بصيرة الفن في عام 2016
ضحى عبدالرؤوف المل
لم ترتوِ بصيرة الفن التشكيلي في عام 2016، إذ لم تشهد إبداعاً لبنانياً كافياً. تحتاج المعارض التشكيلية إلى تحديث يتماشى مع تطلعات جيل الشباب من هواة ومحترفين، لتجمع بين الكلاسيكية والجديد، مستندة إلى قاعدة التشكيل ومفارقاتها في آنٍ واحد. ففي هذا العام، عانى المشهد التشكيلي من برود لم تقتصر تأثيراته على المعارض المحلية، بل أيضاً على المعارض في الخارج التي اعتمدت على الانقلاب التشكيلي المتمسك بالأصالة اللونية والرؤية التشكيلية، مع الانتفاضة على اللوحة التقليدية وأساليبها، معتمدةً على التصاميم الإلكترونية والفن المفاهيمي والنحت المحاكي للطبيعة، فضلاً عن الرؤية الهندسية التي لم تخرج عن مفاهيم الفن التشكيلي، بل اجتمعت معه في الكثير من النقاط. حتى الفوتوغرافيا، التي شهدت نهضة قوية في بداية عام 2016، بدأت تتراجع في الشهر الثالث من العام نفسه. ومع ذلك، قدم الفوتوغرافيون مثل بسام لحود وكارمن يحشوشي وزياد عنتر ورشا خليل ورولا حلواني نظرات مغايرة، ولكن لم تتميز معارضهم بما يكفي لتكون أرضاً خصبة لجميع الفنانين.
لا يمكن تجاهل أعمال "غسان زرد"، التي شكلت نوعاً من النحت الغرائبي يعتمد على مفاهيم المادة وسرياليتها، لتصبح مخلوقاته في عام 2016 فعلاً كائنات العام، حيث أبدع بشكل لافت وملحوظ. وما بين النظر والبصيرة في الفن، توجد فروقات كبيرة. فهل ارتوت بصيرة الفن في عام 2016؟
لم ترتوِ بصيرة الفن التشكيلي في عام 2016، إذ لم تشهد إبداعات فنية جديدة أو تجديداً في المقاييس والأسلوب والفكرة والمضمون. كما أن اللوحة السورية الخجولة في لبنان تراجعت هذا العام، وراحت إلى الخارج لتعرض في معارض جماعية أو فردية في ألمانيا أو أستراليا أو حتى العودة إلى سوريا أو إلى قوقعة مغلقة، رغم ما تميزت به من إبداع في عام 2015، وشهدت رحيل الفنان السوري عمر حمدي المعروف بملفا. كما اهتمت المراكز الثقافية بنوعية ما تم عرضه من فنون تشكيلية وفوتوغرافية، ولكن معرض "آرت فير" الذي يقام سنوياً مازال يحتاج إلى رؤية حديثة في العرض والأسلوب، وإقامة المزيد من الندوات الفنية لتسليط الضوء على الفن بشكل أكبر ضمن برنامج خاص للجامعات والمدارس، وكسوق فني يهتم بالثقافة الفنية على نطاق واسع، رغم أنه يستقطب اهتماماً كبيراً من أصحاب المزادات وسواهم.
احتفظ متحف سرسق بمنهج معارضه التي تبحث عن القوة والمتانة والاستمرارية، بغض النظر عن الجديد في الأسلوب والمضمون، رغم البحث الدؤوب لاكتشاف المميز من اللوحات. كما احتفظ بقائمة معروضاته التي تستمر على مدار العام بديناميكية وجمالية تثير اهتمام المتلقي. كذلك، حافظ متحف مقام على قائمة الأنشطة والدورات التثقيفية والمعلومات المفيدة للباحثين عن الجمال، إضافةً إلى المتحف الافتراضي لوزارة الثقافة اللبنانية، الذي برز كوسيلة عالمية يمكن الدخول إليها من جميع أنحاء العالم لمعرفة أبرز الوجوه الفنية في لبنان.
تقول مسؤولة المعارض في غاليري "أكزود": "بدا نشاط "غاليري أكزود" هذا العام ملحوظاً من حيث نوعية ما يتم تقديمه للفن والفنانين أولاً، وللمتلقي والمتابعين من جهة أخرى. وبحركة تصاعدية، استقطبت جل اهتمام الفنانين في السعي لعرض أعمالهم في "غاليري أكزود"، من بينهم الفنان زوهراب، الفنان جورج عقل، والفنان جوزيف مطر. ساهم "غاليري أكزود" في خلق تنويع بين المعارض وسينوغرافيتها بأسلوب ينتمي لنوعية اللوحة، بالإضافة إلى مدة المعرض الفني والتسويق له بجدية، مما يساعد الفنان على الخلق والإبداع، ويمنحه الثقة لاستكمال مشاريعه الفنية وتنظيم الفعاليات المرتبطة بمعرضه، بما في ذلك الندوات التي يشارك فيها بعض من المهتمين بالفن. يسهل "غاليري أكزود" للمتلقي المهتم بالتذوق الفني وللمستثمر ولعشاق اقتناء الفن، معرفة جماليات الأعمال من خلال الدعوات للمعرض والشرح عنها بلغات عربية وفرنسية وإنجليزية، مما يوفر للزوار فرصة التحضير لزيارة المعرض براحة وبجدولة لمواعيد المعارض الأخرى. هكذا، يكون "غاليري أكزود" قد اعتمد سياسة تسهيل حضور المعرض وتذوق الأعمال بأقصى قدر ممكن من التقنية، مع تزويد الزائر بالكثير من المعرفة الفنية. كما حافظ "غاليري أكزود" على التواصل الإعلامي والفني، ونقل رسالة فنية تهدف إلى خلق الوعي الفني في لبنان بنسبة أكبر. ومن خلال المعارض الجماعية والفردية، انفرد "أكزود" بتقديم أعمال فنية لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي يعود ريعها في الغالب إلى مساعدات اجتماعية مختلفة، مع تسليط الضوء على معارضهم من خلال الترويج الإعلامي والبحث عن منافذ أخرى لتصريف وتسويق أعمالهم، مما ينمي الحس الفني لديهم ويشجعهم على الاستمرارية بجمالية وراحة نفسية تمنحهم الحق في الفن والجمال ورسالة السلام التي تتضمنها أعمالهم.
يقول مدير معرض "غاليري زمان" موسى قبيسي: "انتهى العام مع المعرض 250 منذ ولادة القاعة في العام 2000. في العام الماضي، أقامت قاعة زمان للفنون مجموعة معارض تميزت كالعادة باكتشاف مجموعة من المذاهب الفنية التي عرضت للمرة الأولى رغم مستواها الفني العالي جداً. نذكر منها هيفاء خضر، حسني، وفاطمة إسماعيل، بالإضافة إلى معارض لفنانين عرضوا سابقاً كالدكتور سعادة جورج ونهاد عبد القادر وغيرهم، ومعرض "ملونات لبنانية"، والكثير من المعارض التي نفتخر بها في "غاليري زمان". وفي نهاية كل عام، يختار الغاليري أكثر من 97 لوحة من تواقيع الرواد في لبنان، ليكون بمثابة متحف فني يستقطب اهتمام المتلقي بشكل جيد، وكل عام وأنتم بخير."
تقول الفنانة "ليلى كعبة كعوش"، مديرة "صالة ارت سبيس": "في الشهرين الأخيرين من العام، ازدهرت المعارض بشكل أفضل من بداية العام. قمنا بما يشبه احتفالية فنية أو أمسية فنية استقطبت اهتمام بعض من المهتمين بالفن والمتذوقين. من أجمل المعارض التي لفتت المتلقي كان للفنان العراقي رسمي الخفاجي، حيث صقلته التجربة الإيطالية، بالإضافة إلى الفنان محمد جحا والفنان حسان الصمد من طرابلس، من خلال لوحاته المحاكية لواقع النفايات بأسلوب جميل وجذاب، إضافة إلى معرضي الشخصي ومعارض جماعية لتوسيع الذائقة الفنية."
تقول "اليس مغبغب": "كانت معظم معارض عام 2016 في الغاليري مهمة، واستطعنا خلق أساليب جديدة في العرض والنوعية والاتجاهات. من أهمها شراء مجموعة للفنانة دوروتي سلهب كاظمي، تضم حوالي أربعين عملاً بشكل حصري للغاليري، وهو مهم لعدة أسباب منها أنه غير تجاري لأعمال اكتشفها زوارنا. في عصر الواحد والعشرين، تبرز أهمية فن السيراميك عالمياً، وعادت بقوة نوعية هذا الفن إلى السوق الفني. كما أن فوتوغراف "دي إنفيلد نيفود" لدانيال شيخاني عن صور مجموعة صبايا يتم تعليمهم فن التصوير والنظر للكاميرا أبعد من النافذة لتقدير هذا الفن الفوتوغرافي، الذي كان أيضاً بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. من ضمن معارضنا، ملغورزاتا باشكو، وأندريا فتال في النحت بعد غياب 25 عاماً. وفي الخريف، اضطررنا للبحث عن أعمال مهمة واتجاهات تحافظ على زوارنا المتذوقين للفن، فكان معرض الفنان الفرنسي دانييال شونبريه. وواصل الغاليري مع الفوتوغرافي يان ديموجيه بعباراته الموضوعية، محافظاً على اعتدال الأسعار مع الحفاظ على نخبة الفن، وختامها هذا العام مع "لي واي" بمعرض أول لها خارج الصين. ما يهتم به غاليري "اليس مغبغب" كل عام هو الاهتمام بالفن كلغة إنسانية تنفرد في العالم بمحاكاتها للإنسان بمختلف الثقافات الفنية. ولا ننسى مهرجان الأفلام الوثائقية الفنية التي بدأنا فيه من أعوام سابقة وسنكمل به في عام 2017، وربما سننطلق به إلى مناطق خارج بيروت مع عروضات في الجامعات والمدارس."
أما في طرابلس، فقد حافظت الساحة التشكيلية على وتيرة السنوات الأخرى من البرود مع تميز بعض المعارض الناجحة التي تناولت مواضيع بيئية، مثل معرض حسان الصمد في مركز الصفدي الثقافي ومعارض أخرى في بيت الفن طرابلس، الذي يفتح المجال لكافة الفنانين للعرض دون استثناء، وأيضاً في الرابطة الثقافية. يقول رئيس الرابطة الثقافية الأستاذ رامز فري: "اهتمت الرابطة الثقافية بالمعارض التشكيلية والفنية، ونعلم أن هذا الفن الراقي يتطلب الدعم الدائم وتسليط الضوء على الفن والفنانين، الذين يتوجب على الجهات الرسمية والمختصة تقديم الدعم اللازم لهم، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها معظم الفنانين بشكل عام وعلى كل الأصعدة." وبقيت في عكار أقلام الرصاص للفنان نعمان الرفاعي تستقطب العديد من المهتمين بفنه، وهو النحت على قلم الرصاص الذي أثار الاهتمام منذ عام 2015، واستطاع أن ينجح في منحوتاته المثيرة للجدل عبر قياساته الصغيرة، والتي تشكل نوعاً من الإبداع في النحت على أقلام الرصاص. فهل ستشهد عكار ولادات فنية أخرى في عام 2017؟
كان عام 2016 مليئًا بالتحديات والفرص في عالم الفن التشكيلي، حيث شهدت الساحة الفنية اللبنانية والعربية تغيرات ملحوظة، وانعكاسات لتيارات جديدة وأخرى تقليدية. ورغم الصعوبات التي واجهها الفن التشكيلي في لبنان، إلا أن هناك جوانب إيجابية جديرة بالذكر والتقدير.
تطور المشهد الفني
في عام 2016، تميز المشهد الفني بتنوع واسع من الاتجاهات والأساليب. بالرغم من البرود الذي عانى منه الفن التشكيلي اللبناني في بعض الجوانب، فقد شهدت المعارض في الخارج نشاطاً ملحوظاً، يعكس تحولاً مهماً نحو تجديدات جمالية وتقنية. يمكننا ملاحظة تأثيرات الثورة الرقمية والفن المفاهيمي، حيث اعتمدت العديد من المعارض على تصاميم إلكترونية ونحت محاكي للطبيعة، ما أضاف بعداً جديداً للفن التشكيلي، مع الحفاظ على الأصالة اللونية والرؤية التشكيلية التقليدية.
المعروضات الفوتوغرافية
شهدت الفوتوغرافيا نهضة قوية في بداية عام 2016، على الرغم من تراجع هذا الزخم في وقت لاحق من العام. قدم الفوتوغرافيون اللبنانيون أعمالاً مبتكرة، مثل أعمال بسام لحود وكارمن يحشوشي وزياد عنتر. لم تقتصر إبداعاتهم على الأساليب التقليدية، بل استكشفوا أيضاً تقنيات جديدة واستجابات فنية غير متوقعة، مما أضاف بعداً جمالياً وثقافياً للأعمال المعروضة.
التميز والتحديات
تميزت بعض الأعمال الفنية، مثل أعمال "غسان زرد"، بالنحت الغرائبي الذي يتسم بمفاهيم المادة وسرياليتها. هذه الأعمال قدمت بعداً جماليًا فريداً يعكس تطور الفن التشكيلي في لبنان والعالم العربي. ولكن، لا يمكن إنكار أن بعض المعارض في لبنان لم تستطع مواكبة التطورات العالمية، مما أثر سلبًا على العرض والتفاعل مع الجمهور.
الابتكار في المعارض
سعت بعض المعارض في لبنان إلى التجديد والابتكار، مثل "غاليري أكزود" الذي ركز على تقديم أعمال متنوعة وإبداعية، وخلق تنويع بين المعارض وسينوجرافيتها بأسلوب يتماشى مع متطلبات العصر. كما أن اهتمام "غاليري أكزود" بالترويج والتسويق الجاد للأعمال الفنية ساهم في دعم الفنانين وزيادة الوعي الفني لدى الجمهور. ومن المؤكد أن هذه الخطوات الإيجابية ساهمت في تعزيز الحضور الفني اللبناني على الساحة الدولية.
متحف سرسق ومتحف مقام
احتفظ متحف سرسق بمنهج معارضه القوية التي تسعى لاكتشاف المميز من اللوحات، مع التركيز على الاستمرارية والقوة بدلاً من الانجراف خلف الجديد فقط. متحف مقام أيضاً قدم مساهمات ملحوظة من خلال أنشطته ودوراته التثقيفية، مما يعكس اهتمامه بالنوعية والجودة. إن هذه المؤسسات الثقافية تلعب دوراً حاسماً في دعم الفن والترويج له، وتستحق التقدير لجهودها في الحفاظ على مستوى عالٍ من الاحترافية في العرض والتقديم.
الصعيد الشخصي والمعارض الفردية
تسليط الضوء على الأعمال الفردية والفنانين الجدد كان من الجوانب الإيجابية في عام 2016. قدمت صالة "ارت سبيس" مجموعة من المعارض التي اجتذبت اهتمام النقاد والجمهور على حد سواء، مثل أعمال الفنان العراقي رسمي الخفاجي والفنان محمد جحا. هذه المعارض لم تقتصر على تقديم أعمال جديدة، بل ساهمت أيضاً في توسيع الذائقة الفنية وتعزيز الحوار بين الفنانين والجمهور.
النهضة الثقافية في طرابلس وعكار
رغم البرود الذي شهدته الساحة التشكيلية في طرابلس وعكار، إلا أن هناك جهوداً ملحوظة لدعم الفن والترويج له. قدمت معارض مثل معرض حسان الصمد في مركز الصفدي الثقافي أعمالاً تهتم بالبيئة وتثير الوعي البيئي. في عكار، استمر النحت على أقلام الرصاص للفنان نعمان الرفاعي في جذب الاهتمام، مما يعكس إبداعاً فردياً يتمتع بخصوصية وابتكار.
التحديات والآفاق المستقبلية
ورغم التحديات التي واجهتها الساحة الفنية، بما في ذلك الصعوبات الاقتصادية والأزمات السياسية، فإن هناك أملًا في تحقيق تحولات إيجابية في المستقبل. تحتاج المعارض والفنانين إلى الاستمرار في الابتكار والتجديد، مع الاستفادة من التجارب العالمية وتبادل المعرفة والخبرات.
في الختام، يمكن القول إن عام 2016 كان عاماً مليئاً بالتحديات والفرص. على الرغم من الصعوبات التي واجهها الفن التشكيلي اللبناني والعربي، إلا أن هناك العديد من المحاولات الجادة لدعم الإبداع وتعزيز الوعي الفني. من خلال الابتكار والاستمرارية في العمل، يمكن للساحة الفنية أن تستعيد حيويتها وتواصل تأثيرها الإيجابي على المجتمع والثقافة.
Doha El Mol
ضحى عبدالرؤوف المل