الفنان بسام كيرلس للواء: "الفن هو موطن الحرب وخشبة الخلاص"
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
تستوطن منحوتات الفنان بسام كيرلس العمارة بأبعادها الفراغية وفكرتها المعبرة عن الحروب وطاقتها في إبراز محاكاتها كقطع أثرية لها تاريخها ولحظتها المحتفظة بنكهة الحدث الذي أراد إبرازَه الفنان بسام كيرلس، مستكشفًا ذهنية اللحظة ودورها الفاعل في خلق مؤثرات بصرية تحاكي الحروب المفروضة على الإنسان الراحل عن أمكنته، بتنوعٍ ذو خصائص نحتية أردنا معرفتها أكثر والغوص في هياكل منحوتات هي بحد ذاتها تحديات وجودية تبرز قوة الإنسان وإصراره على البقاء. ومع النحات بسام كيرلس أجرينا هذا الحوار.
- تعكس في أعمالك لغة الحرب. هل هذا سلوك نحتي يلغي جمالية فن العمارة؟
مهمة النحت المعاصر تختلف عن أهداف فن العمارة، رغم تقاطع الفنون عامة وفني النحت والعمارة عبر التاريخ. النحت يأخذ من العمارة، لا سيما في أعمالي، المادة والشكل والقياسات والأبعاد، لكنه يتميز في كونه غير نافع أو طائفي كالعمارة التي تهدف بالدرجة الأولى لأن تكون مكانًا للعيش. أما النحت فأهدافه جمالية بحتة، ولعل شكل الدمار له وظيفة جمالية بحسب اعتقادي، وهذا ما أحاول إبرازَه في أعمالي.
- العمل النحتي هو للتعبير عن إنجازات الإنسان في عصر ما. ما رأيك؟
من بين أهداف العمل النحتي التعبير عن إحساس الفنان وفكره، كما التعبير عن إنجازات الإنسان ولا سيما في عصر الفنان. أما في عصرنا، وخاصة في منطقتنا، فلم يتغير الكثير لما فيه خير الإنسان بقدر ما قمنا بحروب مدمرة وعبثية. هذا ما دفعني إلى التفكير بالحرب كعامل أساسي في مسار الإنسانية وكقدر محتوم من الصعب تجاوزه. فالحرب مسألة ينبغي عدم تجاهلها، إنما تقبلها ومعالجتها.
- أن تحافظ على هيكل العمارة وهو متآكل ومدمر أصعب من أن يكون كاملًا بمقاييسه. لماذا اخترت هذه المحاكاة؟
لست في مجال المفاضلة بين الأصعب والأسهل، ولكنني منساق خلف وسائل التعبير التي تجسد أفكاري. أعتقد أن الحرب هي قدر حتمي في مسار الحياة والوجود. الصراع من أجل البقاء في الطبيعة بشكل عام يحتم سلوكًا عنيفًا أقرب إلى المظاهر الحربية. أما الإنسان الذي يسعى إلى السلام الدائم، فينبغي عليه تفريغ حمولته من الكبت العنيف المتجذر في أعماقه لكي يتسنى له الاستمرار في مسيرته السلمية. في هذه الحالة يكون الفن هو موطن الحرب وخشبة الخلاص.
- لم تتعامل مع هذه الأعمال النحتية بمعايير ثابتة. لماذا؟
بتقديري، أن النتاج الفني في مرحلة معينة ينبغي أن يخضع لمعايير موحدة، لكي يتسنى للفنان المجال للتأكيد على الفكرة المراد إيصالها. أما التنوع داخل الوحدة فهو أمر ضروري لكي تأخذ الفكرة كافة أبعادها ولكي يبقى المجال مفتوحًا لآفاق جديدة.
- تحاكي الفراغات في منحوتاتك المخيلة وكان في كل فراغ حكاية حزينة. ما رأيك؟
الفراغات المتراصفة أفقيًا وعاموديًا هي إشارة إلى انتظام يؤكد منهجية الدمار المعبر عنها في الفجوات. كما أن الفراغ هو تعبير عن خلو المكان المنحوت من الحياة، فيكون مشهد الأطلال هو بطل أعمالي. الفراغ هو تعبير عن رفض وإلغاء للمعطيات الموجودة واحتجاج مطلق على كل الموروث، وهو في الوقت عينه جمال لفرضيات جديدة. لذلك تنشط المخيلة عند معاينة الفراغ، فتفتح قريحة المشاهد الذي يسترسل بأفكاره الخاصة ويعود ليسقطها على العمل النحتي، حينها يشعر بأنه معني مباشرة بالتجربة الفنية التي يشاهدها.
