سؤال لم يفارقني

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في كتاب" بعدك على بالي" لطلال شتوي.

عندما نتأمل عنوان كتاب "بعدك على بالي" الصادر عن دار الفارابي" لطلال شتوي تستوقفنا الذكريات لبرهة قبل أن نباشر فتح كتاب اتخذت لغته وظيفة وجدانية ترتقي إلى مستوى الرؤية الحلم التي لا يراها الآخرون، وإنما يراها الكاتب نفسه فقط قبل أن يحولها إلى مشهد متخيل، وبحس حيوي يلامس الرواية بهيكلها وبساطتها، إذ يلتقط المشهد من الذاكرة، ويصيغه فنية ترمز إحدى وظائفها التعبيرية إلى حياة شاعر منسجم فلسفيا مع موسيقا الحياة، وتغيراتها الإيقاعية الموزعة على الخصائص النثرية التي تتمتع بها كلماته الغنية بالمعاني الكثيرة، والحقائق الكامنة في واقع استفزه وجعله يتطلع إلى زوايا صماء من ورقة يبثها حسه التراجيدي بسحر يقابله الإدراك النفسي، لكل حركة عاشها في الحياة، ومنحها تفسيراته الخاصة المحملة بالبعد الثقافي، والتأمل الصوفي الحافل بنزعة مفعمة بطاقة الحزن المجبولة بمشاهد انعكست رؤاها على الوعي الفني والعمق الفكري، والسمات التي يتصف بها طلال المسمى على اسم ملك سيئ الحظ" هكذا اختاروا لي اسم ملك سيئ الحظ ، لن يبقى على عرشه طويلا، وسينتهي عرشه بشكل حزين، حين سيخلفه ابنه حسين، لأن الملك أصيب في عقله".

"لم أعرف من أدخل في رؤوسنا أن الموت ينتقل عبر الهواء" تبدو التفاصيل المحسوسة للموت تثير القلق من أحداث ارتبطت نهايتها بالموت وشعائره المختلفة في شتى البنى الكلامية القائمة على حتمية الموت، وجدلية ملحمية الحياة التي نعيشها كأفراد تحتوي حيواتنا على خصائص زمنية، كأننا نعيش الحياة في حيوات في أثناء الانتقال الزمني والمكاني، وما بين طرابلس وبيروت سمو في التعابير، وحياكة في صياغة الجمل الفكرية، فما بين معنى ومعنى تحتشد خلاصة فكرية ما هي عصارة الاستنتاجات التي يراها الإنسان من خلال الأطر الفنية في سيرته، وكيفية أسلوبها السهل الممتنع والمعزز بعدة تغيرات دقيقة ذات جذور داخلية للحكاية التي يرويها بانتقادات مبطنة للكثير من المواضيع، منها التربية المدرسية وتأثيرها في حياة الإنسان العادي، والأهم الإنسان الأديب أو الشاعر الذي يملك موهبة، ربما لا يتم اكتشافها في الحياة، وتبقى ضمن مذكرات على أوراق منسية ليس إلا، تختلج فيها كلمات لا يمكن أن تتطور كما تطورت كلمات المؤلف طلال شتوي في كتابه "بعدك على بالي".

احتاج لكثير من التسامح حافظ طلال شتوي على البعد التخييلي في سيرته وإيماءاتها الواقعية، وإنما بخليط من السرد والانتقال مع الأجناس الأدبية من الثابت إلى المتحرك ضمن مراحل الطفولة والمراهقة والنضج، وكأنه يثير زوبعة ملحمية وصراعا هادئا بين السرد الموضوعي والسرد الذاتي، ليشعر القارئ أنه أمام حكواتي يروي سيرة استمد شخوصها من الواقع المعيش عبر أزمنة دون أن ينسى وصف المجتمع الذي نشأ فيه بتسلسل تطور فكريا ووجدانيا، وبخضوع للمنطق بحيث لم يترك للقارئ أي استفسارات، بل توسع بالتفاصيل عبر أنماط في الحكي أو السرد، وما بين الراوي والقصة رافق المروي له كل الأحداث من البداية إلى النهاية، وكان طلال يحكي للقارئ سيرته، ويروي لنفسه قصة حياة رافقته بغرائبها، ومنحته فلسفة أحبها وجعلها بين صفحات كتابه "بعدك على بالي" وكأنه انطلق من العنوان، ليبحث عن طلال شتوي نفسه ضمن ازدواجية محايدة، ليراه ويحاكمه ويضعه بين هلالين، أو حتى بين أطر الأوراق في الكتاب، وضمن مكونات حكائية غزلها بشاعرية مع مجموعة الأحداث التي تعرض لها ضمن مسار ثقافي واجتماعي وشعبي وفني وأدبي إلخ...

حبكة لبيئة اجتماعية معينة فرض وجودها كوجوده في كتاب ربما هو من الخطايا التي يعترض عليها بفن أدبي له حسناته وجماله المراد لخصائصه الحكائية أن تكون بمثابة فضاءات ساهمت في تحقيق الإيحاءات المطلوبة التي تشكل التأملات، أو كوقفات يستغلها لتنشيط ذاكرة القارئ، ليستفزه طيلة مدة الحبكة، ويخفف من وطأة الزمن والسيرة الطويلة التي اختزلت أهم المراحل الواقعة منذ ولادته، أي منذ وصول والده من تركيا حتى نهاية السيرة المفتوحة على مراحل أخرى، فهيئة السرد ومهارة الحكي وتقنية البدء والنهاية اعتمدت على مدى سرعة انسحابه ككاتب لهذه السيرة في بعض الفصول، ليترك الحكم بشكل كلي للقارئ.

إيقاع سردي استبق به الحوادث التي تعرض لها عن طريق المشاهد المرتبطة بحوارات تحافظ على واقعيتها للإحساس بمصداقية الذاكرة التي ساعدت في تطوير جوانب السيرة، والتعاطف معها لما تحمله من جوانب نفسية، تتصل بصفاته الحسية والشاعرية، والأهم تعلقه بأغاني فيروز المرتبطة بمزاجية المقاطع الراسخة في وجدانه قبل عقله وتحولاته الحياتية المترابطة والمنسجمة مع المعرفة التي غزت خيالاته، والمتصادمة مع استنكاراته المتوازنة مع المجتمع الذي عاش فيه بمغامرات طفولية لها شيطنتها التي لا بد منها في تكوين الشخصية التي يتحدث عنها بتتابع له عقدته وحلوله قبل الوصول إلى "سرطاني" الذي جعله بداية أخرى لكتاب آخر ربما سيكون حكاية تستحق أن تبقى في البال.

مشوار حياتي يستحق التأمل، بل الغوص فيه لأعماق المعاني التي شدها طلال شتوي لتكون كالضوء المسلط على رجل ذي قدرات تقاوم وتيرة الحياة، وتقلباتها باللجوء إلى الذاكرة المفتوحة على مصاريعها الملونة بالحزن والفرح واليأس، محاولا إضافة نكهة عربية لمسيرة كاتب يتحدى بسيرته سيرة أدباء آخرين كي يغادر الظل، ويحيا في كتاب سيعيش أزمنة لن يكون فيها طلال سوى طفل يمارس مشاكساته على معلماته، وعشقه الفيروزي، وكتاباته التي يغمرها بفن سيرة له خبرته وميزته وتقنيته الخاصة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol