الفنان حسين حسين لـ «اللواء»: العمل الفني أقوى عندما يحمل رسالة إنسانية ولو مشفّرة

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

في عالم الفن، حيث يتعانق الإبداع مع الإلهام وتلتقي الفكرة بالتنفيذ، يبرز الفنان حسين حسين كأحد الأسماء البارزة التي لا يمكن تجاهلها. منذ انطلاقه في السبعينيات، أثبت حسين حسين أن الفن ليس مجرد وسيلة تعبيرية، بل هو أداة تحليلية وثقافية تفتح آفاقًا جديدة لفهم الإنسانية والوجود. جاءت مسيرته الفنية متكاملة ومتعددة الأبعاد، حيث امتزجت خلفيته التقنية والعلمية مع شغفه بالفنون، مما أضفى على أعماله طابعًا مميزًا يجسد تعقيدات المشاعر الإنسانية وتجاربها.

الاهتمام المتفاني بمعاناة الإنسان ومحاولة تسليط الضوء على صراعاته الداخلية والخارجية تشكل جوهر أعمال حسين حسين. هذا الفنان لا يكتفي بالتعبير عن المعاناة كما هي، بل ينسج منها رسائل رمزية ومشفّرة، مما يضفي على أعماله عمقًا إضافيًا. لوحاته، التي تتراوح بين التجريد والواقعية، تحاكي الأزمات الإنسانية بطريقة تجذب المتلقي وتدعوه للتفكر والتأمل. في هذا السياق، لا تقتصر أعمال حسين حسين على تجسيد الصراعات، بل تتناول أيضًا كيفية التفاعل مع هذه الصراعات وكيفية تطويعها لإبراز الجوانب الإنسانية الأكثر إيجابية.

تأثرت مسيرته التعليمية بتنوع وتعدد المجالات التي درَسها، بدءًا من الإلكترونيات وصولاً إلى الصيدلة، مما انعكس بشكل واضح على رؤيته الفنية. هذا المزيج الفريد من العلوم والفنون أضفى على أعماله بُعدًا فنيًا وتفسيريًا يجعلها محط اهتمام ونقد من قبل المتابعين والنقاد. اختياره للألوان والتقنيات ليس عشوائيًا، بل هو نتاج تجارب شخصية وعلمية عميقة، ويظهر ذلك بوضوح في استخدامه للفوضى اللونية وتضخيم بعض العناصر لتحقيق تأثير بصري عميق. بفضل هذه الخلفية المتنوعة، يحرص حسين حسين على إدخال عنصر الإنسانية في كل عمل فني يقدمه، فمعاناته وتجاربه الشخصية تتجسد في كل خط ولون. هذه الأعمال ليست مجرد تعبيرات فنية، بل هي تجسيد لرؤيته الخاصة حول كيف يمكن للفن أن يعكس ويحلل طبيعة الإنسان.

بالمجمل، يعكس حسين حسين من خلال أعماله رؤية فنية متطورة ترتكز على التجريب والابتكار، ما يجعله أحد الفنانين الذين يساهمون في تشكيل المشهد الفني المعاصر ويضعون بصمتهم المميزة في تاريخ الفن.

ولد الفنان حسين حسين عام 1970 في لبنان، وقضى طفولته في السنغال، وعاد عام 1983 إلى وطنه الأم. أكمل دراسته التقنية في الإلكترونيات، وحصل على درجة الماجستير في الصيدلة عام 1998 من أكاديمية سانت بطرسبرغ في روسيا، وهي مدينة ستشكّل شخصيته الثقافية المستقبلية. في بيروت التحق بالجامعة اللبنانية حيث حصل على شهادة الدبلوم في الفنون التشكيلية عام 2007. حصل على منحة للدراسة في باريس، لكنه أكمل في بيروت درجة الماجستير عام 2012، ثم حصل على الدكتوراه في الفنون وعلوم الفن من الجامعة اللبنانية في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية عام 2017. أقام ستة معارض فردية وحوالي 50 معرضًا مشتركًا. يدرّس الفن في الجامعة اللبنانية الدولية بالإضافة إلى جامعة الحدث - الجامعة اللبنانية - الفرع 1. ألّف كتاب «الفنون المتفككة: الصفحة المفقودة من تاريخ الفن المتمرد». ومع الفنان حسين حسين أجرينا هذا الحوار:

- المعاناة الإنسانية تتخذ عدة تشكيلات في أعمالك، لماذا هذا التركيز على المعاناة، ومن أين تستوحي هذه الرسوم؟

لطالما كان الإنسان محور معظم الأعمال التي أنجزتها، حتى في لوحات الطبيعة كنت أدخل شيئًا يذكّرنا بوجوده. بالنسبة لي، يمرّ الإنسان في حياته بفرح وحزن معًا، لكن المعاناة دائمًا تقف في طريقه أكثر من الفرح، لكنه ميّال إلى أن ينسى الأحزان ويستمر في حياته. تمامًا كما أشعر، بعيدًا عن أن أكون متشائمًا، أرى أن الإنسان هو مخلوق يطغى عليه الشر دون أن يعني هذا أنه لا يحب الخير، لكنه ميّال للشرور، أقصد في الطبيعة البشرية اللاواعية. الخير لا يتغلّب على الشر سوى بمجهود وتحكم. قد لا يتفق معي كثيرون، لكنها وجهة نظري، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أناس خيّرون، لكنهم أقل عددًا. أستوحى رسوماتي من الواقع المحيط بي، فالمعاناة محيطة بنا من حروب واضطهاد وتحكم القوي بالأضعف من خلال أساليب عدة نتخدّر من خلالها لنصبح أداة طيّعة بيد من يسيطر علينا. أستوحى أيضًا من قراءاتي في مواضيع عدة مثل علم النفس والتواصل والإدراك البصري وسهولة أن يُخدع الإنسان وابتعاده عن الصواب في نفس الوقت الذي يظن فيه أنه يفعل الصواب.

- مشهديات فنية تؤلفها لتوحي بأكثر من معنى بصري، لماذا؟ ومتى تضع الحدود لريشتك؟

بالفعل، في معظم الأعمال لا يوجد معنى واحد، إذ أحاول دائمًا إيصال رسائل قد تعني للمتلقي دون إرهاقه في تحليلات صعبة، كما أحاول الابتعاد عن المباشرة. العمل الفني من وجهة نظري أقوى عندما يحمل رسالة إنسانية ولو مشفّرة قليلًا. بالنسبة لي، العمل الفني لا يصل إلى نقطة أو مكان يمكننا أن نقول إنه أُنجِز. بعد أن تكتمل عناصر العمل التشكيلية من تأليف وغيره، يمكنني أن أتوقف عن العمل الفني كما يمكنني أن أعيد النظر ببعض الجوانب التشكيلية وتغييرها، وهذا متعلق بالسياق العام لما يحيط بي من ظروف وأحاسيس قد تؤثِّر على العمل الفني. للعمل الفني عدة حلول وينتهي العمل بقرار من الفنان الذي ينجزه.

- فوضى وتلاشي ألوان وتضخيم أحيانًا لبعض المعاني الإنسانية، هل تشعر أننا في أزمة إنسانية لا تنتهي؟

فوضى في العمل كما في الحياة التي نعيشها. أحاول أن أعكس هذا الإحساس من خلال أعمالي. تضخيم بعض العناصر في العمل هو كمن يصرخ مرتين أو أكثر للتأكيد على ما يحاول قوله. نحن حتمًا في أزمة إنسانية لن تنتهي طالما الإنسان موجود وطالما لا يرى الإنسان أنه في أزمة هو سببها. قد يعتقد من يقرأ هذه السطور أنني لا أرسم سوى الإنسان في أزماته. الأمل والتفاؤل والبسمة لديهم مكان مهم في أعمالي. الطبيعة فيها مساحات صافية وألوان زاهية وصارخة أحيانًا، وكأنها التعويض عن الجانب الآخر للروح الإنسانية.

- الفنان حسين حسين، ماذا يقرأ؟ ماذا يشاهد؟ ما هي أولى اهتماماته؟

تبدّلت اهتماماتي وبقيت المشاعر الإنسانية هي الأكثر جذبًا لي. درست الصيدلة وأعمل في هذا المجال منذ 1997 وقد أحببت الجانب الإنساني فيه كما نفرت من الجانب التجاري الذي فيه، حيث احتككت بجوانب كثيرة من الإنسان. فالفن كان بمثابة التعويض النفسي لي، حيث هربت واعتقدت أن الإنسان الفنان هو أرقى وأكثر واقعية... لم أرَ فرقًا كبيرًا... في الفن كما في غير الفن، وجدت «إحساسًا صادقًا واحتيالًا، كفاءة وضعفًا، تجارة ورقيًا»... إنه الإنسان على طبيعته. كما قرأت عنه ولم أقتنع في البداية، لكن بعد عمر معين ومراقبة وربط الماضي بالحاضر والاطلاع على موضوعات مختلفة وكسر التابوهات بهدف المعرفة، وصلت إلى ما تكلمت عنه قبل قليل. أحب الـ Stand Up Comedy وأحب القراءة، لطالما انجذبت إلى علم النفس المجتمعي والإدراك والتحليل والعلوم. على الرغم من أنني انجرفت بشكل شبه كلي نحو الفن، إلا أنني ما زلت أتابع بعض المواضيع الطبية والصيدلانية التي انعكست مرات عدة في أعمالي الفنية. ويبقى الفن أولى اهتماماتي وأحاول من خلاله توصيل رسالة مهمة تتعلق بالكتاب الذي نشرته قبل سنتين، إذ أعتقد أن لموضوع «الفنون المتفككة: الصفحة المفقودة من تاريخ الفن المتمرد» تتمة تحليلية لاستكمال ما بدأت به.

- أساطير ورموز وحضارات مبنية على رؤى تحاكي الحاضر أو الواقع، هل هذا صحيح؟

للأساطير مكان كبير في حياتنا اليومية بالشكلين الواعي واللاواعي، وقد انعكست حتمًا في هذه الأعمال. هذه القصص شاركت في تكوين الحاضر. منها ما لا يضر أن وجد ومنها ما قد يشوّش على إدراكنا بشكل كبير. في هذه الأعمال، هناك انعكاس للواقع كما أراه أنا. تختلط علينا في أوقات كثيرة الخرافات بالحياة الواقعية حتى نصل إلى مكان يصعب فيه الفصل بين ما هو حقيقي وما هو أسطورة.

في قراءة تحليلية للحوار معه نكتشف أن

أعمال الفنان حسين حسين تشكل تجسيدًا عميقًا ومؤثرًا لروح الإنسان وتجربته المعقدة، وذلك من خلال أسلوبه المميز في الدمج بين التجريد والرمزية. حسين حسين ليس مجرد فنان يعبر عن أفكاره بوسائل تقليدية، بل هو رائد في توظيف تقنيات فنية مبتكرة تعكس تحولاته الفكرية وتجربته الشخصية الغنية. في هذا التحليل، سنستعرض أبرز السمات الفنية لأعماله ونتناول جوانبها الفنية والرمزية بموضوعية وعمق.

إذ تستند أعمال حسين حسين إلى تجريد متعمد يعكس تنوع حالات الإنسان الداخلية. يميز أعماله الاستخدام المتقن للألوان، التي تتراوح بين الفوضى والتنسيق المدروس، مما يخلق تباينًا بصريًا يجذب الانتباه ويثير التفكير. الفوضى اللونية ليست عبثية، بل هي تجسيد للاضطراب الداخلي وتناقضات المشاعر التي يعاني منها الإنسان. هذه الألوان المبعثرة تتقاطع لتشكل صورًا غير واضحة، ولكنها في ذات الوقت تنجح في التعبير عن عدم الاستقرار والقلق الموجود في حياة الإنسان.

في أعمال حسين حسين، يظهر استخدام الرمزية كوسيلة رئيسية لتوصيل الرسائل العميقة. الرموز التي يختارها قد تكون ذات طابع شخصي أو اجتماعي، وهي تمثل مفاتيح لفهم السياقات المعقدة التي يتناولها. على سبيل المثال، قد نجد في بعض اللوحات تجسيدًا للمعاناة الإنسانية من خلال عناصر تصويرية متناقضة مثل الوجوه المحطمة أو الأشكال المشوهة، التي تعبر عن الألم والصراع الداخلي.

حسين حسين يستخدم تقنيات متعددة للتعبير عن الموضوعات التي يتناولها. التقنيات التي يتبعها ليست عشوائية، بل هي جزء من استراتيجيته الفنية لنقل مشاعر معينة أو حالات ذهنية. نرى في بعض أعماله كيف يتلاعب بالضوء والظل لخلق تأثيرات درامية، أو كيف يستخدم التكرار لزيادة الشعور بالقلق والإلحاح. التكوينات التي يختارها دائمًا تكون مدروسة بعناية، حيث يتم توزيع العناصر بطرق تؤكد على الديناميكية والتوتر في اللوحة.

إن الإنسان هو محور أعمال حسين حسين، ونجاحه في تجسيد القضايا الإنسانية يرتكز على فهمه العميق لطبيعة الإنسان. في كثير من أعماله، يمكن للمتلقي أن يشعر بتجارب الفنان الشخصية والألم الذي يعبر عنه. هذه التجربة الشخصية، الممزوجة بإبداعه الفني، تجعل من لوحاته مرآة تعكس معاناة الفرد والمجتمع.

تأثرت تجربة حسين حسين الأكاديمية والعملية بشكل كبير في تشكيل رؤيته الفنية. خلفيته في الصيدلة والفنون تجسد التداخل بين العقلانية والإبداع، مما يظهر بوضوح في أعماله التي تعكس صراعًا بين منطق العلم ومشاعر الفن. هذه التجربة تضيف بُعدًا إضافيًا لأعماله، مما يعزز من قدرتها على الإلهام وإثارة التفكير النقدي.

بالمجمل، يمكن القول إن أعمال حسين حسين تقدم تجربة فنية فريدة تدمج بين التقنية والتعبير الإنساني، وتدعو المتلقي إلى التفكير في طبيعة المعاناة والأمل في حياة الإنسان. يواصل حسين حسين من خلال أعماله تقديم رؤية فنية تجسد التحديات الإنسانية بشكل مبتكر وعميق، مما يجعله فنانًا يستحق التأمل والتقدير في عالم الفن المعاصر.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol