نِعم الله جلّت عن الحصر

قراءة في كتاب "مدخل إلى فقه النعمة" للدكتور عبدالاله ميقاتي

ضحى عبدالرؤوف المل

يسكب الدكتور عبدالاله ميقاتي من المعاني الإنسانية ما يزيد من قيمة كتابه "مدخل إلى فقه النعمة" الذي سعى من خلاله أن يكون بحق مدخلاً إلى فقه النعمة، لكي يتدبر القارئ في الكثير من الآيات القرآنية، ويفهم العديد من الإشارات التي يسبغ عليها الشرح، لتشمل أيضاً النعمة الظاهرة والنعمة المقطوعة لإدراك جل النعم. فكل نعمة مركبة من نِعم. وقد جزّأ المفاهيم في ثلاث مجموعات، يتناول في كل منها نعمة الخلق، ونعمة الإيمان، والنعم الخاصة، وبهذا يكون قد حدد من خلال مجموعاته بعض النقاط التي سلط الضوء عليها لتخدم الشرح والتفصيل لنعم لا يستطيع الإنسان أن يضعها بين هلالين، وإنما يتركها للاجتهاد والتوسع بها لتكون أقرب إلى فهم الإنسان. فليس أوسع مغفرة منه إلا هو، ولا يدرك النعم إلا واهبها، ولا أجل ولا أعظم رحمة من نعمة الرحمة للعالمين. لقد نسخت مغفرته كل عقاب بعد أن فاض به من فساد الخلق وفجور الإنسان الذي كلما تتسع مفاسده اتسعت بمضاعف منها مغفرة من الله وفضل عظيم. فالكتاب يناقش المسوغات السماوية للنعم، فهو المنعم، والإنسان إما شاكراً وإما كفوراً. إما أن يؤمن وإما أن يكفر، وفي كل الأحوال من يدرك قيمة النعم فقد تذوق نعمة من نعمائه التي لا تحصى، ليضع الإنسان في عصف ذهني ليتفكر ويتأمل ما قبل وما بعد أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وهي: "وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ، وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" فما هي نعمة خلق الإنسان والانتقال من التكوين المادي إلى تكوين عضوي وتفضيل الإنسان وتكريمه؟

وعي وعقلانية في فهم معركة الخير والشر، فإن الله قد أعطى الإنسان عدة المعركة، وأولها العقل والعلم، ورسم له الطريق، دون أن يغفل عن الترابط بين الخلق والعلم وماهية الخلق التالي المزودة بالكثير من الآيات التي تشير إلى نعمة الانتقال من طور إلى طور ومن نعمة إلى نعمة، كنعمة العاطفة وحب الذرية وما إلى ذلك من تغييرات تطرأ على الإنسان خلال تطوره وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة بفضل الله ورعايته لاستنهاض الإنسان كي يفهم نفسه المولودة على الفطرة والمحمية بالعقل، ليشعر القارئ أن العاطفة بأنواعها، وهي تعتبر من الجزء اللاعقلاني عند الإنسان، تندمج مع الجزء العقلاني وجوهر الصفات البشرية الأسْمَى التي ميزته عن الحيوان. وما بين الظاهر والباطن، وما هو محسوس وما هو ملموس، تتجلى للإنسان المؤمن أو المتأمل لآيات الله في الكون وفي نفسه حقيقة النعم. فما هي أسس النعم في كتاب الدكتور عبدالاله ميقاتي: "إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"؟

غريزة العقل في بداية حياة الإنسان ونموه العقلي من خلال المعرفة شيئاً فشيئاً هي محض حكمة إلهية، ويرى بعض الحكماء أن الله إذا أراد أن ينزع من عبد نعمة كان أول ما ينزع عنه العقل. وبالعقل يدرك الإنسان معنى النعمة التي وضعها ضمن البحث الدكتور عبدالاله ميقاتي مع نعمة الهداية كنقطة أساسية قبل الغوص في فهم معنى النعم، وبالعقل تبدأ رحلة العلم والارتقاء. وهكذا، فكل إنسان يبدأ رحلته بالتلقي والتقليد، ومنهم من يختمها بالاكتشاف والإبداع. ونعمة الهداية هي أعظم النعم كما قال سبحانه: "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"، وهذه أعظم منّة من الله الذي قدر فهدى.

لم تتعارض أبواب الكتاب وعناوينه مع المضمون والهدف البحثي النابع من نعمة الفهم الخاضعة للتحليل والتوسع في الاستنتاجات والتأملات، وحتى بالتفكر في كل مرحلة من مراحل الكتاب والنشاط الفكري الذي صوبه نحو الاستكشاف لأطوار الإنسان من الخلق إلى الإيمان، لينفرد بالنعم الخاصة والعملية التي تترجم كل ما توصل إليه في بداية الكتاب. ليكون بذلك قد اعتمد على محاكاة القارئ ومناقشته بعد تبسيط لا يخلو من تعقيد استطاع فكه بحنكة استطلاعية، ليستنبط من النعم التي لا تحصى الأجزاء التي تخدم الفكرة وتطورها في الانتقال بالقارئ من مرحلة إلى مرحلة بتؤدة وصبر وبرغبة مشتركة معه، مع الحفاظ على توخي الدقة في شرح المفاهيم الخاصة والعامة لنتذوق في هذا الكتاب نعمة من نعم الله.

في سياق تناول الدكتور عبدالاله ميقاتي لفقه النعمة، يستعرض الكتاب أيضًا تأثير النعم على النفس البشرية وكيفية تفاعلها مع مفاهيم الشكر والكفر. يبرز المؤلف الفجوة بين إدراك الإنسان لقيمة النعم وإسرافه في استخدامها، مبينًا أن الفهم العميق للنعم لا يقتصر فقط على التقدير السطحي، بل يتطلب تأملًا وتفكرًا مستمرين. يربط ميقاتي بين نعمة العقل ونعمة الهداية باعتبارهما الأساسين لتطور الوعي البشري، حيث يرى أن العقل هو أداة الإنسان الأساسية لتفسير النعم وفهمها بشكل دقيق. في ذات الوقت، يعزز الكتاب من أهمية الاعتراف بفضل الله واستمرارية العرفان بالنعم، وهو ما يتجلى في بسط المؤلف لآيات قرآنية تدعو للتفكر والتأمل في أبعاد النعمة.

إضافةً إلى ذلك، ينبه الكتاب إلى أن النعم ليست محصورة في الأشكال المادية، بل تشمل أيضًا النعم الروحية والفكرية التي تمنح الإنسان قدرة على الاستمرار والنمو. يوضح ميقاتي كيف أن النعم الروحية مثل الفهم والحكمة تساعد الإنسان على تحقيق التوازن الداخلي والتفاعل الإيجابي مع النعم المادية. كما يستعرض الكتاب كيف يمكن للإنسان أن يطور نفسه ويستثمر النعم التي منحها الله له، مشيرًا إلى أهمية الاستفادة القصوى من كل نعمة لتحقيق الأهداف العليا والعيش بسلام.

النص يعكس ببلاغة عميقة كيف أن النعم هي موضوع معقد ومتشعب، يتطلب تفكرًا وتعمقًا لفهم أبعاده بشكل كامل. الدكتور عبدالاله ميقاتي يتمتع بقدرة بارعة على تفكيك وتوضيح المفاهيم الصعبة بأسلوب يسير، مما يجعل موضوع النعم سهل التناول للقارئ. من الناحية البلاغية، يُظهر النص توظيفًا مميزًا للغة القوية التي تجمع بين العمق الفكري والسلاسة التعبيرية. الأسلوب الذي يستخدمه المؤلف يعزز من قدرة النص على إيصال رسالته بشكل مؤثر وملهم، حيث يتكامل استخدامه للآيات القرآنية مع التحليل الفلسفي والواقعي.

كما أن البناء اللغوي للنص يعكس فهمًا عميقًا للتفاصيل الدقيقة والمعاني الفلسفية، مما يجعل القراءة تجربة فكرية غنية. الانسيابية في العرض والربط بين مختلف أفكار الكتاب تُبرز براعة المؤلف في تقديم مادة علمية معقدة بشكل يضمن الفهم العميق والتأمل. بفضل هذا الأسلوب البلاغي، يستطيع القارئ أن يشعر بعمق النعم التي يناقشها الكتاب، ويُحَفَّز للتفكر في قيمتها وتقديرها بشكل أعمق.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol