فكرة الأصالة العربية في فن التصوير الفوتوغرافي

ضحى عبدالرؤوف المل

يتصل الفكر التصويري بموضوعية الفكرة في الصورة الفنية التي ربطها المصور الفوتوغرافي السعودي "وائل السليماني" معتمدًا على الدمج والتركيب، لتشكيل نواة العدسة العربية في الانطلاقة المعاصرة من الواقع الذي يشكل مواضيع مختلفة في هوية واحدة، وهي معالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والفنية بالصورة. وما تشكله من انعكاس لأفكار يبثها الأوجاع والحلول برمزية غالبًا وبواقعية أحيانًا. إذ تغزو مجموعة صوره الفوتوغرافية عدة ثقافات تجعل المتلقي يقف حائرًا أمام العناوين التي يضعها بين هلالين، لأنها توحي بالكثير من المشكلات التي نعاني منها حاليًا والتي تتأصل في تاريخنا العربي. إلا أن الهالة الكبرى التي تظلل أعماله هي الأصالة العربية في فن التصوير الفوتوغرافي وأسلوب الدمج بين القديم والمعاصر من خلال عدسة تتطلع إلى خلق نوعية معينة من الصورة الفوتوغرافية الإبداعية، وتطلعاتها لمخاطبة الفكر بالفكرة نفسها التي يغلفها بصريًا بتقنية تحمل من القيم الاجتماعية بعض التخصيص البصري. إذ تتفاعل الحواس مع الشماغ العربي وما يطرحه من خلاله في مجموعة تعنى بالفكر العربي وهمومه، والتمسك بجذوره وثقافاته والانعكاسات الغربية عليه. فهل يمكن تصنيف مجموعاته بالفكرة وتبعا لمخزونها الاجتماعي أو السياسي؟ أم بما تطرحه الفكرة من جمالية المضمون وانعكاساته على المتلقي؟

يعتمد المصور "وائل السليماني" على ازدواجية في الدمج والتركيب أو معالجة الصورة الفنية لإخراجها سينوغرافيًا ضمن الفكرة، كذلك أيضًا في الصورة الطبيعية التي تنتمي إلى الواقعية بتقنية يمنحها المقاسات الصحيحة أحيانًا، وأحيانًا أخرى يتركها لمزاجية العين والعدسة بتطلعات ضوئية جمالية في كلتا الحالتين. إلا أن أبرزها هي تلك الصورة المحملة بالفكرة ومخزونها الفني الذي يرتسم بين الأطُر والمعايير وظروف التقاطها وحيثياتها الفنية بتكامل نوعي يهدف إلى خلق استنتاجات ضوئية تتخزن كمية كبيرة من المعالجات الإلكترونية أحيانًا وأيضًا على قوة العدسة في اختيار التفاصيل الاستثنائية التي تخدم الفكرة التصويرية الصحافية للولوج إلى لب المشكلات وهواجسها، فضلًا عن محاكاتها البصرية لشريحة من المتذوقين لهذا الفن مع المتذوق العام.

يؤلف المصور "وائل السليماني" أيديولوجيات تشكل كل منها تساؤلات تعصف بالفكر، ليدرك كنه المجتمع الذي خرجت منه الصورة الصحافية. ولا أعرف إن كانت هذه الصفة تحدد نوعيتها. إذ تشكل الصورة النص البصري الأساسي والمقروء بحس تصويري جمالي يعتمد على الواقعية والرمزية، وتمتلك فاعلية عربية ذات خاصية عميقة عربيًا خاصة بالمفاهيم والاتجاهات من خلال النسق الفكرية القائمة على المؤثرات النفسية التي يعتمدها بصريًا في نقل الصورة من حيز العدسة إلى حيز الإخراج، وعناصره التي تحقق الرمزية في التعبير، كمجموعة الشماغ ودائريته التي حافظ عليها، لتكون انطلاقة في التعبير الرمزي من خلال الصورة الضوئية أو خلق محسوسات لابتكارات تحمل القيم والأصالة، وإشارات مخفية في صورة تحمل عدة إيحاءات، ليستنبطها المتلقي بعدة مفاهيم جمالية. إلا أنها تحمل فكرة واحدة في كل مجموعة، اجتماعية كانت أو سياسية، منتقلًا من اللقطة الحقيقية وتحويلها إلى موضوع ذي أهمية نحو التفاعل الفني المعتمد أولًا على الخبر البصري أو الصحفي أيضًا.

تأخذ تجربة المصور الفوتوغرافي السعودي "وائل السليماني" مكانتها المتميزة ضمن الساحة الفنية ليس فقط من خلال أسلوبه الفريد في الدمج والتركيب، ولكن أيضًا من خلال رؤيته العميقة للأصالة العربية وكيفية التعبير عنها بصريًا. إن أعمال السليماني ليست مجرد صور فوتوغرافية، بل هي تجسيد حقيقي لفكر فلسفي يجمع بين الماضي والحاضر في قالب بصري مبتكر.

من خلال تقنيات الدمج والتركيب التي يعتمدها، ينجح السليماني في تحويل الصورة الفوتوغرافية إلى تجربة بصرية تثير تفكير المتلقي وتعزز فهمه للموضوعات المطروحة. تمتاز صوره بالقدرة على دمج عناصر من التراث العربي مع الأساليب الحديثة، مما يخلق نوعًا من الحوار بين الأصالة والمعاصرة. هذه الاستراتيجية تمكنه من تقديم نقد اجتماعي وثقافي يتجاوز السطحيات ويغوص في أعماق المشكلات والهموم التي يعاني منها المجتمع العربي.

تستفيد أعمال السليماني من الرمزية المتعمقة التي تضيف طبقات متعددة من المعنى إلى صوره. فالشَماغ العربي، الذي يظهر بشكل متكرر في أعماله، ليس مجرد عنصر زخرفي، بل هو رمز قوي يعكس الهوية الثقافية والتقاليد الاجتماعية. من خلاله، يعبر السليماني عن التمسك بالتراث العربي والتأكيد على قيمه في مواجهة التحديات المعاصرة. هذا الاستخدام الرمزي يعزز قدرة صوره على الإقناع ويضيف بُعدًا دراميًا يمكن للمتلقي أن يتفاعل معه على مستويات متعددة.

يبرز تأثير السليماني أيضًا من خلال القدرة على تحريك المتلقي من خلال تفاصيل الصورة ومقوماتها البصرية. إن انتقاء التفاصيل والتعامل مع الإضاءة والظلال لا يقتصران على تعزيز الجماليات بل يخدمان أيضًا الأبعاد الفكرية للعمل. تقنيات المعالجة الرقمية التي يستخدمها السليماني تساهم في إبراز جماليات الصور وتوضيح رسائلها الرمزية، مما يجعل كل صورة تجسيدًا فنيًا فريدًا يحمل بين ثناياه تعبيرًا حقيقيًا عن القضايا المطروحة.

في النهاية، يمكن القول إن أعمال "وائل السليماني" تمثل نقطة تحول هامة في فن التصوير الفوتوغرافي العربي. فهو لا يكتفي بإعادة تصوير الواقع بل يسعى إلى إعادة تفسيره بطرق تتفاعل مع المتلقي على مستويات متعددة. إن إسهاماته تسهم في تشكيل نظرة جديدة للتصوير الفوتوغرافي كأداة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، مما يبرز قدرته على الجمع بين الأصالة والتجديد. من خلال العمل على خلق صور تعكس عمق الأفكار وتدعو للتفكير، يضع السليماني بصمته بوضوح في مجال الفن الفوتوغرافي، مؤكدًا أن التصوير يمكن أن يكون أداة قوية للتغيير والتعبير عن الهوية الثقافية.

في رؤية أخرى وأنا أجهز هذا المقال ليكون ضمن سلسلة انتباهات فن التشكيل التي تصدر عن دار الجندي مصر استرسلت في رؤية تحديثية

من خلال النظر إلى أعمال "وائل السليماني"، يشعر المتلقي بأثر قوي يتركه هذا الفنان على الحواس والمشاعر. تندمج كل صورة ضمن سياقها الثقافي والتاريخي لتخلق تجربة بصرية تحمل مشاعر وأحاسيس متعددة. الصور التي يقدمها تنبض بالحياة وتعكس تجسيدًا حقيقيًا لمواضيع اجتماعية وسياسية هامة، مما يخلق انطباعًا عميقًا عن الواقع الذي يعيشه المجتمع العربي. تتسم أعماله بقدرتها على جذب الانتباه بسرعة وتحفيز التفكير، حيث تُشعر المتلقي بوجود رسالة قوية وراء كل لقطة، مما يجعلها أكثر من مجرد مشاهد بصرية، بل تجربة عاطفية وذهنية.

يمكن القول إن "وائل السليماني" يتناول قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية معقدة من خلال عدسته. تركز أعماله على تصوير التباين بين الأصالة والمعاصرة، وهو ما يظهر بوضوح في استخدامه للرموز التقليدية مثل الشماغ العربي ودمجها بأساليب تصويرية حديثة. هذه المواضيع ليست مجرد تفسيرات سطحية بل تُعالج بعمق وبحث مستمر في جذور المشاكل وتداعياتها على المجتمع. يُعزز هذا التحليل الموضوعي من فهم الصورة كوسيلة لإيصال رسائل ذات مغزى ويعكس قدرة المصور على التعامل مع قضايا تتطلب حساسية كبيرة ووعي عميق.

تنطوي أعمال السليماني على تعبيرات عن الصراعات الداخلية والتوترات الاجتماعية التي قد يشعر بها الأفراد في المجتمع. التصوير ليس مجرد تصوير للواقع الخارجي، بل هو أيضًا نافذة إلى الوعي الجمعي ومشاعر الأفراد. يظهر في أعماله القدرة على استكشاف الجوانب النفسية المعقدة من خلال الرمزية والبُعد العاطفي، مما يجعل المتلقي يتفاعل ليس فقط على مستوى بصري، بل أيضًا على مستوى عاطفي ونفسي. الطريقة التي يُعالج بها المشهد وتفاصيله تعكس صراعًا داخليًا وتجربة إنسانية غنية، مما يتيح للمتلقي فرصة للتأمل والتفكير في تجاربه الخاصة ومشاعره.

يمتاز عمل "وائل السليماني" بالتقنيات المتطورة في التصوير الفوتوغرافي مثل الدمج والتركيب، التي تُستخدم لخلق تأثيرات بصرية متميزة. يتميز بأسلوبه في استخدام الإضاءة والظلال لتسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة وتدعيم الرسائل البصرية. يجمع بين تقنيات التصوير التقليدية والحديثة، مما يسمح له بإنشاء أعمال تجمع بين الأصالة والتجديد. تُعزز هذه التقنيات من قوة الرسائل التي يحملها العمل الفني وتساهم في تحقيق التوازن بين الجمالية والوظيفية، مما يبرز براعة السليماني كفنان فوتوغرافي.

تنفرد أعمال السليماني بجمالياتها المتنوعة التي تستند إلى فهم عميق للتكوين والتفاصيل. تتناغم الألوان والخطوط والظلال في صوره لتخلق تناغمًا بصريًا يعزز من تأثير العمل الفني. تبرز الصور بتفاصيلها الدقيقة والتقنيات المستخدمة، مما يجعل كل صورة لوحة فنية تعكس ذوقًا رفيعًا وحساسية فنية. الجمالية في أعمال السليماني ليست مجرد جمال سطحي بل تعبر عن انسجام بين العناصر الفنية والتعبيرية، مما يجعل كل عمل يروي قصة بصرية متميزة تحفز العين والعقل على حد سواء.

Doha El Mol