثنائية والثلاثية وأركان العمل التركيبي المعتمد على فكرة الرواسب اللونية واختلاطاتها العشوائية، مما يعكس التجريد التركيبي ومعناه الخفي.
تبتعد كريستال فاغنر عن الرتابة في إيقاعات اللون، حيث يستريح البصر في بقعة أو فجوة ما، ثم يستمر في الاستكشاف بحرية، مما يضفي على الحس النفسي راحة كهوفية. تدعم عالمها بالغرابة التكوينية الشبيهة بالسيول أو بالنحت الصخري في المغارات، معتمدة على عدة أساليب في تركيب عملها الفني المميز بصرياً وبالتطور الحركي، ساعية للوصول إلى الكمال بين الطبيعي والمصطنع من خلال المواد وتكويناتها. تمكنت من تكوين جمالي ذي خيال يتمتع بعوامل موسيقية وشعورية وعاطفية ورياضية، وإدراك وتشابه وتماثل وتباين، محاكية الطبيعة كطمي ملون محمل بشتى المعاني الإنسانية.
تتفاعل الأشكال اللونية مع الداخل بنظم سلسة تتعلق بالتفريغات التي تلعب دوراً مهماً في خلق استراحات ذات صياغة ذهنية تخيلية، تحفز العاطفة والفكر، وتساعد على بناء عدة صور فنية، بتفاوت بين الخيال والواقع، والبناء الافتراضي المتمثل بالأبعاد، والتعبيرات المحفوفة بديناميكية الألوان وثنائيتها، مع تجانس وتضاد وترادف دلالي يتميز بخصوبة إبداعية. تتداخل وحدات العمل لتشكل سمفونية بصرية تسيل من كل زوايا المساحة التي ترصفها بمقاسات خاصة، تترك لخيالها التقاط المقاييس والمعايير، ليتم التنفيذ تبعاً للحس الفني النابع من دواخلها الشاعرية المحشوة بالمعاني الخفية التي تستدرج المتلقي إلى الرغبة في استكشاف هذا العمل التركيبي، أو حتى رسوماتها المؤلفة من قصصات الورق والكرتون والقماش، وحتى الأسلاك، التي تنطوي على مغزى تحويل الأمور الطبيعية إلى جمالية تخيلية تهدف إلى تحفيز الحس الجمالي عند المتلقي.
تؤلف كريستال فاغنر من أشكالها عالماً فنياً خاصاً له تحولاته وتغيراته الظاهرة، لكن أسسه البنائية تمر بمراحل ثابتة تعتمد على موازين جمالية متخيلة تسيطر على الخيال بعناصره المألوفة وغير المألوفة. تضع تصاميمها في لوحة أو عمل تركيبي يتبع تصميمها أو طباعتها اللونية المتداخلة والمترابطة بتناسب صياغي، حيث تختلط المواد الصناعية بالطبيعية، ويتحول السيل اللوني الجامح إلى إيحاءات تحاكي الإنسانية، بما تتضمنه من تكوينات دقيقة تعتمد على مقدار الكتلة وحركتها في مساحة تتسع مجازياً لعدة نواحٍ فوضوية ونظامية، لشكل هو جزء من رؤية للطمي ولرواسبه وتكويناته الطبيعية المترجمة للحركة الفنية الجمالية ونظامها القوي في تأليف خيالي خاص يعكس لمسة الإنسان في محاكاة الطبيعة.
أما بما يخص أعمالها من منظور الإيقاع البصري فالعمل الفني لفاغنر يعبّر عن إيقاع ديناميكي يظهر من خلال تفاعل الألوان والأشكال. الألوان تتجاذب وتتناقض بشكل يخلق توهجاً بصرياً، مما يعزز الإيقاع الحركي للقطعة. هذا التفاعل بين الألوان يخلق إيقاعاً بصرياً غير ثابت، يجعل العين تتحرك بشكل مستمر عبر العمل، مما يعكس تدفقاً حيوياً. الألوان التي تبرز بشكل خاص، مثل الأزرق، لا تساهم فقط في إحداث تأثير بصري بل تعزز أيضاً الإيقاع العاطفي. إن استخدام الألوان بطرق غير تقليدية وتكوينات فنية تجذب المتلقي للغوص في عالم من التباين والانسجام، مما يولد إيقاعاً متغيراً لكنه متسق في مجمله.
إيقاع عملها يعكس حالة معقدة، حيث أن المزاجية تلعب دوراً بارزاً في خلق الاستجابات العاطفية. الأعمال التي تمتاز بتناقضات اللون وتباين الأشكال تثير استجابات نفسية متنوعة، من الراحة إلى التأمل إلى الإثارة. هذا التباين يخلق إحساساً بالبرودة والحرارة، ما يؤدي إلى تحفيز المشاعر والتفاعل الداخلي للمتلقي. كما أن العنصر الخيالي في أعمال فاغنر يساهم في استحضار أحاسيس الغموض والتشويق، مما يتيح للمتلقي أن يختبر تجربته الخاصة مع العمل الفني.
يقدم إيقاع عمل فاغنر تحليلاً معمقاً للفن التركيبي التجريدي. تدمج فاغنر العناصر الطبيعية مع المواد الصناعية بشكل يتجاوز الحدود التقليدية للفن المعاصر. فالتجريد الذي تقدمه يتناول تجارب اللون والكتلة والحركة بشكل متكامل، ما يعكس قدراتها في التلاعب بالمواد والألوان بطرق جديدة ومبتكرة. تصاميمها، التي تتنوع بين الطباعة والرسم والقص، توضح قدرتها على دمج تقنيات مختلفة في عمل واحد، مما يعزز من مستوى تعقيد العمل وتركيبته.
الجماليةالإيقاعية في أعمال فاغنر تتجسد في قدرتها على دمج العناصر الفنية بطرق تخلق تجربة بصرية غنية ومتنوعة. التصميم التركيبي الذي تبتكره يدمج بين الفوضى والنظام، ويخلق انسجاماً بصرياً يعكس تفرداً وإبداعاً. التباين بين الأشكال والألوان لا يوفر فقط جمالاً بصرياً، بل يشير أيضاً إلى مفهوم التجريد الذي يتجاوز الحدود التقليدية للفن. قدرة فاغنر على استخدام الألوان بطرق مبتكرة وتكوينات بصرية مميزة تعزز من قدرتها على التعبير عن جماليات تتجاوز الشكل التقليدي، مما يجعل عملها تجربة جمالية متكاملة. يمكننا في النهاية إدراك كيف أن أعمال كريستال فاغنر تتناغم بين الإيقاع الجمالي والبصري بموضوعية فنية ، وتقدم لنا تجربة جمالية تتجاوز الحدود التقليدية وتفتح آفاقاً جديدة لفهم الفن التجريدي والتركيبي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol