رؤية حضارية الأبعاد فنيا
ضحى عبدالرؤوف المل
فرضت الفنانة "كاتي بترسون" (Katie Paterson) نوعاً من التصادم بين الطبيعة والإنسان، وقدرتها على تأليف هندسي يتواءم مع عناصر الطبيعة التي تدهش الإنسان بما يكفي لتكون نموذجاً لرؤى الفنانة كاتي الهندسية المتسلسلة مع التصميم وأهميته. يتكون هذا العمل الفني التركيبي من عدد من القطع الخشبية التي تهدف إلى تحديد النسبية في كل بناء هندسي جمالي، من خلال تجزئة القطع إلى مقاسات وأحجام مختلفة، لتمنح الضوء موسيقاه التي تعزف بين الفراغات العالية، المتسعة الآفاق، والانفتاحية في مقاساتها المختلفة، كالجرس المعلق أو كمنحوتات تهدف إلى خلق دهشة بصرية توازي ما تصنعه الطبيعة، بمجهود أكبر من حيث الشكل والمضمون. تعكس هذه القطع القديمة والجديدة أو لغة الكهوف قديماً عبر قطع الأخشاب الصغيرة التي شكلت منها موشحات هندسية لها خطوطها وأحجامها، وتأثيراتها الإيجابية على من يتأملها من الداخل. فهي تقدم تأليفاً للأشكال المركبة لتكون بذلك قد انتفضت على التطور الحضاري.
تساعد الحركة التلقائية البصرية في إظهار حيوية القطع الخشبية، وأسلوبها في البناء وتشكلاته الدقيقة التي تكشف عن نحت تركيبي معقد فكرياً، لأن النماذج الفنية تدفع المتلقي إلى التأثر بهذا الكم من الألوان، وحبكتها الداخلية المنسجمة طبيعياً مع ما يتناسب مع طبيعة المادة وتأثرها بالبيئة الطبيعية من حولها. وكأنها جمعت خبرات الحضارات وتجارب القبائل والشعوب في صنع مساكنها، لترتبط الهندسة المعمارية بالقديم والجديد من خلال تحديث العمل وجعله أكثر التصاقاً بالطبيعة والإنسان.
يستحضر النمو التاريخي والفني للشكل الهندسي جمالية بصرية تهز المشاعر، وتقبض على الوجد، وتبعث على النشاط الفكري، وكأن عملها التركيبي هذا ليس سوى تراكمات لخبرات الإنسان في صنع مسكنه وتطوره عبر الحياة وأجيالها العديدة. فهل تعيدنا "كاتي بترسون" إلى الحداثة الهندسية بتصميمها الهندسي وقطعها الخشبية النابعة من رؤية دينامية تضيف عمقاً ومخزناً جمالياً على الأعمال الفنية حول العالم؟ وبأساليب إبداعية لا يمكن إلا وصفها بالعبقرية الهندسية في صنع الجمال وتحدي الإنسان للطبيعة.
تتجاوز الفنانة "كاتي بترسون" أطر الجماد في النحت لتمنح رؤية الخشب للكتلة برمتها، تاركةً للضوء أن يرسم رحلته عبر حركة الشمس التي تنبثق من الأعلى، لتكون مع الظل كالمحاكاة الموسيقية للبصر، بفلسفة نحتية تترسخ في الانفعالات الذهنية المتصارعة مع خطوط الطول والعرض، الناتجة عن تركيب قطع خشبية مستطيلة ومربعة ودائرية، وما إلى ذلك. لتحمل كل حركة ضوئية أبعاداً فنية جديدة يكتشفها المتلقي تبعاً لحاسيسه البصرية والمعطيات الناتجة عن عملية رياضية بحتة وبعيداً عن الخيال الوهمي، وإنما بخيال هندسي مبني على مجموع الأرقام مع المقاسات وتماسك البناء من الداخل. لينعكس ذلك على الخارج ومقاومته للوزن من خلال الفراغات وتناسبها مع الكتلة كاملة، أي العمل التركيبي برمته، طوله وعرضه ووزنه وفراغاته، وكأن الشكل خرج من اللاوعي إلى الطبيعة وجمالها، بدقة حسابية ذات إيقاع حسي مميز في تكوين الشكل التركيبي الذي حبكته "كاتي بترسون"، وكأنه خرج من الحكايات والأساطير القديمة ويوحي بجمالية تجمع الأبنية الحديثة مستقبلاً.
استطاعت الفنانة "كاتي بترسون" توظيف العدد في خدمة البناء والاكتفاء باختلاف الأحجام وتآخيها، أي ائتلاف المستطيل والمربع والدائرة والأشكال الأخرى مع الارتفاع والعرض، ونقطة الارتكاز الأساسية للضوء وحركته. لتجمع بذلك فن المغاور الطبيعية مع هندسة الأبنية، وتمسك يد الإنسان الحضارات كافة في تصميم كوني مصغر يستدعي بحق استخراج ماهيته. ليكون مدينة حديثة تجمع في رمزيتها قوة الحياة وتماسك الإنسان، وخصوبة الضوء وقدرة الطبيعة على منح الإنسان المادة الأساسية التي تخدمه في إنشاء تصاميمه، وخروجها الذي يجتاح البصر بتنوعه واختلافه وانسجامه وتناغمه، والأهم بهندسته وعدد القطع الخشبية المذهل الذي يتألف منها، وبتوليف يجمع عدة حضارات. فهل برزت الرؤية الهندسية القادمة من هذا العمل الفني المركب؟
يترك العمل الفني للفنانة "كاتي بترسون" انطباعاً قوياً بصفته مشهدًا بصريًا معقدًا وجذابًا. يتسم العمل بأصالة كبيرة من خلال دمج قطع خشبية بأحجام ومقاسات متنوعة، مما يخلق تبايناً لافتاً يتجلى في تفاعل الضوء مع الظلال. يتناغم هذا التأثير مع الفكرة الكامنة وراء العمل، مما يمنح المشاهد شعوراً بالدهشة والإعجاب. يعتبر العمل الفني تركيباً هندسياً متقناً يستخدم العناصر الطبيعية والخشبية لتأليف مشهد بصري معقد. يعكس التصميم الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في كيفية توزيع الضوء وتفاعل الظلال، مما يخلق إيقاعًا بصريًا مميزًا. الهدف من العمل هو استكشاف العلاقة بين الطبيعة والإنسان من خلال الأشكال الهندسية والخطوط، وتحقيق تناغم بين المواد الطبيعية والتقنيات الفنية الحديثة.
يثير العمل الفني مشاعر مختلفة تعتمد على استجابة كل مشاهد. يمكن أن يشعر البعض بالإلهام والتفكير العميق بفضل التوازن بين الأشكال والأحجام والتباين بين الضوء والظل. بينما قد يشعر آخرون بالقلق أو الارتباك بسبب التعقيد البصري الذي يقدمه التصميم. تعمل القطع الخشبية بمقاساتها وأشكالها المختلفة على إثارة التأمل والتفكير في تنوع الطبيعة وعلاقتها بالتصميم الهندسي.
يتميز العمل بتقنيات نحتية متقدمة واهتمام كبير بالتركيب. يمكن ملاحظة دقة في العمل، حيث تم اختيار الأشكال والأحجام بعناية لتكمل بعضها البعض وتخلق تأثيرًا بصريًا غنيًا. استخدام الألوان والضوء بشكل مبتكر يعزز من عمق العمل ويضيف إلى بُعده الجمالي. التنقل بين الأشكال المختلفة والخطوط المنحنية والمستقيمة يساهم في خلق حركة بصرية تحاكي الإيقاع وتدعو المشاهد إلى الاستكشاف والتمعن.
تتمتع أعمالها بجمالية متجددة تنبثق من تفاعل العناصر المختلفة. يشكل التنوع في الأحجام والأشكال والخطوط نسقًا إيقاعيًا يعزز من جاذبية العمل. إيقاع الضوء والظل المتغير يمنح العمل ديناميكية بصرية تعزز من تجاربه الجمالية. بينما تتناغم الألوان والظلال مع تباين الأشكال الخشبية، يمكن للمشاهد أن يشعر بالإيقاع الذي يخلقه التفاعل بين هذه العناصر. يُعَدُ العمل مثالاً بارزاً على كيفية استخدام العناصر البصرية لخلق تجربة جمالية غنية ومعقدة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.om