الخصائص الفنية ومقاربة جماليتها العلائقية

ضحى عبدالرؤوف المل

ترتسم العلاقة الجمالية في أعمال الفنان الفرنسي "يان ديموجيه" (Yann Dumoget) في الفن الأدائي ووظيفته الخيالية، التي تتناقض تمامًا مع الأسلوب الفوتوغرافي والتشكيلي، ويمزج بينهما بأسلوب يندمج مع الغموض الموحي. إلا أن النقطة الأساسية التي تجمع بينهما هي قوة الألوان وأبعادها المتغيرة من النفسي إلى الواقعي والمادي، أو بالأحرى تحقيق الأحلام المستحيلة بالإبحار بمواضيع متنوعة نحو ضفة أخرى من الوعي المختلف، مثل الانتقال من الوعي إلى اللاوعي والعكس. إذ لا يمكن اختزال الصورة وتحويلها إلى قطعة فنية ذات أثر جمالي دون اللجوء إلى حلم الطفولة الذي ينظمه يان كلعبة المهاجر التي يمارسها الأطفال بصنع الزوارق النباتية أو الورقية وتركها في الماء لتغرق بعد برهة. فتتكون العلاقة بين الهجرة والحلم عبر التجاوز عن التصور المسبق للبقاء والرحيل، أو للموت والحياة، والجمال المحافظ على استمرارية الأجيال ضمن العلاقة مع البيئة والتصالح معها دون كبت وظيفي للخيال الفني الذي ينشده الفنان يان، ويحبكه مع المنطق الاختزالي للفن بحركته وسكونه، وميوله الخفية في الكشف عن مصطلحات فنية يتوارثها الأجيال عبر الحلم نفسه في كل مرحلة من مراحل الإنسان، التي تجسد المحاكاة للأحداث التي تجري حولنا بجماليات الفن، متجاوزًا بذلك المتناقضات وهيكلية مفارقاتها وقوة امتلاكها للخصائص الفنية ومقاربة جماليتها العلائقية التي اتخذ منها يان فلسفته الفنية.

يطفو قشر الجوز على أسطح الماء مع النباتات كزوارق أو كأشرعة تحمل في طياتها معنى الهجرة والرحيل، لتنعكس الحركة مع اتجاهات العدسة وحركتها الضوئية. إضافة إلى الأسلوب الإخراجي لصورة هي لوحة بمقاييس بصرية ذات إشكالية تجمع بين الهجرة الطبيعية والهجرة التي تفاجئ الإنسان من جيل إلى جيل، ليوقظ "يان ديموجيه" (Yann Dumoget) بمعرضه التحديات الفلسفية الناتجة عن جميع أنواع الحركة الإنسانية برمزيتها وموضوعيتها وذاتها، وصولاً إلى الطبيعة وردود فعلها التي تنتسب إلى المادة والحركة ومقاييس الحركة، والقدرة على البقاء في بيئة تحتضن النوع الملامس لبيئتها. فهل يحاول التقاط تفاصيل الحركة الإنسانية برمزية فنية لها جماليتها الخاصة من حيث شدة اللون والسطوع والانعكاس، والتباعد بين المسافات؟ لتكون الصورة، أو بالأحرى اللوحة الطبيعية، ملتقطة بشدة بصرية ذات أبعاد متغيرة ومفاهيم فلسفية تصويرية تحاكي هموم الإنسان من خلال الطبيعة البكر، وعودة الإنسان إلى الطفولة، أو بالأحرى العودة إلى بدايات الفطرة التلقائية لانعكاسات الحياة التي بدأت تخسر الكثير في ظل المشاكل البيئية التي بدأت تهددها، كما تهدد الهجرة الإنسان الذي يطفو على الماء باستسلام لا تحمد عقباه.

غموض يكتنف الشراع المحمل بثمار وأوراق نبتة خضراء أو صفراء كمفردات بصرية تستقر في الذهن. إلا أنها تتخذ اتجاهات مختلفة من المعنى التصويري المتعلق جدليًا بالفن واللون ومؤثراته عبر المقاييس المفتوحة على عدة تأويلات. فهل تحاول زوارق الفنان "يان ديموجيه" البحث عن أماكن أفضل؟ أم أنها سريعة الغرق ولا تتحمل معادلة الرحيل والعودة أو الهجرة إلى حيث المجهول؟ أم أن زوارقه هي الأجيال والفصول والاختلاف، ليبحث عن التأقلم مع كينونة الحياة من خلال الطبيعة وما تحمله في جعبتها من جمال ورومانسية؟ أم أن عدسته تحاول البحث عن الحياة الأفضل للإنسان في ظل مفاهيم الاستقرار بالعودة إلى مراقبة الحركة المجهولة لزوارقه المؤلفة من قشر الجوز وأوراق النباتات العديدة، في طبيعة حملتها الصور المختزنة بالأحاسيس الإنسانية وبالجمال الفوتوغرافي ومؤثراته الذهنية البعيدة عن الاغتراب والملامسة للطبيعة وللثبات في أماكن تترجم أهمية كل جيل في منح طبيعة يسكنها الجمال والصفاء؟

يتسم عمل الفنان الفرنسي "يان ديموجيه" بطابع بصري يثير تأملات متعددة، حيث يخلق توازنًا بين التباين والتكامل. تأخذ اللوحات طابعًا غامضًا يمزج بين الغموض والوضوح، مما يثير شعورًا بالدهشة والتساؤل. الإيقاع البصري يظهر بشكل لافت من خلال الألوان المتنوعة التي تتحرك وتغيرت بين حالات نفسية وواقعية، مما يجعل المشاهد يتفاعل بشكل عميق مع العمل، ويشعر وكأنه يبحر في عوالم مختلفة.

من خلال التفاعل بين الأساليب الفنية، يبرز تمازج الفن الأدائي والفوتوغرافي والتشكيلي بأسلوب يدمج بين الحركتين والجمود، وبين الغموض والوضوح. الفنان يركز على موضوعات الهجرة والحلم، ويستخدم الألوان والأشكال لتجسيد هذه المفاهيم، مما يخلق إيقاعًا بصريًّا يعكس التغيرات والتناقضات في التجربة الإنسانية. الإيقاع في العمل ينشأ من التباين بين الألوان والأنماط، ويتجلى في الحركة البصرية التي تنقل مشاعر الانتقال والتحول.

يوفر العمل تجربة نفسية مليئة بالتناقضات، حيث يعكس الانتقال من الوعي إلى اللاوعي، ومن الحلم إلى الواقع. الألوان القوية والأشكال المتغيرة تثير مشاعر مختلطة من الغموض والتشويق. يُشعر المشاهد بتجربة عاطفية تتراوح بين الإلهام والحنين، مما يجعله يواجه مفاهيم مثل الهجرة والرحيل، وبالتالي يتفاعل مع مشاعره الداخلية وتجاربه الشخصية بطريقة غير مباشرة ولكن مؤثرة.

تتميزأعماله بتقنيات متقنة تدمج بين الأساليب المختلفة لخلق إيقاع بصري متنوع. الألوان القوية والتفاصيل الدقيقة تعزز من التباين بين العناصر المختلفة، بينما يساهم التوزيع البصري في خلق حركة متناغمة ومثيرة. إيقاع اللوحة يتجلى في التلاعب بالألوان والأشكال، مما يضيف عمقًا وتجريدًا للعمل. يُظهر الفنان مهارة عالية في تنسيق العناصر البصرية لخلق تجربة بصرية غنية ومتكاملة.

جماليات أعماله ترتكز على الاستخدام المبتكر للألوان والأشكال، حيث يجسد جماليات الطبيعة والخيال من خلال إيقاع بصري متغير. الألوان المتباينة تخلق توازنًا ديناميكيًّا، بينما الأشكال والأحجام تمنح العمل بعدًا جماليًّا يتسم بالروحانية والعمق. يُعزز الإيقاع البصري من تأثير العمل، مما يجعل التجربة الجمالية شاملة ومؤثرة، ويتيح للمشاهد الانغماس في عالم بصري مليء بالتفاصيل والتناقضات الجمالية.

يستعرض "يان ديموجيه" بأسلوبه الفني المميز تمازجًا متقنًا بين الفن الأدائي والفوتوغرافي والتشكيلي، حيث يتجلى في أعماله إبداع فريد يعكس مهارة عالية في دمج هذه الأساليب المختلفة. يجسد الفنان قدرته على خلق توازن بصري دقيق بين الحركة والجمود، مما يضفي على عمله بُعدًا من الغموض والتشويق. الألوان المتباينة، التي تتراوح بين القوة والتدرج، تعزز من الإيقاع البصري وتساعد في بناء تفاعل عاطفي عميق مع المشاهد.

تتسم أعمال "ديموجيه" بطابع رمزي عميق يعبر عن مفاهيم مثل الهجرة، الحلم، والانتقال بين الوعي واللاوعي. استخدامه للألوان القوية والأشكال المتغيرة يعكس الصراع الداخلي والانتقال بين حالات نفسية وواقعية، مما يوفر للمشاهد فرصة للتأمل في التجربة الإنسانية عبر عدسة فنية مبتكرة. التوظيف الرمزي لقشر الجوز والزوارق الورقية يعزز من التأثير العاطفي للعمل ويعبر عن المفاهيم المتعلقة بالانتقال والرحيل بطريقة بصرية مؤثرة.

االأعمال الفنية لـ "ديموجيه" يتميز بإيقاع بصري مميز يعكس حركة ديناميكية مع الحفاظ على توازن وتنسيق بصري. تداخل الألوان والأشكال يخلق إيقاعًا معقدًا، حيث ينشأ تفاعل بين الحركة والثبات، مما يساهم في خلق تجربة بصرية متميزة. الألوان المشرقة والقوية تتناغم مع العناصر التشكيلية لتشكيل صورة تعبر عن تنوع التجربة الإنسانية وتحاكي التغيرات في الوعي والشعور.

جماليات أعماله "ديموجيه" تعكس قدرة فنية استثنائية في استخدام الألوان والأشكال لخلق تأثيرات بصرية وجمالية مؤثرة. التباين بين الألوان والأنماط يخلق جاذبية بصرية قوية، ويعزز من عمق العمل وتعقيده. يشكل الإيقاع البصري في أعماله تعبيرًا عن جماليات الفن التي تمتزج مع تعبيرات نفسية وفلسفية، مما يجعل التجربة الجمالية شاملة وغامرة.

تتسم أعمال "ديموجيه" بقدرتها على إثارة التأمل والتفكير العميق، حيث تترك المشاهد أمام تجربة فنية غنية بالتفاصيل والمعاني. الإيقاع البصري الذي يخلقه يساهم في جذب الانتباه ويحفز المشاعر، مما يتيح للمشاهد التفاعل مع العمل على مستويات متعددة. يُظهر الفنان قدرة فنية على استخدام الوسائط المختلفة لتشكيل تجربة بصرية تجمع بين الجمال، الرمز، والحركة.

تُعَد أعمال "يان ديموجيه" مثالًا بارزًا على قدرة الفن على دمج الأساليب المختلفة لخلق تجارب بصرية متكاملة وعميقة. ينجح الفنان في تقديم تجربة فنية تجمع بين الجماليات المعقدة والرمزية العميقة، مما يبرز إبداعه في استخدام الألوان والأشكال لخلق تأثير بصري مؤثر. تتيح الأعمال للمشاهد استكشاف تجارب نفسية وفلسفية من خلال إيقاع بصري متنوع، مما يجعلها مساهمًا بارزًا في عالم الفن المعاصر.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol