نقطة تحول في مستقبل طرابلس

قراءة في كتاب "مستقبل طرابلس": مدينة منكوبة أم عاصمة اقتصادية؟ للأستاذ عبدالله الخالد

ضحى عبد الرؤوف المل

بين الماضي والحاضر، تكمن قطبة مستقبلية مخفية في كتاب الأستاذ عبدالله الخالد، الصادر عن "المركز الوطني للإحصاء والتوثيق والبحوث التنموية"، الذي يهدف إلى إبراز دور طرابلس الفعلي على صعيد لبنان والمنطقة العربية. يناقش الكتاب التأثيرات السلبية والإيجابية التي توالت على المدينة، سواء في فترات الحرب أو الاستقرار، حيث يكاد الازدهار يُذكر قليلاً. يعرض الخالد الأحداث بأسلوب بحثي متقن، يبرز النقاط المهمة دون التعرج، مما يسهل على القارئ متابعة الهدف دون الانشغال بالتفاصيل التي قد تشتت الذهن، ويترك العديد من التساؤلات بعد ذلك.

يترك الخالد التواريخ والأحداث تتحدث عن نفسها بتوثيق منظم، متجنبًا العاطفة والمشاعر، محاولاً تجنب التحليل المتعمق للأحداث التي يتركها كملاحظات يتم استرجاعها في سياقات أخرى. كما يتناول الخالد بتسلسل بحثي منطقي، مؤكدًا مصداقية الأحداث التي يدعمها التوثيق التاريخي. رغم ذلك، استطاع أن يوضح المشاكل ويكشف النقاط التي تستدعي النقد، ليظهر حرمان طرابلس من الفرص التي تستحقها، ولتكون قادرة على أن تصبح عاصمة اقتصادية ثانية لبيروت، بالنظر إلى تطورها التاريخي.

في الفصل الثاني، الذي يحمل عنوان "الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي"، يشير الخالد إلى أن ما يسمى بـ "المعجزة الاقتصادية اللبنانية" لم ينعكس على طرابلس. يحاول تقديم تفسيرات عدة دون جدوى، وبحثًا عن نظرية قد تساهم في انتشال طرابلس من حالة الحرمان والتخلف. هل يسعى عبدالله الخالد إلى رفع علم طرابلس من دون أمل ليكون حافزًا لتشجيع قوى المدينة على انتشالها من واقعها الحالي؟

تتشكل طبقة العوام، التي تشكل النسبة الأكبر، على عاتقها ثقل بناء المجتمع الطرابلسي، وهو ما يتطلب من القارئ تجميع الصورة الاجتماعية للمجتمع الذي يعاني من الإقصاء، حتى في حق المرأة في طلب العلم. ينظر إلى الأمية التي كانت تشمل غالبية أبناء طرابلس، ويستعرض كافة فئات المجتمع، لا سيما (النساء والرجال)، لتكون الخاتمة حول الوضع الاجتماعي وتعداد الأسر قبل الانتقال إلى الوضع الثقافي، الذي كان يقتصر على اكتساب العلم والمعرفة في أروقة المسجد المنصوري أو المدارس والبعثات الأجنبية. تتطور الأمور في عهد الانتداب الفرنسي، من خلال بحث ثقافي غني يشمل السينما الصامتة والصحافة وتاريخها في طرابلس، وصولاً إلى المسرح، حيث "ظهر مسرح الباروكية" الذي بناه حسن الأنجا في نهاية القرن التاسع عشر. كما شهدت طرابلس ظهور عائلات فنية بارزة مثل عائلة بندلي والافيوني، مما مهد لمرحلة الحضارة والعمران.

يطرح الخالد في نهاية الكتاب تساؤلات حول ما إذا كان يصفع القارئ بكتاب ماضيه الحاضر وحاضره الغائب، ومستقبله المعلق بين هلالين. تزامنت بدايات التأثير الغربي مع التغيير المعيشي في المجتمع الطرابلسي، مما قاد إلى فترة الاستقلال التي شهدت انتشار الثقافة الهجينة في عهد الانتداب الفرنسي. من ثم، يشير الكتاب إلى النهضة العمرانية التي شهدتها طرابلس من بداية الاستقلال حتى نهاية الستينات، ويترك للقارئ استكشاف دور المؤسسات المدنية في نهوض اقتصاد المدينة.

يستعرض الكتاب رؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تعزيز صلة طرابلس بالعالم الخارجي، والداخل العربي والإسلامي، والمرفأ الطبيعي لسوريا. ينتقد الخالد الوضع الحالي، حيث لا يتعدى الانتقال من التغييب والتهميش إلى مرحلة التسويف والمماطلة، ويشدد على الأوضاع المأساوية في التبانه، معبرًا عن ذلك بصرخة إغاثة تركز على الحاجة الملحة لمعالجة الأوضاع المتردية في المنطقة.

في الختام، يطرح الكتاب تساؤلات جادة حول مستقبل طرابلس: هل هي مدينة منكوبة أم عاصمة اقتصادية؟

أما أبرز النقاط التي يمكن تأكيدها من خلال الكتاب:

التحليل النقدي للأوضاع الراهنة: يتميز الخالد بقدرته على تحليل الأوضاع الراهنة في طرابلس بموضوعية، موضحًا التباين بين الإمكانيات والواقع. هذا التحليل لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية بل يشمل أيضًا الأبعاد الاجتماعية والثقافية، مما يوفر نظرة شاملة حول قضايا المدينة.

إبراز القدرات والإمكانات: الكتاب لا يركز فقط على التحديات، بل يسلط الضوء على إمكانيات طرابلس والفرص التي يمكن أن تستغلها. من خلال ذلك، يبرز الخالد ضرورة إعادة تقييم استراتيجيات التنمية في المدينة لتعزيز قدرتها على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة.

الأسلوب البحثي المنظم: يتميز الكتاب بأسلوبه البحثي المنظم الذي يسهل فهم المعلومات والبيانات المقدمة. يعتمد على توثيق دقيق ويجنب التفسيرات الذاتية التي قد تؤثر على موضوعية التحليل، مما يعزز مصداقية الكتاب.

التركيز على التجارب التاريخية والثقافية: يقدم الخالد خلفية تاريخية وثقافية غنية تعزز الفهم العميق للواقع الحالي. من خلال استعراض الأحداث التاريخية والثقافية، يساهم الكتاب في بناء إطار زمني يمكن من خلاله رؤية تطور المدينة وتقدير الإنجازات والإخفاقات.

التساؤلات المستقبلية: يثير الكتاب تساؤلات هامة حول مستقبل طرابلس، مثل ما إذا كانت ستظل مدينة منكوبة أو إذا كان بإمكانها أن تصبح عاصمة اقتصادية. هذا يدعو القراء وصناع القرار إلى التفكير في استراتيجيات جديدة لتحفيز التنمية.

التوصيات:

تفعيل استراتيجيات التنمية: يجب على المسؤولين وصناع القرار في طرابلس الاستفادة من تحليل الخالد لتطوير استراتيجيات تنموية شاملة. هذا يشمل تحسين البنية التحتية، دعم المشاريع الاقتصادية، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية.

تشجيع البحث والدراسات المستقبلية: على الرغم من أن الكتاب يوفر تحليلًا شاملًا، فإن المزيد من الدراسات يمكن أن تضيف أبعادًا جديدة أو تتناول مواضيع غير مغطاة بشكل كامل، مما يساهم في تقديم رؤى أعمق.

تعزيز الشراكات المحلية والدولية: يجب أن تسعى طرابلس إلى تعزيز شراكاتها مع الجهات المحلية والدولية لجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة. في الختام، يعكس الكتاب جهداً كبيراً في تحليل واقع طرابلس وتقديم رؤى استراتيجية لمستقبلها، مما يجعله مرجعًا مهمًا لأي دراسة تتعلق بالتنمية الحضرية والاقتصادية في المنطقة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

نُشر عام 2016 في جريدة اللواء لبنان وأعدت تحديثه وأنا أجمع المقالات لضمها لكتاب