- ما بين الكتلة والفراغ تحديات برزت في المنحوتات. ماذا أردت القول من خلال ذلك؟
أستخدم في تنفيذ أعمالي تقنية النحت المباشر في الكتلة، ثم أعمد إلى صب المجسم بالبرونز أو الألمنيوم. عملية استحداث الفراغات في الكتلة هي الأداة النحتية بامتياز، وهي التي تعطي الشكل حياة ومعنى، وهي التقنية التي تلخص مسار النحت المتمحور حول جدلية الكتلة في الفراغ داخل الكتلة.
عندما قرأت الحوار بعد نشره في جريدة اللواء ترك في انطباع فني آخر لهذا أضفت عليه الآتي
منحوتات الفنان بسام كيرلس تُعبِّر بشكل عميق عن تجربة الحرب والتدمير، حيث تُجسد رؤيته الشخصية والموضوعية للدمار من خلال العمل النحتي. يشكل الموضوع، أي الحرب والتدمير، عنصرًا محوريًا في أعماله، ما يجعله مصدرًا أساسيًا للإلهام والإبداع. الفنان يستكشف في منحوتاته مشاعر الكآبة والصراع، ويُظهِر التدمير ليس كحالة سلبية فحسب، بل كعنصر جمالي يحمل رسالة أعمق حول الإنسانية والبقاء.
في منحوتات بسام كيرلس، يتجلى الإيقاع البصري من خلال استخدامه للفراغات والكتل بطريقة تعكس طبيعة الدمار والحرب. كيرلس يختار أن يعرض التدمير ليس من خلال التركيز على التفاصيل التدميرية بحد ذاتها، بل من خلال الإيقاع الذي تخلقه الكتل والفراغات في منحوتاته. الفراغات في أعماله تعكس غياب الحياة وتعزز من الشعور بالحزن والخواء، بينما الكتل التي لم تُدمّر بعد تعبر عن القوة والإصرار على البقاء. هذا التناقض بين الكتلة والفراغ يخلق إيقاعًا بصريًا متوازنًا يعزز من قوة الرسالة التي يحملها العمل النحتي.
من الناحية الجمالية، يُعتبر إيقاع منحوتات كيرلس بديعًا ومعقدًا. يتميز باستخدامه المبتكر للفراغات والكتل، مما يخلق تباينًا بصريًا يجذب النظر ويحفز التأمل. يشكل النحت لديه جمالية فريدة من نوعها من خلال تجسيد مفهوم الدمار بطريقة فنية راقية، حيث يتحول الخراب إلى جماليات تعبيرية. التلاعب بالإيقاع البصري في منحوتاته يعزز من قدرة المشاهد على التفاعل مع العمل بشكل عاطفي وفكري، مما يجعله تجربة بصرية غنية ومعقدة.
الإيقاع البصري في منحوتات كيرلس يتجلى من خلال التباين بين الكتل الصلبة والفراغات الواسعة. التوزيع المدروس للكتل في منحوتاته يخلق حركة بصرية تساهم في نقل الإحساس بالتدمير والدمار. كل قطعة نحتية تحاكي طبيعة المعركة الداخلية والخارجية للإنسان في ظل الظروف الصعبة، مما يضيف طبقات من المعنى إلى العمل. استخدام الفراغات كعنصر بصري لا يعزز فقط من جمالية العمل بل يضيف بعدًا إضافيًا في فهم وتفسير الرسالة الفنية التي يسعى الفنان لنقلها.
في المجمل، فإن منحوتات بسام كيرلس تتسم بالتحليل العميق والتعبير الجمالي الذي يجسد الصراع البشري من خلال إيقاع بصري فريد. أعماله تسهم في تعزيز الفهم والتقدير لمفهوم الدمار والحرب عبر مزيج معقد من الكتل والفراغات، مما يخلق تجربة بصرية وجمالية لا تُنسى.
من مجموعة متحف فرحات
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol