نواويس بيروت أضرحة لمجد غامض وبصمة لزمن لا يلين.
ضحى عبدالرؤوف المل
لا يلين الزمن حين تغيب الحضارات في مجد غامض، ولا تموت معرفة دفنها الإنسان قديمًا. ليستنبشها الجيل الظامئ لقراءة الحضارات السابقة، فنواويس بيروت ثمرة من ثمار البحث عن المزيد من الآثار التي نستفيد منها معرفيًا. لترجمة تلك الأزمنة ومعرفة حضاراتها من خلال ما نقش عليها، أو من خلال تحليل مادتها الخام أو المركبة من معادن وحجارة وفخار، إضافةً إلى تحديد عمرها الزمني وما إلى ذلك.
طابق سفلي من متحف بيروت وسينوغرافيا العرض المدروسة منحت الأبعاد البصرية رؤية جمالية مضافة لنواويس حجرية وفخارية ورخامية ولدت من باطن الأرض وتعود إلى مرحلة ما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. إضافةً إلى مئات القطع المستخرجة من المقابر، ومنها التعاويذ والمباخر وقناديل الزيت مع واجهة رخامية لأحد المدافن، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، ومنها ما يعود إلى الحقبة الفينيقية التي تخلد حضارة نبحث عنها بين النقوش ونفك رموز الزمن بصعوبة ربما! يحتفظ بها الزمن أيضًا لأجيال لم تولد لتعاصر هذه النواويس في الزمن الحديث، وتكون بمثابة المفاتيح التاريخية لقراءة الأحداث التي ما زالت مجهولة وحافلة بالكثير من الغموض. لنستمتع بما نرى ونتصادم مع الزمن الذي أحاطه تطور الناس وجعله تحت الأرض ليتم استكشافه بعد حين.
نستكشف في المتحف ماهية السلالات البشرية التي كانت آنذاك من خلال الموميات، وأن بصريًا بالنسبة لزائر المتحف، وبعصف يجعلنا نرتبط بالتطور البشري عبر النواويس، وما نقش عليها، أو عبر القطع التي تهدف إلى إظهار الوقائع التي تعتمد على تفسير جزئي. لزمن ارتبط بحياة الإنسان عبر العصور السابقة، وقدرته على تسخير المواد الطبيعية له، لتكون ضمن استخدامات تم اكتشافها الآن.
نواويس من مادة خام تحاكي متطلبات الإنسان آنذاك وسعيه إلى تخليد لحظة الموت التي تبدأ من رسومات تلقي الضوء على تاريخ إنسان يشبهنا في التطلع إلى الخلود، وإن عبر ما دفنه تحت الأرض أو تركه ليندثر وتغطيه طبقات ترابية أو كلسية وغيرها، لتلفظها في عصور قادمة، وكأنها تتلاعب مع الإنسان لتشحن فضوله وتدفعه إلى اكتشاف المزيد مما هو مخفي أو مستتر تحت أرض عاش عليها الأجداد وسكنت آثارهم متاحفنا لتغزو رموزها عقولنا، وتثير فينا متعة معرفة ذلك الزمن ومن عاش فيه، وما هي اللغة التي كانوا يتكلمون بها، وما هي معاني النقوش التي حفرتها أزاميلهم أو وسائلهم القديمة. فهل الاهتمام لمعرفة الأعمال الفنية في العصور القديمة ترجمتها هذه النواويس التي تفترش الطابق السفلي من متحف بيروت؟
إن ما تم اكتشافه من قطع أثرية واستقر في متحف بيروت يظهر الكثير من التكييف البيئي الذي احتفظت من خلاله المادة على البقاء، ليكون عنصرًا مفيدًا للدراسات التي تساعد في اكتشاف الإنسان ضمن زمنية معينة استندت في اكتشافها على قدرات الحفر والتنقيب للحفاظ على سلامتها ومعرفة المزيد من أماكن القطع الأخرى التي تم اكتشافها مع ما يوضع مع المتوفي من أدوات جنائزية وغيرها، مما اتخذ صفة الخلود بصلابة دون الالتزام بعلم الجمال الذي يرافق النقوش أو المنحوتات التي تتجه الأنظار إليها بغرابة ولذة في المزيد من الاكتشاف الذي يوضح أهمية الإنسان في كل العصور التي سبقتنا واستنباط أهمية التاريخ في حياة الشعوب المتعاقبة على هذه الأرض.
يُذكر أن المهندس الإيطالي "أنطونيو جيامانتيس" هو من أشرف على التصميم المتناسق مع المعروضات الجنائزية وجماليتها التاريخية المنبثقة عن علم الآثار وأهميته في بث المعرفة عن الحضارات السابقة، إضافةً إلى إثارة العديد من التساؤلات عن طبيعة من استوطنوا هذه الأرض ورحلوا عنها تاركين لمجدهم الغامض لذة تأمل نواويسهم وأدواتهم الأخرى.
متحف بيروت الأثري هو أحد أبرز المؤسسات الثقافية التي تسهم في الحفاظ على الإرث الحضاري للبنان والعالم. يقدم المتحف مجموعة غنية من القطع الأثرية التي تعود إلى عصور تاريخية متعددة، مع التركيز على النواويس التي تعود إلى الحقبتين البيزنطية والفينيقية. ولذا، فإن تقييم المتحف يستدعي النظر إلى عدة جوانب تشمل جودة العرض، الدقة العلمية، الأثر التعليمي والتجربة الزائرية.
يعد التصميم الداخلي لمتحف بيروت من الجوانب المتميزة التي تعزز التجربة الزائرية. طابقه السفلي، الذي يحتوي على النواويس الحجرية والفخارية والرخامية، يجسد باقتدار رؤية جمالية متكاملة. السينوغرافيا المدروسة بعناية تتيح للزوار فهم السياق التاريخي لتلك القطع الأثرية. الإضاءة والتوزيع المكاني للقطع يعززان من الأثر البصري، مما يجعل الزوار يشعرون وكأنهم يعبرون عبر الزمن.
ينبغي أن يكون هناك تحسينات لزيادة تفاعل الزوار مع المعروضات. توظيف التكنولوجيا التفاعلية، مثل شاشات اللمس أو تطبيقات الهواتف الذكية، يمكن أن يقدم معلومات إضافية بشكل تفاعلي، مما يعزز الفهم العميق للقطع الأثرية. إضافة إلى ذلك، قد يكون من المفيد تخصيص مساحات للمحاضرات وورش العمل لتعميق المعرفة بتاريخ القطع وتفسيراتها.
تتميز معروضات المتحف بالدقة العلمية والبحث المتعمق، وهو ما يظهر جلياً في عرض النواويس وتحليل المواد الخام المستخدمة في تصنيعها. إن تحديد الحقبات الزمنية بدقة، وتحليل العناصر المكونة للقطع، يعكس الالتزام بالمعايير العلمية في عرض الأثر. الأساليب المستخدمة في ترميم القطع وصيانتها تعكس اهتماماً كبيراً في الحفاظ على العناصر التاريخية والقيمة الثقافية.
لكن يجب التأكيد على أهمية تحديث المعلومات بشكل دوري. التقدم المستمر في تقنيات التحليل الأثري يتطلب من المتحف مراجعة وتحديث البيانات التي يقدمها. تعاون المتحف مع المؤسسات البحثية الأكاديمية يمكن أن يسهم في دمج أحدث الاكتشافات والابتكارات في مجال الآثار.
يمثل متحف بيروت مركزًا تعليميًا هامًا، حيث يوفر للزوار فرصة للتعرف على الحضارات القديمة والتفاعل معها. إن المعلومات الواردة في اللوحات التفسيرية والعروض الجمالية توفر سياقًا تاريخيًا مهمًا. إضافةً إلى ذلك، فإن تنظيم الجولات الإرشادية من قبل علماء آثار متخصصين يمكن أن يعزز الفهم والتقدير للتاريخ الثقافي المعروض.
إن تحسين التجربة الزائرية يستدعي التفكير في بعض النقاط. يجب أن يكون هناك اهتمام أكبر بتجربة الزوار ذوي الاحتياجات الخاصة، مثل توفير الترجمة الصوتية والنصوص المترجمة بعدة لغات. كما أن تحسين مرافق الزوار مثل دورات المياه والمقاهي يمكن أن يسهم في تحسين تجربة الزيارة بشكل عام.
متحف بيروت الأثري هو مؤسسة ثقافية قيمة تسهم بشكل كبير في الحفاظ على التراث الحضاري وتقديمه للزوار. من خلال جودة العرض والدقة العلمية، يقدم المتحف نافذة رائعة إلى الماضي. ومع ذلك، هناك مجالات يمكن تحسينها لتوسيع التجربة الزائرية وتعزيز الأثر التعليمي. من خلال تبني التقنيات الحديثة وتحديث المعلومات بشكل دوري، يمكن لمتحف بيروت أن يظل في طليعة المؤسسات الثقافية العالمية ويواصل تقديم تجربة تعليمية وغنية لجميع الزوار.
Doha El Mol
ضحى عبدالرؤوف المل
تم نشره في جريدة اللواء لبنان