ريشة فنية تسرب إليها وجع الإنسان
ضحى عبدالرؤوف المل
يتفاعل الفنان "حسين حسين" مع الواقع الإنساني وتطوراته التي تنطوي على صراعات مستمرة لا تؤدي إلا إلى تآكل الإنسانية وتناقضاتها، التي تستحوذ على الاهتمامات الحسية الداخلية الملموسة في تفاعلات الألوان ونشاطها البصري المتشظي في مساحة يدمج فيها المعاني الإنسانية مع التشكيلية. كملهاة تصورها ريشة فنية تسرب إليها وجع الإنسان دون اختزال، مما يجعلها تتراجع نحو الخلفيات التي ترمز إلى تراجع الزمن المستقبلي بلمسة فنية لها قوتها البصرية، المؤثرة على الرائي أو المتأمل بعمق المشهد الملتحم بأبدية الصراع الإنساني المنصهر مع تفاصيل الحياة، كما ينصهر اللون بأسلوب تراجيدي يتعاطف معه المتلقي ويضعه أمام تعبيرات تختنق فيها آثار الحروب وأتونها المدمرة لبنية الإنسان، المتمثلة بتعاظم حركة اللون المعجونة بالأمل رغم قساوة الواقع الذي يرسم معاناته بدمع الألوان في كل زمان ومكان. لتصبح اللوحة رمز الصراع الإنساني ومرارته بنظرة فنية تشكيلية تمثل ركنًا جماليًا له معانيه الإنسانية، لابراز مساوئ الحروب وأهمية السلام.
تزرع لوحات الفنان "حسين حسين" في نفس المتلقي حب الاستطلاع لاكتشاف الحزن المنتظر للفرح والمعاناة التي لم تيأس من السلام الإنساني والرخاء الحسي المبني على شفافية الألوان رغم شدتها أحيانًا. فالمساحات اللونية تبدو كمتنفس لأشكال لها حدودها مع اللون والفراغات والضوء المقتضب، دون أن تنسلخ أهمية الخط الوهمي كعروق جمالية تنبض بسمات أحاطت بشيفرة التفاصيل والتعبيرات الشجية، المتسمة بتوشيحات تتسع للظل رغم صرخة الحرية من ضيق الإنسان بمكانه المصاحبة لتشابك الرؤى وأبعادها، مستخدمًا ريشة تحسسية مثيرة في تداعيات ألوانها الغارقة بالتضاد الظاهر والباطن، والباحثة عن تحرر البشرية من الصراعات وما ينتج عنها من دمار للإنسان قبل الأرض والحجر. وهذا ما يشد المتلقي لفهم اللوحة أكثر والتأثر بخصائص الألوان وتدرجاتها دون أن يبتر القيمة الإنسانية في الفن التشكيلي.
تكشف التراجيديا التشكيلية عن مستويات الألم والوجع والتيه بدءًا من بقايا الأبواب المغلقة وصولاً إلى انعكاسات الخطوط الضوئية، وكأنها الضوء الإلهي دون اختلال بالحقيقة الواقعية للحياة التي يتسبب الإنسان بخسارات فيها. وكأنها تمثل الشتات والاختلال الناشئ عن الصراع الذي بدأ على الأرض منذ الأزل، وبانصات للون والخط وللسكون الصارخ الذي يضج بأنطولوجية تتغذى من بواطن الوجع المتعدد برمزيات وتعابير تتجرد من الوضوح التام، بل وبطمس للحدود التي يتركها للخطوط، وكأن الزمن يعيد نفسه منذ بداية الإنسان وصولاً إلى الانفعالات العاطفية المشحونة بالوعي العقلاني، لما وراء الخطوط الضوئية التي يتركها للرعاية الإلهية التي تؤمن بها ريشته المتشابكة مع صراعات مختلفة احتكت مع عدة حضارات. إلا أن الإيحاء الأقوى في اللوحة هو الشتات ومفاتيح الأبواب الضائعة والإنسان المعاصر لهذه الحروب والمتأثر بها. مما ينعكس على هيكلية الخطوط واتجاهاتها التي تجتاح البصر كثورة ذات مناخات تتأجج فيها تقنيات تشكيلية مأخوذة من شدة التأثر الذي حافظ الفنان حسين حسين على شحنه في لوحة امتلكت الخصائص الفنية الرافضة للواقع وللصراعات الإنسانية التي تتسبب بشدة معاناة الإنسان.
ترزح الألوان في اللوحة لخدمة المعنى وفق تكنيك السهل الممتنع والبيئة المرافقة للحروب من قتل ودمار وجروح، وفقدان الهوية الإنسانية الناتجة عن شدة الظلم. وبإيحاءات يشد من أوصالها الفنية بالفواصل التي تعتمد على الأبعاد والمعاني، وقوتها في إدراك الرسالة التشكيلية ومؤثراتها على العصف الذهني الذي تتركه، ليبحث عن علاج آفة الصراعات بصولاتها وجولاتها التي لا تؤدي إلى تحويل الإنسان إلى أشلاء، وتقضي على العمران، بل وتزيل الحضارات بالكامل. مما جعله يترك التشكيل الأكبر في اللوحة للحدث بنسبة أعلى من سرد الألوان، فهل يحاول الفنان حسين حسين إبراز الحدث في لوحة تجسد عمق جراح الإنسانية في الحروب؟
المقال كُتب عام 2016 تم نشره في جريدة اللواء ومن ثم كتبت مقالا عن أعماله في عام 2017
أعمال الفنان حسين حسين: التركيز على الواقع في المتخيل التشكيلي
يستكشف الفنان "حسين حسين" الإنسانية من خلال المشاهد المملوءة بالمعاناة، والتركيز على الواقع في المتخيل التشكيلي باستبدال الواقع بواقع آخر يمثل بواطن المعاني اللونية من خلال العناصر الرمزية. لدرجات الألوان الداكنة والفاتحة والحارة والباردة، وبتمثيل حالة الإنسان الداخلية التي يظهرها إلى الخارج بأسلوب يهدف إلى تحقيق الرؤية الفنية المؤثرة على الجوانب الإنسانية بصريًا. وبمقاربات مختلفة ذات عمق يلامس المعقول واللا معقول بوصفه الواقع المتخيل. إذ يحاول الفنان حسين حسين توظيف اللغة اللونية وفق ضرورات الشكل الخاضعة إلى إبراز الإشكاليات المدركة لحدود العناصر التشكيلية وإمكانياتها في خلق عدة مستويات من الخطوط التي يمزجها بتقنيات تتفاعل معها حواس المتلقي فيزيائيًا.
يشحذ الفنان "حسين حسين" الألوان، فيسخرها لخدمة المعنى المقتضب، مثيرًا لذة الاستكشافات البصرية في تقسيمات فيسيولوجية تهدف إلى خلق رؤية بمستويات حسية مختلفة معززة بلغة تؤثر على المعنى الإنساني في لغة الفن التشكيلي، والتجاوزات الضوئية التابعة لمعايير الألوان الداكنة وللظل. وإن ضمن نسب معينة يوزعها ليترك المشهد في اللوحة ضمن زوايا مؤطرة بالألوان، ورمزيتها الملحمية المتجددة بالمعطيات، لخضوع الشكل في خدمة المعنى اللوني وحركته المتناقضة بين البارد والحار، بوصفه يرتبط بالمكونات ومضامينها ذات البنية الإنسانية الموسومة بالمنطق الفني وغاياته، بل وأبعاده الاجتماعية والسياسية والفنية.
يدرك الفنان حسين حسين احتياجات اللوحة التي تحاكي الفكر بصريًا ضمن الأطر الفنية الحاضنة للمعايير والمقاييس، وبدرجات تتحد فيها التجانسات والتباينات، والتآلف الإيقاعي في ضبط التقاسيم البسيطة في اللوحة كالخطوط الدقيقة ومزجها بطبقات الألوان لإظهار العنف المبطن في الحروب التي يشنها الإنسان نفسه على أخيه الإنسان، وإن ضمن الصراع في المجتمعات البشرية. ليرصد الحركة بتعبير عن واقع حفظ من خلاله تأجج الألوان وخفوتها ليرمز إلى التفاوت في الصراع بين فترة وأخرى.
تفاعل موضوعي في رمزيات جمعها ليشير إلى المؤثرات النفسية الناتجة عن صراعات تخضع إلى دقة ملاحظة تنقشها الذاكرة كردة فعل سلبية على الحدث الذي يرسمه بتفصيل فني يستقطب مفاهيم البعد عن التعصب، وشفافية الحس الحياتي المتطلع إلى الصفاء والسلام، وبترسيخ فني يساعد على إبراز جمالية اللوحة بإطلاق الرموز الغنية بالقيم التشكيلية القادرة على المحاكاة وفق نغمات اللون المتضمن فقر الواقع للسلام.
يؤدي مفهوم الإنسانية في أعمال الفنان حسين حسين إلى مراعاة الصيغ الرمزية المؤدية إلى نسج الشكل والمضمون تبعًا للأسلوب المؤاتي إلى إسقاطات تترجم المسرى المرتبط بالصراعات، ونتائجها المتوافقة مع المبنى والمعنى. ودينامية الريشة العاكسة للمجتمع الذي يتجسد في النظم الوظيفية المتمسك بها في تشكيل لوحاته ذهنيًا، لتعصف بالتخيلات وبالتداخلات التي تطغى على الخوف والحزن والمعاناة، ليستكمل الوجود الإنساني ببعض الألوان المغموسة بالضوء تاركًا فسحة من الأمل في لوحات ذات منطق حياتي يعالج من خلالها قضايا الخير والشر، وإن بملحمية الجراح والإمكانيات الإنسانية المرتبطة بالمكان وإشكالية الخوف من الرحيل والخراب والدمار والقلق والتشظي وما إلى ذلك.
تهدف لوحات الفنان حسين حسين إلى خلق الحدس المتعاطف مع دهشة الأشكال التي يختزلها في مساحات يعيد إليها الأصالة الفنية بتأصيل الوجود الإنساني وإغناء التقنية بالحركة اللونية والوعي المتمثل بالفكرة التي ينطلق منها في كل لوحة من لوحاته، إن من حيث العاطفة والوجدانية الغارقة بالتأملات والتبسيط بالعناصر والمساحات التي تشكل نمطية الصراعات عبر الزمن في أماكن تتمزق أكثر من الإنسان الذي يتواجد في متاهة لوحة تكاد تئن من جدليات الحروب ومؤثراتها على البشر والحجر، أو إن من حيث الفن التشكيلي وقدرته في فرض هوية الإنسان وإشكالية الصراع.
يُظهر أن الفنان حسين حسين يخلق تأثيرًا بصريًا عميقًا ومؤثرًا من خلال استخدام الألوان والرموز بشكل قوي. يبدو أن كل لوحة هي تعبير حي عن معاناة الإنسانية وصراعاتها، مما يترك انطباعًا قويًا لدى المتلقي. يتجلى هذا الانطباع من خلال تفاعل الألوان والمشاهد التي تحاكي الواقع المعقد، حيث تبدو اللوحات كمرآة تعكس الألم والصراع الداخلي والخارجي للإنسان.
كما يركز على كيفية استخدام الفنان حسين حسين العناصر التشكيلية للتعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية. اللوحات تمزج بين الرمزية والواقعية لتسليط الضوء على الصراعات والحروب، موفرة نظرة نقدية حول تأثيرات هذه الصراعات على الإنسان والمجتمع. باستخدام تقنيات التظليل والألوان المتضادة، يعكس الفنان تعقيد الواقع ويبرز المفارقات بين الأمل واليأس، والإنسانية والوحشية.
كما يظهر كيف أن أعمال حسين حسين تتناول الجانب العاطفي والنفسي للإنسان. استخدام الألوان الداكنة والأشكال المتداخلة يخلق حالة من التوتر والقلق التي تتناغم مع مشاعر المشاهد. الألوان والتجسيدات البصرية تعمل على استثارة الأحاسيس العميقة، مما يجعل المتلقي يشعر بالألم والمعاناة، ويحفز تأملاته الخاصة حول معنى الحياة والوجود.
يكشف عن مهارة الفنان في توظيف الألوان والخطوط لتكوين إيقاع بصري يوجه الانتباه نحو الصراعات الإنسانية والتعبيرات العاطفية. الأساليب التشكيلية التي يستخدمها حسين حسين، مثل التباين بين الألوان الحارة والباردة، ودمج الأشكال، تُبرز جوانب فنية متقنة تعكس تفاعلات الإنسان مع بيئته وظروفه. اللوحات تقدم استراتيجيات فنية مبتكرة تجعل المشاهد يغمرك في تفاصيل العمل ويشعر بواقعية التجربة.
يسلط الضوء على الجماليات التي يبرزها حسين حسين من خلال أعماله. بالرغم من كون الموضوعات محملة بالألم والمعاناة، فإن التكوينات الفنية، مثل تنوع الألوان والتوازن بين الضوء والظل، تخلق جمالًا بصريًا يتجاوز الأزمات الظاهرة. هذا الجمال يتجسد في كيفية تقديم الألوان والرموز، مما يخلق تجربة بصرية ممتعة وجذابة تدمج بين القيم الجمالية والإنسانية.
إذ يركز على حركة الألوان والخطوط في اللوحات وكيفية تفاعلها لتشكيل إيقاع بصري متسق. يخلق الفنان حسين حسين إيقاعًا بصريًا من خلال استخدام تباين الألوان والأنسجة والتكرار البصري. الألوان المتباينة والخطوط المتداخلة تساهم في خلق حركة مرئية تشد انتباه المشاهد وتعزز تجربة استكشاف العمل الفني. هذا الإيقاع البصري يسهم في تعزيز تأثير الرسالة الإنسانية ويعزز الوعي بمضمون اللوحة.
يتضح في نهاية كل هذا أن أعمال حسين حسين تقدم تجربة بصرية معقدة ومتعددة الأبعاد. يجمع بين التقنيات الفنية المتطورة والمفاهيم الإنسانية العميقة، مما يجعل كل لوحة ليست مجرد عمل فني بل تجربة تأملية تعكس جوانب متعددة من الصراع الإنساني وجماليات الفن التشكيلي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol
اللوحة من مجموعة متحف فرحات