الفن الحي وعوالمه التقليدية
ضحى عبدالرؤوف المل
ترادف ماهية المادة في أعمال الفنانة "شايلا هيكس" (Sheila Hicks) الألوان ومنظورها الحسي، ومعانيها الدافئة التي تخوض من خلالها خلق الأشكال الفنية من عدة مواد ترصفها رصفًا بخطوط نسيجية منمنمة ومزخرفة يدويًا بأسلوب يحتل مساحة بصرية تهدف إلى تنشيط الوعي الفني عند المتلقي أو المتأمل لأعمالها التركيبية (installation)، ضمن إطار لا يتناقض مع التخيلات الحسية. وما تثيره أعمالها من كشف عن منهجية فنية معاصرة تتجاوز المألوف بما هو مألوف من المادة نفسها، كأنها تعيدنا إلى إبداع الإنسان القديم وقدرته على تسخير المادة في تأليف الشكل ومدّه بالحركة، ليبلغ مدى الارتقاء البصري، كلما حاولنا اكتشاف كنه العمل الفني برمته الذي يبدأ من التصميم والقياسات القادرة على تكوين ذي تأثير فكري واعٍ فنياً، تستمد منها الحواس عدة عوالم تتصف بالجمال والحيوية. فهل من مفهوم تشكيلي في الأعمال التركيبية يتضح في أعمال الفنانة شيلا هيكس؟
ما بين الرسم والنحت تلعب الفنانة "شيلا هيكس" على الكلاسيكية التقنية في الحياكة والغزل والصباغة، واستخراج الألياف الطبيعية من مواد تساهم في مزجها مع العناصر البصرية الأخرى لتحاكي أو لتحاور الشكل الذي تحدد تصميمه تبعًا لقدرات المادة وديناميكيتها المرنة في تذليل الصعوبات لخلق عدة أنماط من شكل واحد. كأنها تؤلف من سلالة الشكل ما هو قديم وجديد، بغنى لوني بصري يبهر الفكر المتأمل لأعمالها التركيبية عامة، متجاوزة خصوصية الإحساس بالحركة من خلال الألوان التي تطغى على الكتلة أو على الجزء أو حتى على ماهية الإيقاع الهندسي للشكل. وتعددية التصورات والإيحاءات الناتجة عنه موزعة الأبعاد في عملها التركيبي على عدة زوايا، لنجد عدة ترجمات للعمل الفني الواحد وأسلوبه الناضج، المتمسك بمنطق الجمال الموجود في كل شيء حولنا.
تنسج شيلا بدقة وعمق ما يُسرّ أناملها، ملامسة بحواسها جمالية عملها التركيبي، وبنضج رؤيوي مؤهل هندسيًا، ليكون منحوتة متحركة يدويًا، تستطيع من خلالها تحقيق مرادها، لفك جدلية المادة الفنية وقدرتها على التكيف مع التقنية الكلاسيكية أو الحديثة، ضمن معادلات رياضية تتناقض فيما بينها بتضاد غزير المفاهيم، سواء فيزيائيًا أو كيميائيًا ضمن تفاعلات اللون والشكل معًا، وحتى المادة وقدرة انصهارها مع مادة أخرى، وأبرز موضوعية الهوية الفنية في مناخات تحثها على مزيد من العودة إلى أصل العمل الفني، وانصهار الحس الإنساني فيه، ضمن تفكيك إشكاليات المساحة والمكان، وتسخيرهما لإثراء الشكل البصري وإضافة قيمة فلسفية عليه هي "الفن الحي وعوالمه التقليدية" في الانخراط مع الفن الحديث المعاصر، وإشكاليته في الأعمال الفنية التركيبية. فهل يمكن وصف أعمالها بالحيوية الفنية التي يتم تحديثها بصريًا بشكل مستمر؟
تختزن أعمال الفنانة "شيلا هيكس" الكثير من الرؤى الجمالية الدقيقة في حساباتها التركيبية، المشدودة إلى بعضها ضمن حياكة بصرية متينة، تنبثق عن قوة فوتونات اللون وتأثيره على اللون الآخر، وإن وزعتها أحيانًا بأسلوب عشوائي. إلا أنها تنظمها في التأليف والتنسيق الجزئي، لتجمع بذلك الأضاد المتنافرة مع بعضها بانسجام وهارمونية، وإيقاعات ذات منظومة عقلانية تثير الذهن وتدهش الحواس لبساطة الشكل وتعقيده في آن. إذ تتوق ظاهريًا للون وفي الأعماق تبهرها المادة وقدرتها على خلق الجمال اللانهائي الذي يمكن توسيعه أو الاكتفاء به عند مرحلة معينة، بتضخيمه أو تصغيره أو وضعه في لوحة واحدة على حائط أو في زاوية غرفة فارغة، ليكون هو المحاكاة الفنية الأساسية التي تبغي الوصول إليها أو توصيل مفهومها إلى المتلقي.
ترتبط الحركة في أعمال شيلا بمستويات اللون واتجاهاته من خلال رموز معينة تتركها في كل عمل، لتمزج بين القساوة والليونة مزجًا فلسفيًا له تعبيره الهندسي وتكتلاته، واختلافاته الموحية بالعناصر الأكثر بدائية. وكأن المكان لا زمان له في أعمال شيلا التركيبية أو الإبداعية، لتحث المتلقي على اكتشاف المعنى في أعمالها، مستخرجة من اللاوعي طفولية التخيل في العالم المادي أو سكون الشكل أمام حركة اللون، والتكوين المؤدي إلى ضبط النفس عند رؤية أعمالها التي ترتبط بعنصر الوجود وانعكاساته الأثيرية النابضة في الشكل.
عندما كتبت هذا المقال عام 2016 لجريدة اللواء قمت بتحديثه مرة أخرى عام 2018
أعمال شيلا هيكس تمثل تجسيدًا لاندماج فني بين التقنية التقليدية والإبداع المعاصر. كناقد فني، يمكننا أن نستخلص عدة أبعاد رئيسية تعكس براعة هيكس في استخدام المادة والشكل واللون، وهي عناصر محورية لتقييم العمل الفني من منظور تشكيلي.
شيلا هيكس تتفرد في مجال الفن المعاصر بقدرتها على دمج الألياف والأنسجة الطبيعية مع تقنيات الحياكة والغزل التقليدية. يستخدم كل من هذه العناصر لخلق أعمال تركيبية تتجاوز حدود المألوف في الفن التشكيلي. الألوان، التي تعد من العوامل الأساسية في أعمالها، تتسم بالثراء والتنوع، مما يمنح الأعمال بُعدًا حيويًا وتعبيريًا. كما أن الألياف والمواد المستخدمة ليست مجرد عناصر بصرية، بل هي جزء من العملية الإبداعية التي تضيف عمقًا إلى التكوينات الفنية. الهيكل الناتج من هذه المواد يعكس تقنيات الحياكة التقليدية التي تُعاد تشكيلها بأسلوب معاصر، مما يخلق تباينًا بين الأصالة والتجديد.
العمل الفني لهيكس يتجاوز البُعد البصري ليصبح تجربة حسية كاملة. الألوان التي تطغى على العمل تنشئ إيقاعًا بصريًا يتناغم مع النسيج والتركيبة العامة. الحواس تتفاعل مع التباين بين الألوان والقوام، مما يثير شعورًا بالدهشة والاهتمام. الأبعاد الثلاثية للتكوينات تضيف بُعدًا حركيًا يُحاكي الحركة الطبيعية، مما يجعل الأعمال تعكس ديناميكية غير ثابتة.
تتسم منهجية هيكس بالاستمرار في استكشاف المواد وتقنيات النسج، مما يعكس فلسفة عميقة في الفن. تُظهر أعمالها مستوى عالٍ من التحكم والدقة في استخدام الألياف والألوان، مما يبرز التقنية الدقيقة والتفاصيل التي قد لا تكون ظاهرة على الفور. الأسلوب اليدوي والتقليدي يتعانق مع النهج المعاصر، مما يعزز من غنى وعمق كل قطعة.
الرمزية في أعمال شيلا هيكس تُعزز من البُعد الفكري للعمل. كل عمل يبدو كأنما هو جزء من حوار أوسع مع العالم، حيث الألوان والأشكال تعمل كرموز تتجاوز مجرد الوجود المادي. تساهم الرمزية في خلق تجارب بصرية وفكرية تتجاوز حدود المشاهدة المباشرة، مما يحث المتلقي على الغوص في تأملات أعمق حول ماهية المادة والفن.
أعمال هيكس تحفز استجابة عاطفية قوية من المتلقي. الحس الجمالي والتعبيري للألوان والمواد يعزز من تأثير العمل الفني على المشاهد. التفاعل العاطفي مع العمل يمكن أن يتراوح من الإعجاب بالجمال البصري إلى الانغماس في التأملات الفلسفية حول طبيعة الفن والحركة.
في النهاية، تُعتبر أعمال شيلا هيكس مثالًا بارزًا على كيفية الجمع بين التقنيات التقليدية والرؤى المعاصرة لخلق فن تشكيلي غني بالمعاني والأبعاد. هيكس لا تكتفي بخلق أعمال جميلة من الناحية البصرية، بل تسعى إلى تعميق تجربة المتلقي من خلال الاستخدام الذكي للمواد والتقنيات والرموز.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol