هي... ودافينشي ليست إلا دراما خرجت عما هو مألوف
ضحى عبدالرؤوف المل
هل تستطيع السجون أن تكون زاوية ليعود الإنسان من خلالها إلى رشده ووعيه؟ أم أن "هي... ودافينشي" ليست إلا دراما خرجت عما هو مألوف؟ سؤال يخطر ببال المشاهد بعد نهاية الحلقة الأخيرة من مسلسل "هي... ودافينشي" للكاتب محمد الحناوي، الذي استطاع الإمساك بالخيط الدرامي المبني على حقيقة كوميدية سوداء لم تنفصل عن الواقع، مكتفيًا بالروح الصوفية ولغة القدر في تسلسل الأحداث الذي أدهش المشاهد تباعًا. قدّم العمل مفاجآت غير متوقعة، مع التركيز على شخصية دافينشي وغموضها، دون إغفال الكثير من المواضيع التي سلط عليها الضوء، مثل الخروج من القضايا الفاسدة بحنكة ودهاء، إضافةً إلى تلفيق التهم، وتجارة الأعضاء التي تتم عبر مافيا منظمة يصعب القضاء عليها، وكل ذلك عبر متاهات كثيرة تقاطعت مع العديد من المشاهد التي نجح في ترجمتها المخرج عبدالعزيز حشاد. مما عكس على المسلسل لغة درامية مرئية انسجمت مع النص بنسب مبنية على استنتاجات لم يتجاهلها المخرج، بل عمل على تدويرها فعليًا في المشاهد التي جاءت كمحاكاة درامية شد أواصرها الفنان خالد الصاوي والفنانة ليلى علوي والقدير بيومي فؤاد، الذي أدهش جمهوره هذا العام.
تعقيد الحدث بكل المقاييس الدرامية المتنوعة حقق خيالاً صوفيًا، ربما افتراضيًا بالمعنى المرتبط بروحية التلاقي المأخوذة عن المفاهيم الإيمانية الهادفة، ضمن الكوميديا السوداء الممدودة بوجع المجتمعات التي باتت تتخبط بالفساد. ربما هذا ما اتجهت إليه الدراما المصرية هذا العام، وهو إظهار الفساد والقدرة على الانتصار عليه، وإن بشتى الوسائل المتاحة للضعفاء. وهذا ما لمسناه من الدكتورة النفسية التي لجأت إلى حبوب من نوع المخدرات بعد اضطرارها للسكن في بيت داخل عشوائية، وهي عزبة الورد. فهل من سبيل لتغذية الدراما الرمضانية كل عام بمواضيع الحب المرتبطة بالكثير من القضايا لنعود إلى تعريف الحب من جديد؟
استطاعت الفنانة ليلى علوي الانسجام مع الفنان خالد الصاوي برغم التناقض في الكاريزما بينهما. إلا أن جاذبية كل منهما واختلافه في التقمص والأداء منح المشاهد لذة التضاد التمثيلي بين الكوميدي والجدية، ما جعل المشاهد يلامس أوجاع كل منهما. وكيف لا والفن هو أداة التخاطب بين الشعوب بحس مشبع بالمعاني، وهذا ما أعطى قيمة للفن التشكيلي ومعاناة هذا الفن أيضًا في ظل السرقات والتزوير والاستيلاء على مقومات الأوطان الفنية. إلا أن لغة التشكيل في الرسومات كانت تحتاج إلى قوة فنية مختلفة عما رأيناه في اللوحات رغم جمالياتها، والتحليل النفسي الفني لم يرتبط بالارتباك النفسي لدافينشي، لكن هذا لم يؤثر على بقية العناصر المشدودة، وإن كان كلاسيكيًا. فهل تخطت ليلى علوي صعوبة ومزاجية الفنان خالد الصاوي في دوره المتقلب والمجنون أيضًا؟
كلمات المقدمة للكاتب محمد الحناوي مع الصوت الهامس لريهام عبدالحكيم والمعاني التي تضع السمع أمام الحكاية برمتها، مع الحفاظ على وتيرة اللحن والموسيقى التصويرية داخل المسلسل، مما جعل شارة البداية مميزة رغم كلاسيكيتها، لأنها ساعدت على إبراز الغموض لشد المتلقي على المتابعة. إضافةً إلى حنكة الموسيقى التصويرية للموسيقي راجح داوود وجمال النغمة المرافقة للمشاهد وحركية كل ممثل فيها، مما زاد المشهد مفردات درامية لها تأثيرها على الوجدان الحسي عند المتلقي، بل والتعاطف أو الانسجام وزيادة في التأثر والتأثير، وهذا خفف من بعض المشاهد التي زادت، لتكون حلقات المسلسل على عدد أيام رمضان. إلا أن الموسيقى استطاعت أن تبعد المشاهد عن الملل والتضجر من انتظار النهاية التي حافظت على غموضها حتى النهاية. إذ في كل حلقة من حلقات المسلسل فوجئنا بأحداث ثانوية غير متوقعة، وإن بكوميديا سوداء ساخرة، لكنها حققت الهدف واستطاع المسلسل تسليط الضوء على مواضيع مهمة، سواء من حيث ما يجري تحت الكواليس في سلك الدولة أو في سلك الفن والصحافة والإعلام. وفي كلتا الحالتين، وضع المسلسل إصبعه على الجرح عبر قصة حب أسطورية بين محامية ورسام. فهل حقق المخرج إضافة جمالية خاصة على الإخراج؟
مشهد البداية هو المشهد المثير ذهنيًا الذي بنى عليه المؤلف المشاهد الأخرى. فقد أتى المشهد الاستهلالي محملاً بروح بوليسية تشهد على ولادة قضية ما! لتكون اللوحة فيما بعد هي نقطة تحول تدهش المتلقي في فيلا تدور فيها أغلب الأحداث وأيضًا حياة الرسام الذي ترك فيها أعماله الفنية ذات المؤثرات الجمالية التي جذبت كارما سليمة لصاحب الريشة، التي بدأت بتخيلاته لتبحث عنه في اللاوعي، وتجده في الواقع المر الذي تتخبط به مع قريبتها الصحفية. هذا مع الحفاظ على عمق المشاهد الطبيعية ووضعها ضمن الكادر وأبعادها، وأهدافها وتكويناتها التي واظب المخرج على وجودها بدقة، مما بث روحية مختلفة تضيف على المسلسل بعدًا جمالياً درامياً محاكياً للحدث، ودون تعاطف مع ليلى علوي التي ازدانت بلغة العقل والعاطفة والقدرة على معالجة قضاياها. فهل تناقضها مع الفنان خالد الصاوي منح كليهما نجاحًا من نوع آخر؟
المقال تم نشره في جريدة اللواء عام 2016 ثم في عام 2018 وأنا أجمع أرشيف مقالات عدت وكتبت عنه بتحديث ما
مسلسل "هي... ودافينشي" يجسد دراما تجمع بين الكوميديا السوداء والتشويق البوليسي، مما يخلق تجربة درامية مثيرة ومبنية على توازن دقيق بين الواقع والخيال. تركز الحبكة على تقديم شخصيات متعددة الأبعاد تعكس قضايا اجتماعية معقدة مثل الفساد، وتجارة الأعضاء، وتلفيق التهم. يظهر العمل قدرة الكاتب محمد الحناوي على خلق سرد درامي مشوق يعكس تعقيدات المجتمع المصري بواقعية، لكنه يضيف إليها لمسة من الغموض والخيال.
الأسئلة التي يطرحها المسلسل حول دور السجون في إعادة تأهيل الأفراد والبحث عن الوعي، تسلط الضوء على قضايا إنسانية وفلسفية، مما يعزز من عمق النص الدرامي. إضافةً إلى ذلك، يعكس التناقض بين شخصيات دافينشي والأنماط الأخرى في المسلسل الصراع الداخلي والخارجي الذي يواجهه الأفراد في مواجهة الفساد والظلم.
الإخراج لعب دورًا محوريًا في تعزيز الجوانب الجمالية والدرامية للمسلسل. المخرج عبدالعزيز حشاد قدم رؤية إخراجية متميزة ساهمت في تحقيق تماسك النص الدرامي وتجسيد رؤيته بشكل فعال. استخدم المخرج تقنيات متعددة مثل الإضاءة والغموض البصري لتعزيز الجو البوليسي والدرامي، مما أسهم في خلق أجواء مشوقة تتماشى مع طبيعة الحبكة.
تجسيد الشخصيات وتوجيه الممثلين كان ممتازًا، حيث قدمت ليلى علوي وخالد الصاوي أداءً متقنًا يعكس التناقضات داخل الشخصيات وتفاعلها مع الأحداث. العمل على إبراز العلاقة بين الشخصيات ودمجها في نسيج الحبكة العامة كان فعّالاً، مما ساعد في زيادة عمق الدراما والتأثير على المشاهد.
الجماليات في المسلسل تعزز من التجربة البصرية والسمعية. الموسيقى التصويرية للموسيقي راجح داوود ساهمت في خلق أجواء مشوقة ومؤثرة، حيث أضافت النغمات والألحان عمقًا دراميًا وخلقت تناغمًا بين المشاهد والموسيقى. شارة البداية، رغم كلاسيكيتها، ساعدت في إبراز الغموض ولفت انتباه المتلقي، مما جعل البداية قوية وجذابة.
من الناحية البصرية، استخدم المخرج مشاهد منسقة بعناية لتعكس الطبيعة المظلمة والمكثفة للحبكة، مع الحفاظ على تفاصيل دقيقة تعزز من واقعية المشاهد وتدعم القصص الفرعية. الرسومات التشكيلية التي ظهرت في العمل أضافت بعدًا جمالياً يعكس الأسلوب الفني لشخصية دافينشي، مما ساهم في تعزيز الإطار البصري للعمل.
"هي... ودافينشي" هو عمل درامي يعكس إبداعًا متقنًا من حيث النص والإخراج والتصميم الجمالي. يجمع المسلسل بين عنصر التشويق والدراما الاجتماعية، ويقدم تحليلًا عميقًا لقضايا هامة بأسلوب درامي ومرئي مثير. الإخراج والتمثيل والموسيقى التصويرية كلها عناصر تضافر جهودها لتقديم تجربة درامية متكاملة، مما يجعل المسلسل عملاً يستحق الإشادة والتقدير من جميع النواحي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol