لماذا تتهافت الأبصار نحو الصور الفوتوغرافية؟
ضحى عبدالروف المل
الغرابة تدور في مخيلتنا دون رفض يجسد محو هذه الصور التي تتابع بسريالية أو بتخيل فني يتطور، لتتشكل منها الأعمال الفنية التي تضعنا أمام تساؤلات كثيرة. أولها: لماذا تتهافت الأبصار نحو الصور الفوتوغرافية؟ أو حتى نحو الأعمال التشكيلية؟ فنشيد منها عدة قراءات متنوعة، وتبعًا للمنظار الداخلي لكل منا وللرؤية الواقعية والتخيلية للإنسان بشكل عام. إذ تتخذ الصور الفوتوغرافية في أعمال المصور الفرنسي "جيرارد رانسينان" (Gérard Rancinan) عدة تأويلات تتخذ كل منها صفة مشهدية تمتد عبر تاريخ الصورة وحركتها الداخلية المتوقفة عبر لحظة أضاءت فيها عدسة ولمعت من خلالها فكرة فنية تم تنفيذها بعدة رؤى. إلا أن أبرزها المقاييس والمعايير للضوء والألوان، فتنشأ علاقة متينة بين اليد والعين واللحظة الزمنية الفاصلة، تترابط من خلالها سرعة الالتقاط التي ترتقي فنيًا، وتخلق متعة نفسية تعصف ذهنيًا بالبصيرة، وتترك للنظر لذة استكشاف الجمال، وربما استكشاف القبح المثير لرغبة ما يتخذها الفنان كوسيلة لإظهار طبيعة الأجناس التي تم تصويرها بدقة عالية، وبمقاييس يخلع عليها من مخزونه الثقافي والمعرفي والفوتوغرافي الرياضي والفيزيائي ما يجعلها مادة مثيرة لاكتشاف ماهيتها وبموضوعية، ربما! تنتمي إلى الذات، وربما! لتبقى كقطعة من ذاكرة التاريخ البصرية. فهل ستصبح الآثار يومًا ما مرتبطة بالصورة البصرية أو الصورة الضوئية البحتة؟
تتخذ الصور الفوتوغرافية في أعمال المصور "جيرارد رانسينان" طابع المبالغة أو خلق نقطة غرائبية تمثل نوعًا من حياة المجتمع الذي التقط منه بعض الصفات المثيرة. ليجرد الصورة من الأطياف الأخرى، ويترك للإنسان ميزة وجود تتغلب عليها عدة أسباب دفعته إلى التقاطها ووضعها ضمن بانورامية كعلامة تعجب يود الرائي معرفة أسبابها، كصورة "فيدل كاسترو" وصورة الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات"، وحتى صورة الرئيس "حسني مبارك"، ضمن أسلوب يقظ ومدروس نابع من معرفة خلع عليها صفة فوتوغرافية. بينما ما هي إلا انتقاد داخلي أو إعجاب أو علامات تساؤل، فصورة الرئيس "ياسر عرفات" الجالس على الكرسي في عتمة أضاءت نقطة الارتكاز فيها والمؤطرة حسياً بحسابات دقيقة تتطرق إلى تواضعه وقدرته على إضفاء روحية فلسطينية ميزته عن بقية الصور التي التقطها لرؤساء آخرين. إضافة إلى اللعب بالمعايير الحسية الملموسة كصورة النساء المختلفة ماديًا وهن باللباس الأبيض أو اللباس الأسود، مما يجعل الصورة تتطرق إلى اختلاف الإنسان وقدرته على التعاطي مع الأشياء من حوله باعتدال ودون مبالغة وتقليد. فهل من متابعة لمسار الإنسان التاريخي عبر العصور بعدسة تنظر إلى الحداثة كضوء يجمع الماضي مع المستقبل، ويحاكي البصيرة عبر ثقافة الصورة الغنية بالمعطيات الفكرية والجمالية؟
تتغلب صور الفنان "جيرارد رانسينان" على الاشمئزاز أو الدهشة، لتتغلب الفكرة على العين، وتحطم كل المعايير للمشكلات الإنسانية الأخرى، كالقتل والمجازر، ومشكلة الصحافة، والمواضيع الاجتماعية المرتبطة بالخير والشر، والنظرة إلى الفردوس الإلهي، كأنه يعيدنا إلى القرون الوسطى بحداثة الصورة النابعة من الإيمان العميق بالمعنى، ومرتكزات الأسلوب التأليفي الذي يلجأ إليه بسينوغرافيا ممتعة غالبًا للحفاظ على جمالية الفكرة التي تطرح عدة حلول ورؤى، خصوصًا أزمة الواقع والخروج منها، ولكن مع الاحتفاظ بمكمن الجمال في كل صورة التقطها وأضفى عليها من أحاسيسه ما يجعلها تترسخ في الذهن وتزيد من قيمة الامتداد البصري الذي يشعر به المتلقي عند تأمل الصورة وفك الغازها. لتصل عدسته إلى تخطي حدود التخييل لنستشف قدرة العدسة الضوئية عندما ترتبط بفيزياء الضوء وحسابات العقل ورؤية العين ضمن الزوايا الصاعقة للصورة التي تشكل أهمية كبرى للحدث.
الصور الفوتوغرافية تحمل قوة تأثير فوري وشخصي على المشاهد. تكمن قوة الصورة في قدرتها على إثارة مشاعر وذكريات وتجارب شخصية فريدة لكل فرد. في حالة أعمال المصور الفرنسي "جيرارد رانسينان"، يبرز الانطباع الفوري من خلال تقديم مشاهد غنية بالتفاصيل والرموز التي تثير دهشة وتأمل. الصور التي يلتقطها لا تترك المشاهد دون أن تثير فيه مشاعر متعددة مثل الاستغراب، الإعجاب، أو حتى القلق. الإيقاع البصري في صوره يعتمد على اللعب بالإضاءة، الظلال، والتكوين، مما يخلق تجربة حسية قوية وفريدة. مشاهد مثل صورة "ياسر عرفات" على الكرسي في الظلام تشير إلى تواضع وصمود، وتلعب دورًا في خلق انطباع عميق لدى المشاهد.
، يعتمد تحليل الصور الفوتوغرافية على تقييم كيفية استخدام العناصر البصرية لنقل رسالة أو قصة. في أعمال رانسينان، تتجلى المهارة في استخدام الضوء والألوان والتكوين لتوصيل أفكار معقدة حول موضوعات اجتماعية وسياسية. الصور التي يلتقطها تُظهر تقنيات تصوير دقيقة تعكس الجوانب الثقافية والفنية للأشخاص والمواقف التي يوثقها. توظيف رانسينان للمبالغة والإبراز البصري في صوره ليس مجرد أسلوب فني، بل هو وسيلة لتسليط الضوء على قضايا معينة، سواء كانت سياسية، اجتماعية، أو ثقافية. من خلال هذه التقنية، ينقل رسالة قوية ومتعددة الأبعاد حول الواقع الذي يلتقطه.
يمكن أن تؤثر الصور الفوتوغرافية على مشاعر وتفكير الأفراد بطرق عميقة. المشاهد الذي يتعرض لعمل رانسينان قد يشعر بمجموعة متنوعة من العواطف: من الإعجاب بالجمال الفني، إلى القلق من القضايا التي يتم تناولها. الصورة الفوتوغرافية، بما تحمله من عناصر مرئية وتعبيرية، يمكن أن تثير تأملات حول الذات والواقع الاجتماعي والإنساني. تتعامل الصور مع ذاكرتنا وتصوراتنا، مما قد يؤدي إلى إعادة تقييم القيم والمواقف. الإيقاع الفوتوغرافي الذي يقدمه رانسينان، من خلال تركيبه البصري والمعنوي، يتيح للمشاهد التفاعل عاطفيًا ومعرفيًا مع الصور، مما يخلق تأثيرًا نفسيًا عميقًا.
من الناحية الفنية، يتجلى إيقاع الصورة الفوتوغرافية من خلال التكوين، الإضاءة، واللون. أسلوب رانسينان يشير إلى براعة في استخدام هذه العناصر لتحقيق توازن بين الفن والتقنية. الصور التي يلتقطها تتسم بتفاصيل دقيقة وتكوين مبتكر، مما يعزز من جاذبيتها البصرية. الإيقاع الفني في صوره يتضمن تناغمًا بين الألوان والضوء والظل، ما يعزز من تأثير الصورة ويجعلها تجربة بصرية متكاملة. استخدامه للألوان والأشكال يعكس خلفيته الثقافية والفنية، ويضيف بُعدًا إضافيًا للعمل الفني، مما يجعله جذابًا من الناحية البصرية والفنية.
تقدم الصور الفوتوغرافية للفنان "جيرارد رانسينان" تجربة إيقاعية غنية تتداخل فيها المشاعر والانطباعات مع العناصر الفنية والتقنية. من خلال دمج الإيقاع البصري والرموز الثقافية، ينقل رانسينان رسائل عميقة ويثير مشاعر وتأملات متعددة لدى المشاهدين. الفن الفوتوغرافي ليس مجرد تسجيل للواقع، بل هو أيضًا وسيلة لاستكشاف وتفسير التجارب الإنسانية بطرق جديدة وملهمة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol