اللغات التجريدية الصورية في أعمال الفنانة هبة درويش
ضحى عبدالرؤوف المل
يكتنف اللون في أعمال الفنانة هبة درويش (Hiba Darwish) الكثير من اللغات التجريدية الصورية بقصد خلق طبيعة تنتمي إلى هوية فنية تشتعل بالحياة وصخبها، بمخالفة ذات صورة ثنائية لمعنى واحد تجريدي تختلط فيه الأنواع التعبيرية، المنطلقة من التجريد وذهنية المعنى بتصوراته وإيحاءاته المتعلقة بالعبارة اللونية وقوة حبكتها الصياغية. لتشكل بجزئياتها حقيقة جمالية ذات ميزة معرفية بالوصف التجريدي وسردية اللون المبطن بالمعنى التشكيلي، وأن تُترك لشكل خرافي كطائر العنقاء الحاد في انطلاقاته المصحوبة بأنطولوجية تعتمد على قوة كل لون وتفوقه على الآخر في إثبات جماليته. إذ تسعى هبة إلى بناء نسق اللون بمنطق فني تؤكد من خلاله على شدة العبارة اللونية وامتزاجها بالضوء من خلال عبارات تخيلية ثنائية في وجودها وتصوراتها ودلالاتها، والمقاربة بين المفهوم التصوري للشكل واللون واختصار المعنى في التجريد، وتأويلاته التشكيلية ضمن سياق مفهوم قيمة اللون وقدرته على خلق معايير ترتبط بقوة التجريد ومعناه.
تبدو خصائص الألوان في أعمال الفنانة هبة درويش مشتعلة بالأصفر والأحمر، وبجرأة ترتقي إلى المستوى العميق وغير المباشر بعيداً عن السطحية. إذ تسمو الحركة اللونية مع الضوء والشكل الإيحائي، مثيرة بذلك زوبعة حسية من ذبذبات بصرية تتوحد فيها الأبعاد التفصيلية، لتجريد مستوحى من منظومة الجمال الطبيعي للون، للولوج إلى الحس والذهن. ليتذوق المتلقي أعمالها بنشوة نفسية ذات شاعرية وجدانية تمنح الحس فسحة من الخيال الممتع والمفرح، المتصل بالمرأة الأنثى، والحب والجمال والهدوء المرافق لحالة من صخب هادر يتمثل بنبض اللون وقوة الحياة فيه. لريشة حادة الذكاء وقادرة على ترجمة الأحاسيس بانطلاقة تجريدية قوية التعبيرات، لتحاكي أنثيالات الخطوط بتقنية التضاد الموسيقي أو قوة الإيقاع الحركي في التفاصيل التي تضفي المزيد من الشاعرية والدفء على اللوحات.
تحفيز لوني يثير البصر بما يكفي في لوحات الفنانة هبة درويش للدخول إلى عمق المعنى في كل لوحة، وبفضول تتبلور من خلاله المشاعر الفياضة في اللون أمام سطوة الحركة واندفاعها، وفق معايير واسعة الفضاءات، تعبيراً عن وعي تسعى من خلاله إلى إطلاق الخطاب البصري وأهميته تجريدياً بمنأى عن سيرورة الغموض والالتباس التعبيري مع التجريد، وشاعرية التناغم المحسوس والمؤكد على أهمية الفضاءات التخيلية الموسومة بالتكوين اللوني، وضبط المساحات بتموضع يقتضي التجاوز عن أي عوائق فنية متعلقة باللون المركب وتدرجاته، مع الحفاظ على أساسيات التجاور والتحاور اللوني دون أن تختزل أحاسيسها باللون أو أن تبتر انطلاقاته. لتكشف عن طبيعة علاقات اللون بالفضاء الزمني للوحة أو لحظة ولادتها اليقظة من اللاوعي إلى ابتكار الشكل التجريدي وجوهر الفكرة الفنية المرتبطة فيه.
تنقاطع الذاتية مع الموضوعية في الحركة الداخلية للوحة برمزية متلاحمة مع الطير الذي تخفيه في تموجات ألوانها، ليستنبش المتلقي أسرار كل لوحة بحدس فلسفي يستأنس له البصر، وبعمق وجداني كقصيدة تثير الدهشة بمعانيها. إذ تكتسب الألوان قيمة مضافة من حرارة وبرودة المعنى المقترن بالشكل الإيحائي والتضاد بمعادلاته الثنائية (المركبة والأساسية) بملامحها، ومقوماتها البسيطة والمعقدة إلى درجة الإحساس بالكتلة اللونية وتشظيها، بتجانس حيوي يمنح اللحظة الجمالية نكهة حياتية لها تخيلاتها الرحبة، العابقة بالرومانسية الملامسة للأحاسيس الداخلية لكل من اللوحة والمتلقي. فهل تبحث هبة درويش عن طائر الرخ في قصيدة من ألوان لها أجناسها ومعانيها، أم أنها تتصارع معه ليخرج مع ظلال ألوانها متحرراً من الحلم التجريدي؟
تم نشر هذا المقال عام 2016 وأنا أجهزه ليكون ضمن كتاب خطف بصري كتبت إضافة إلا أنني تركتها لتكون ضمن المقال هذا في موقعي الألكتروني هذا
في أعمال الفنانة هبة درويش، يتجلى الإيقاع البصري كعنصر أساسي في تشكيل تجربة بصرية تتميز بالديناميكية والعمق. إن إيقاع اللون والحركة هو ما يحدد الأثر النفسي والجمالي الذي تتركه هذه الأعمال في نفس المشاهد، ويدعو إلى تأمل متعمق في طبيعة العلاقات بين الألوان والأشكال.
تستخدم هبة درويش الألوان بأسلوب يخلق إيقاعًا بصريًّا مميزًا، حيث يتناغم الأصفر والأحمر بشكل يجذب الانتباه ويوفر تجربة بصرية مفعمة بالحيوية. تعكس الألوان المستخدمة ليس فقط السطوع والجرأة، بل أيضًا تخلق تباينًا وإيقاعًا حركيًّا يشد المشاهد إلى داخل اللوحة. هذا الإيقاع يتجلى من خلال التباين بين الألوان، وعمق تدرجاتها، وتركيز الضوء والظل الذي يعزز من القوة التعبيرية للعمل.
تُظهر اللوحات حركةً لونيةً نشطةً تعكس إيقاعًا تجريديًّا. الأشكال والألوان في أعمال درويش تتقاطع وتتداخل بشكل يوحي بالحركة المستمرة والتدفق، مما يخلق إيقاعًا بصريًّا يذكر بالإيقاع الموسيقي. هذه الحركة تُضيف إلى العمل عمقًا وتعتبر جزءًا من تقنيات التعبير المستخدمة لنقل الحالة النفسية والمشاعر التي تشكل جوهر العمل الفني.
تنظيم الفضاء في اللوحات هو عنصر رئيسي في الإيقاع البصري الذي تسعى درويش لتحقيقه. تُظهر اللوحات تباينًا في توزيع العناصر والفراغات، مما يعزز من الإيقاع ويخلق توازناً بصريًّا يدعو المشاهد للتفاعل مع اللوحة بشكل ديناميكي. التوزيع المدروس للألوان والأشكال يساهم في خلق إيقاع بصري يُحاكي الإيقاع الحركي، مما يجعل التجربة البصرية أكثر حيوية وديناميكية.
تستخدم درويش الإيقاع البصري للتعبير عن التوتر بين الذاتية والموضوعية في أعمالها. الألوان المتفجرة والحركة التعبيرية تعكس الأحاسيس الشخصية والمشاعر الداخلية، بينما الأشكال والتركيبات تجسد الموضوعية والفكر التجريدي. هذا التفاعل يُعزز من الإيقاع البصري ويمنح العمل الفني بُعدًا إضافيًا يتجاوز مجرد الشكل اللوني ليعبر عن تجارب إنسانية عميقة.
يمكن القول إن الإيقاع البصري في أعمال هبة درويش يلعب دورًا محوريًّا في تكوين التجربة الفنية الخاصة بها. من خلال تناغم الألوان وحركتها، وتنظيم الفضاء وتوزيع العناصر، تخلق درويش إيقاعًا بصريًّا يعكس الجمال والتجريد في آنٍ واحد. هذا الإيقاع يضيف عمقًا وحيوية للأعمال، ويجعل كل لوحة تجربة بصرية تستحق التأمل والاستكشاف
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol