اللون المعاصر في اللوحة الصينية المتمسكة بقوميتها
ضحى عبدالرؤوف المل
تلامس أعمال الفنان "تشوانغ هونغ يي" (Zhuang Hong Yi) وجدان المتلقي لما تتميز به من حيوية تمثل اللون المعاصر في اللوحة الصينية المتمسكة بقوميتها، وبجرأة مثيرة للدهشة، ليوحي بجمالية اللون وحبكته المتضمنة الكثير من التكثيف متجهة نحو فلسفة الوجود. لزهرة اللون العابقة برمزية الثقافة الصينية وتقليدية الأنماط الفنية المتجددة عبر الرؤية الفنية التشكيلية وأبعادها في اللوحة المعاصرة الممسكة بالقومية الوطنية ورمزية الحضارة الصينية العابقة بروح زهرة يتفنن في استخراجها من روح الألوان التي يستخدمها "تشوانغ هونغ يي" بصخب ترافقه انعكاسات داخلية تتماوج معها الخطوط عبر زركشة تعج فيها خلايا اللون والخط، والمفاهيم الجمالية كنوع من التمييز في إظهار الجمال الفني الخاص ببلد يحتضنه في لوحات تجعلنا نرى التنوع الجمالي بكل أشكاله، الانطباعي والتجريدي، والتعبير المحمّل بإيحاءات لونية قادرة على بث التأمل في روح زهرة تفتح الآفاق التخيلية نحو المدى البعيد للون وضمن مقاسات تتناسب مع طول اللون وموجاته ومداه القصير والطويل، ليبعد الملل عن البصر ويشحنه بطاقة الزهرة التي يضعها في لوحاته حتى لتقترب من اللوحة بشكل لا شعوري وتلامسها كما تلامس هي وجدان المتلقي.
ترهلات! زركشة! تقشير! انسلاخ! مفردات تستخرجها من لوحة تتألف من عدة طبقات لونية، وبأسلوب تمتزج فيه البدائية مع الحداثة والنظرة الفنية الثاقبة التي تحتاج إلى مراحل نمو بطيئة، كأن لوحته بحد ذاتها زهرة تنمو بين يديه، ويحافظ على رونقها وبقائها على قيد الحياة من خلال لوحة ذات زوايا تتوافق مع المساحة التي يمدها نحو اللانهاية في تربة ميتة تخرج منها الحياة بغربة تكوين يلجأ إليها "تشوانغ هونغ يي" كالقساوة والليونة، فما بين المكشط والأصابع تعبيرات متعددة منها الصارم، ومنها المحافظ على حرية تعبير اللون وتدرجاته المعاصرة ذات الصلات القوية بالحضارة الصينية ومعتقداتها، وبازدواجية الحركة وقوتها في الخلق البصري وأهميته في الهيمنة على إثارة الذهن وتحفيزه، ليحقق الانجذاب الحسي عبر ذوبان الألوان مع بعضها وتماسكها بلزوجة، كأنها نسيج واحد ولا يمكن فصل الأجزاء عن بعضها البعض. فهل يحاول "تشوانغ هونغ يي" من خلال لوحاته بث روح الزهرة الصينية ومعناها القوي في التأمل والتوحد والتماسك؟
خليط من الألوان له الأسس التقليدية في الثقافة الصينية توافقت مع رؤية الفنان "تشوانغ هونغ يي" وفيزيائية لوحته المعانقة للألوان الأساسية تاركًا لها ترجمة أصابعه ومكشطه، لترتبط الحركة برمزية الألوان ومعانيها، ولكن ضمن المفاهيم التشكيلية وسيكولوجية مؤثراتها البصرية على المتلقي. فالمصطلحات التقنية التي يستخدمها في صياغة اللوحة متأثرة بالتراث والثقافة، ومعاني الألوان الخمسة التي انطلق منها، لتنشأ من تربة لوحة مغطاة بزهور تتفتح براعمها بتناقض وتوافق وانسجام وتناغم وعفوية صقلها بالكثير من المواد والأساليب. لتكون ذات مزيج متنوع بمؤثراته البصرية على جمالية اللوحة وأبعاد تقنيتها، محافظة على رونق الرؤية الإبداعية في التمازج والتنافر، وحتى الفراغ التكويني التكاملي طبيعيًا، وكأنها قطعة أرض بكر منسية تنمو عليها الزهرة الصينية الخالدة التي يحاول من خلالها ابتكار الأشكال والألوان والمفاهيم التي يمكن استنباطها من خلال لوحة تنبض بالحيوية والتلاشي في قدسية بهاء الألوان وإشراقاتها، محافظة على الخير والشر والنقاء والصفاء وما إلى ذلك.
الفنان "تشوانغ هونغ يي" يعرض في أعماله نوعًا فريدًا من الإيقاع البصري الذي يخلق تأثيرًا عاطفيًا قويًا. اللوحات تنبض بالحياة بفضل تنوع الألوان وتبايناتها، مما يساهم في إثارة مشاعر التأمل والدهشة لدى المتلقي. الألوان، بما تحمله من حيوية وتكثيف، لا تقتصر على كونها مجرد عناصر جمالية بل تعبر عن تجربة ثقافية وروحية غنية. المشاهد يشعر كأنه يستعرض مشهدًا حيًا مليئًا بالحركة والتجديد، مما يعزز الإحساس بالتفاعل العميق مع الفن.
تكمن قوة "تشوانغ هونغ يي" في قدرته على دمج الأساليب التقليدية والحديثة لخلق لغة بصرية تتحدث عن القومية والهوية الثقافية الصينية. اللوحات تتسم بتكرار الأنماط والعناصر التي تعكس الهوية الثقافية الصينية بطرق متعددة، مما يساهم في تعزيز رمزية الألوان والتفاصيل. كل طبقة لونية توحي بمعنى معين، مما يجعل كل عمل قطعة فنية تحكي قصة عن التراث والابتكار في الوقت ذاته.
يُحلق المشاهد في عالم "تشوانغ هونغ يي" عبر إيقاع الألوان والخطوط المتشابكة. التباين بين القساوة والليونة في تقنيات التنفيذ يخلق تفاعلاً داخليًا يشبه رحلة تأملية. التنقل بين الطبقات اللونية يشجع على التفكير العميق ويحفز الروح على الاستجابة لتغيرات الحالة النفسية التي تعكسها الألوان المتناغمة أو المتناقضة. المشاهد ينغمس في تجربة حسية تثير الاستجابات العاطفية وتولد شعورًا بالتوحد مع العمل الفني.
يتميز "تشوانغ هونغ يي" باستخدامه المبتكر للألوان والخطوط والمواد، ما يساهم في خلق إيقاع بصري ديناميكي. تقنيات مثل الزركشة والطبقات المتعددة تعزز من عمق اللوحة وتضيف بُعدًا حسيًا يتجلى في تفاعل الضوء والظل. الفناني يخلق إيقاعًا بصريًا يعتمد على الحركات اللونية والملمس، مما يُعطي كل لوحة طابعًا فريدًا ويجعل منها تجربة بصرية متميزة.
جماليات الأعمال تتمثل في قدرتها على دمج الجمال الكلاسيكي مع الابتكار العصري. الألوان ليست مجرد تزيين، بل تعبير عن معنى ومفهوم أعمق، حيث تتناغم وتتصادم بطرق تعزز من تأثيرها الجمالي. الأشكال والألوان تخلق توازنًا بصريًا وموسيقيا، مما يجعل كل قطعة تبدو وكأنها تنبض بالحياة وتدعو المشاهد إلى التفاعل معها. إيقاع الألوان والخطوط في اللوحات يشكل جزءًا لا يتجزأ من الجمال العام للعمل، مما يحقق انسجامًا بين التقنية والموضوع.
يمكن ملاحظة كيف يقوم "تشوانغ هونغ يي" بإنشاء نمط من التنقل السلس بين الألوان والتفاصيل. الإيقاع في لوحاته يتجلى من خلال الحركة المتناغمة بين الألوان والخطوط، مما يخلق تجربة بصرية متدفقة تثير الإحساس بالتمازج والانسجام. التكرار والتنويع في استخدام الألوان والخطوط يخلق إيقاعًا متسقًا يشد الانتباه ويعزز التجربة البصرية للمتلقي، مما يجعل كل عمل فني بمثابة لحن بصري يعزف على أوتار الوجدان البصري.
يقدم "تشوانغ هونغ يي" تجربة فنية تجمع بين العناصر التقليدية والحديثة، حيث يندمج الإيقاع البصري مع الأبعاد الثقافية والنفسية لتخلق تجربة جمالية متكاملة تنبض بالحيوية والتجديد.
Doha El Mol
ضحى عبدالرؤوف المل