عبقرية النقد الأدبي
قراءة في كتاب "مراصد النقد الأدبي" للدكتور ياسين الأيوبي
ضحى عبدالرؤوف المل
يتذوق القارئ كتاب "مراصد النقد الأدبي" الصادر عن "المؤسسة الحديثة للكتاب" مفاهيم النقد بأشكاله وأبعاده، وشرحه المبصر لقطوف دانية من روضات القلم النقدي القادر على الإحاطة بتقنية النقد الممتزج بجمالية الرؤية الأدبية والفنية، وتشعباتها الكلاسيكية والحديثة بأسلوب أكاديمي تذوقي دون مهادنة أو مبالغة، بل بالتغلغل إلى العمق اللغوي ليدرك القارئ الجانب النفسي منه والأدبي، والاتجاهات لكل حبكة قصيدة أو قصة أو رواية أو حتى آية من الآيات المبصرات التي جعلها كالضوء الفكري الذي يحمله بكيانه النقدي، وحسه الأدبي الائتلافي المندمج مع استخراج المتضادات والتناقضات والتناغمات الكلامية، وما إلى ذلك لاستكمال فكرة أهمية الخلق الفني في كتاب هو بمثابة مرجع نقدي مهم لكل من تسول له نفسه ممارسة التذوق الأدبي كتابة أو نقداً أو تحليلاً، أو حتى للباحث عن أبعاد اللغة في الكتابة وميادينها المختلفة في كل المواضيع التي تنشط في كتابه، الذي يمكن تسميته "عبقرية النقد الأدبي بين التذوق والقيود التلقائية للخلق الفني".
نستشف من مرتكزات القص الفني تعليل حرفة القص في نقل الواقع من خلال مجموعة "حياة جديدة" للأديبة اللبنانية لطيفة الحاج قديح. فيقول الدكتور ياسين عنها: "لكأن الجني الفني كان عميق الجذور في تربة ذاتها وقريحتها، ما جعله يتأخر في الظهور والولادة." وقد منحها الدكتور ياسين الأيوبي شهادة المنحى الفني المتزن، لأن الانتصار لسلم القيم والمثل في الحياة الإنسانية يحتاج إلى رزانة القول والفعل، إضافة إلى إثارتها العديد من التساؤلات التي تمثل وقود السرد القصصي، لإبراز وجوه الدهشة ومراقيها. حيث تستوقفنا دراسة طغى عليها التذوق والاندماج في التحليل الفعلي للسرد واللغة مع الخواتم البديعة المنسوجة بخيوط الناقد الفذ. وبعبقرية حرص من خلالها على الاحتفاظ بطبيعة الاختصار في النقد لمتذوق أكاديمي من الطراز الرفيع دون تشريح جامد يؤدي إلى نفي النقد الفني وإبراز الأدبي فقط. لكنه استطاع الجمع بين المفهومين، مستخلصاً الشوائب والعثرات لحصرها في مسائل لغوية مع التفسيرات الموائمة للقارئ، لينفض في النهاية صفة النقد ويمنح القراءة الهدف الأساسي لمجموعة لطيفة الحاج بقوله: "فهل وفقت في القراءة، وأصبت الأهداف التي وضعتها نصب عيني؟ ذلك ما أتوق إليه!" محاولاً بذلك تشجيع القارئ بل واقناعه بأن أهمية التذوق الصحيح للفن القصصي أو الشعري أو الروائي تبدأ من المؤلف والقارئ معاً، لأن ذلك يزيد من قيمة العمل الفني.
تحقق الإطلالة على "الألم فرتر" لجوهته نموذجاً جيداً للأدب الرومانطيقي الخالص. إذ يفتح الدكتور ياسين الأيوبي للقارئ آفاقاً جديدة على مفاهيم ترتبط بالانطباعية، وباستخراج "اللوحات الطبيعية التي كانت تطالعنا في تضاعيف النص الروائي بين الحين والآخر." مع الاهتمام بالمضمون اهتماماً شعرياً مأسوراً بحضور الطبيعة كنموذج استهلالي لأدب تولستوي من خلال "آنا كارنينا" و"فنية الحبك التصويري وبلاغة التعبير." فقد أمعن النظر بدقة الأثر الفني مرة أخرى، وأهمية تصنيفه بالـ "أثر" لكونه يحمل الكثير من الجماليات الحسية في الأدب الفني وحبكته التصويرية القادرة على الابتعاد عن مكامن العيب والفساد، متسائلاً عن وعي تولستوي في معالجة الفضائل والقيم ومن حيث التكامل والفهم المتغلغل في جذور الأثر الفني وحكمته لإلقاء المزيد من الضوء على الافتتاح الروائي واختزاله أهم ما تنطوي عليه من ركائز زاخرة بالكثير من العوامل الفنية، ليجعل من "آنا كارنينا" ظاهرة فنية لا تتكرر في عالم الأدب الفني وشذراته الحكيمة، ممسكاً بناصية اللغة التي يفتتن بها الدكتور ياسين، ويجعلها من أولوياته في التذوق والنقد واستخراج المعنى من وراء الحرف واتجاهاته. هذا لا يتنافى مع تولستوي ومعالجاته الأدبية في رواية اعتبرها الأيوبي خلقاً فنياً اجتماعياً إنسانياً تكاملت فيه الأوصاف، "فسبحان الذي هيأ الإنسان لمزاولة خلق آخر هو الخلق الفني."
دوستويفسكي ومعالم السيرة التي اعتبرها الشعلة الإبداعية في مؤلفاته، فالنشأة الأولى منذ الصغر يحملها دوستويفسكي منذ الطفولة، وهي التي ترجمت بقية حياته ومساره الروائي الذي بقي بمثابة رواية خاصة لم تكتب، إنما تم أخذ العبرة منها باختصار نفسي تحليلي خاضع لنظرة ثاقبة منطقية في نواحيها المؤدية إلى استكشاف الرجل المتدفق فكراً وإبداعاً، وأبرز الأسباب المؤدية إلى ذلك قبل الدخول إلى الجهاد السردي مع عبدالملك المرتاض، والابتعاد عن الحياة الذاتية معه، منطلقاً في ثلاثية الجزائر، انطلاقة الفاتح نحو النظريات الأدبية الحديثة والانغماس اللغوي معه، "والجهاد بالكلمة المسؤولة" التي يفوق فعلها فعل النضال القتالي أضعافاً دون التباعد عن "نسيج متفاوت التناسق والائتلاف بين السياسة والوطنية، والمعالجات الاجتماعية والأخلاقية، والمحاورات الفلسفية الإيديولوجية." وهي الدافع الأول للدخول في مناخات لها مذاقاتها الخاصة المتأصلة عبر ثلاثية الجهاد التي فصلها الأيوبي بتنقيب نقدي أوسع فيه الشرح والتفصيل المرتكز على الجهاد السردي والجهاد السلوكي والجهاد الإخباري، إضافة إلى الغنى اللغوي الذي ينشده الأيوبي في العديد من المؤلفات التي تطرأ إليها قبل خاتمة البحث، وأساليب التركيب اللغوي المدهش وما أمتع الأيوبي والقارئ في ثلاثية المرتاض، وما رصده من معالم الأس والزيزفون مع الأدلة والاستدلالات للأثر الفني المؤنس بمناخاته الأدبية. فهل وقفته مع المرتاض كانت وقفة الأديب في رياض الأدب أم المتذوق لجمالية الأدب الفني في أعمال المرتاض؟
مراصد الجمال في كتاب الأيوبي لا يمكن رصدها بمقالة تضيق الأسطر فيها عن الإلمام بمنجز قطوفه دانية وروضاته مفتوحة أبوابها، وهو بحق كنز فني لتحليل الباحثين والمتذوقين والأدباء والكتّاب ولكل من يهتم بالفن الأدبي وآياته المبصرة في علم لغوي يخضع لرؤية خاصة من أديب اهتدى إلى علم التذوق الخاضع للنقد الجميل والهادف. لنفهم التركيب الجمالي وأصوله وفنيته وأسبابه عند بعض الشعراء والروائيين، وكل من سلط الأيوبي الضوء العقلاني والقيمة الوجدانية لأي عمل فني تتحكم فيه النفس واللغة والمخزون الثقافي للفرد، مما جعله يربط النقد الأدبي بالقطوف الدانية التي يحدد من خلالها نقاط الضعف والقوة من خلال القارئ، وبإمعان في الكثير من الاستنتاجات التي توصل إليها، مفسراً استحسانه السلبي والإيجابي بنفحة جمالية خالصة للتفكر والتدبر بمعايير التلقائية في التذوق المبني على الصبر في التقاط الحكمة من ذلك. فعذراً من قلم عظيم لما خطه قلمي المتواضع في حضرته.
أما النقد الأدبي هو العملية التي يسعى من خلالها النقاد إلى تحليل وتقييم النصوص الأدبية بهدف الكشف عن قيمتها الفنية والجمالية. يعتبر النقد الأدبي عنصرًا أساسيًا في فهم وتحليل الأدب؛ فهو ليس مجرد تأويل للنصوص بل هو عملية بحثية تسعى لفهم أعمق لآليات الكتابة الأدبية وتقييمها بموضوعية. يقوم النقد الأدبي على أسس متعددة تتراوح بين التحليل اللغوي والبنية السردية والنفسية والاجتماعية، ويهدف إلى تقديم رؤى تساهم في إثراء التذوق الأدبي وتعميق فهم القارئ للنصوص الأدبية.
النقد الأدبي يفتح أبواباً لفهم النصوص من زوايا مختلفة؛ فهو يكشف عن الأبعاد الفنية والجمالية التي قد تكون غير مرئية للقارئ العادي. من خلال النقد، يمكن للقراء والمشتغلين بالأدب التفاعل مع النصوص بشكل أعمق، مما يعزز القدرة على التمييز بين النصوص الجيدة والنصوص الضعيفة، ويتيح لهم فهم تأثير الأدب على المجتمع والثقافة.
في هذا السياق، يأتي كتاب "مراصد النقد الأدبي" للدكتور ياسين الأيوبي ليُسهم بشكل ملحوظ في هذا المجال. الكتاب ليس مجرد مجموعة من الدراسات النقدية، بل هو بمثابة مرجع شامل يجمع بين النظرية والتطبيق، مقدماً رؤية متكاملة للنقد الأدبي. يتناول الكتاب مجموعة من النصوص الأدبية من مختلف الأشكال والأنواع، مقدماً تحليلات دقيقة ومفصلة تبرز جماليات النصوص وتسلط الضوء على قيمها الفنية.
يقدم الكتاب تحليلًا شاملًا لتقنيات النقد الأدبي، بدءًا من أساليب التحليل اللغوي والبلاغي وصولاً إلى دراسة البنى السردية والرمزية. يساهم هذا التناول في تزويد القارئ بأدوات نقدية تسهم في فهم النصوص الأدبية بشكل أعمق.
من خلال دراسة أعمال أدبية متنوعة قدمها دكتور ياسين الأيوبي ، نكتشف أن الكتاب يعزز فهم القارئ للإبداع الأدبي، مما يمكنه من تقدير التميز الفني والتقني في النصوص الأدبية. هذه الرؤية النقدية المتعمقة تتيح للمؤلفين والقراء على حد سواء فهماً أفضل لجمالية الكتابة الأدبية وتنوع أساليبها إذ .يتسم الكتاب بقدرة ملحوظة على الموازنة بين التذوق الأدبي والنقد الموضوعي. فهو لا يقتصر على تحليل النصوص من زاوية تقنية فحسب، بل يعكس أيضًا حساسية نقدية تجاه الجوانب الجمالية والفنية للأدب.
يوفر "مراصد النقد الأدبي" إسهامًا كبيرًا في الأدب النقدي من خلال تقديم تحليل مفصل ومدروس لنصوص أدبية متنوعة. يفتح الكتاب المجال أمام القراء والنقاد لتوسيع آفاقهم النقدية واستكشاف طرق جديدة في تناول الأدب. يهدف الكتاب إلى تشجيع القارئ على التفاعل مع الأدب بشكل أكثر فاعلية. من خلال تقديم نماذج تحليلية وتفسيرات دقيقة، يعزز الكتاب القدرة على تقدير جماليات الأدب، مما يزيد من قيمة النصوص الأدبية في أعين القراء.
يُعتبر كتاب "مراصد النقد الأدبي" للدكتور ياسين الأيوبي إضافة قيمة إلى مكتبة النقد الأدبي. فهو لا يقدم مجرد دراسة نقدية، بل يساهم في تطوير مهارات التذوق النقدي لدى القراء والنقاد على حد سواء. من خلال تقديم رؤى جديدة وأدوات تحليلية فعالة، يعزز الكتاب فهم الأدب ويشجع على التفاعل العميق معه، مما يجعله مرجعًا هامًا لكل من يسعى إلى تطوير قدراته النقدية وتوسيع آفاقه الأدبية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol