فن الجينز: بين التناسب والتضاد في نسيج اللوحة

ضحى عبدالرؤوف المل

يمزق الفنان "إيان بيري" (Ian Berry) الأقمشة الجينزية لتكوين لوحات فنية لها صداها البصري لما تحتويه من امتلاء بصري ناتج عن تضاد الألوان في الأقمشة التي يستعملها في الرسم. يمزج بين فن الكولاج المرن وتقنيات التشكيل التي لم يفارقها في البورتريه أو الواقعية الحياتية، عند تصوير مشاهد من الحياة البريطانية وغيرها.

رغم أن الأقمشة لها تجريدها اللوني المتفاوت ضوئيًا بين الفواتح والغوامق، فإنها تساهم في تشكيلات تعبيرية عبر الاتجاهات بين الأقمشة الممزقة بدقة وإيقاعات تنتمي إلى الصدى البصري المنسجم مع الشكل والصوت والتركيب أو الكولاج المتناغم مع الشكل والحجم والمساحة، وفقًا لقياسات الظل والضوء، من خلال الوصف المكتفي بجوهر الفن الهادف إلى إنشاء لوحات تتحدى الريشة واللون وتتوافق مع عناصر التشكيل المتوازنة مع هذا الفن الذي ينطلق من التشكيل ويختلف معه لإبراز المزيد من التأثيرات البصرية النابعة من نسيج الأقمشة وقدرتها على بث الدهشة من المواد غير المألوفة في تكوين لوحة تشكيلية يسودها الانفعال والتعبير المتوازن مع الواقع، بوجدانية جمالية تكتسب صفة الفن وقدرته على الإبداع، والمؤسس لفن يُدعى فن الجينز أو "دينيم آرت" (Denim Art).

هو فن لتنسيق القطع الممزقة من الأقمشة وفق إيقاعاتها وقياسات الطول والعرض ومتانة المساحات المتشكلة وقدرتها على إبراز التنافر والتناغم والتضاد، وتثبيت الظل لإبراز قيمة الضوء الذي يعتمد عليه "إيان بيري" ليحافظ على قيمة اللوحة. كما أنه فن انقلابي النشأة وإبداعي التكوين، متوحد مع الأزرق بدرجاته المختلفة، وبنسيج الأقمشة بمختلف أشكالها المصقلة بصفة الجينز والخيطان المتينة التي تقاوم قساوة التكوين في اللوحة. إذ يصقلها "إيان بيري" بإصابعه والضغط على أطراف الخطوط التي يرسمها باللصق والضغط والقص، وبالتخيلات الصدى السمعي الذي قد يفاجئ البعض في تكوين لوحة تعتمد على موسيقى التأليف البصري للشكل الفني. الأقمشة تبث الحيوية في الألوان وإشعاعاتها الضوئية المؤثرة بمفارقاتها على الظل وجماليته في اللوحة، واختلافات الأنسجة القماشية فيها بين القساوة والليونة، واللون القديم والجديد، أو الذي يقوم "إيان بيري" بتحديثه من خلال إظهار القطع القماشية حتى بأشكالها الهندسية بين المستطيل والدائري والمربع الذي لم يخرج عنه في رسم لوحاته الجينزية.

ففن ليس بالجديد ولا بالقديم، فالأفكار تتجدد من خلال التدوير أو إعادة إحياء المواد من خلال الفن. إلا أن "إيان بيري" هنا تخطى دقة الريشة والخطوط بنسيج القماش، والبحث الدؤوب عن تدرجات ألوانه ونوعية القماش المتناسب مع الرسومات التي يسعى إلى تحقيقها. ليكون إبداعيًا متوازنًا مع تقنية اللوحة وتطلعاتها إلى إظهار جمالية الحياة في شوارع المدن أو في إظهار الوجوه عبر بورتريه يجسد الإنسان وقوته الداخلية التي تعكس قيمة القطع وأسلوب القص واللصق، وحتى التبييض على القماش نفسه المختلف بنوعيته وإن حمل اسم الجينز. إلا أن التفاصيل الفنية غارقة بالصدى البصري والإيقاع اللوني، والتوازن الضوئي والظل المكتحل بنسبة مقاييس قطع الأقمشة التي تتكون منها لوحات فن الجينز المنافسة للفن التشكيلي بمعاييرها التي تهدف إلى خلق الموضوع الجمالي من صلب المادة التي تنتمي إلى نسيج يتلاحم مع بعضه البعض من خلال الرص والضغط واللصق والقدرة على اتباع الخطوط التكوينية المتناقضة مع الأشكال القماشية المكثفة بتمويه مستوحى من الضوء والظل.

من خلال التفاعل مع أعمال "إيان بيري"، يشعر المشاهد بتجربة فريدة تدمج بين الأصالة والابتكار. تُعَبر اللوحات عن تحوير مُدهش للمواد التقليدية، حيث يُمزج الجينز الممزق بطريقة تبعث الحياة في الأقمشة المُستعملَة، محولة إياها إلى قطع فنية تجسد تباينًا بصريًّا مثيرًا. الإيقاع البصري الذي تخلقه القطع الممزقة والألوان المتضادة يمنح الشعور بالتجدد والتحدي، مع الحفاظ على أصالة المواد.

فن الجينز لدى "إيان بيري" يعكس تزاوجًا بين الكولاج وتقنيات التشكيل. الأعمال الفنية التي يقدمها تستفيد من خصائص الأقمشة الجينزية لتشكيل لوحات ذات بعد بصري عميق. يتميز استخدام الألوان المتناقضة بإبراز التباين بين الفاتح والغامق، مما يضيف عمقًا وثراءً بصريًا. يعمد بيري إلى خلق تباين ملموسي من خلال تمزيق الأقمشة وترتيبها بحيث تتناغم مع مفهوم الكولاج المرن، مما يعزز التجربة البصرية ويجعلها تتسم بالديناميكية والابتكار.

تثير أعمال بيري مشاعر مختلفة من التأمل والإلهام. يجلب استخدام الجينز الممزق حسًّا بالثقة والتجديد، إذ يحول المواد المألوفة إلى أعمال فنية تعكس صراعات وتحولات شخصية. عملية التمزيق وإعادة التشكيل تمنح المشاهد إحساسًا بالتغيير المستمر والقدرة على تجاوز التحديات، مما يعكس صدىً من القوة والتجدد. كما تتيح الألوان المتباينة في اللوحات للمشاهد التواصل مع التناقضات العاطفية والتجريبية في النفس البشرية.

فنيًّا، يُعَدُّ فن الجينز لدى بيري مثيرًا للإعجاب بسبب تقنياته المعقدة في استخدام الأقمشة وتشكيلاتها. اللوحات ليست مجرد تجميع للأقمشة الممزقة، بل هي تأليف بصري مدروس. كل قطعة قماش تُضَاف بحذر لتنسجم مع العناصر الأخرى، مما يُنتِج لوحة متكاملة تحافظ على التوازن بين الألوان والنصوص البصرية. تكمن براعة بيري في خلق إيقاع بصري يُظهِر تقنيات متقدمة في القص واللصق والضغط، مما يعزز التفاعل البصري بين الأجزاء المختلفة للوحة.

جماليًّا، يتميز فن الجينز لدى بيري بالابتكار والإبداع. تجمع اللوحات بين الخشونة الملموسة للأقمشة الجينزية والتقنيات الدقيقة في التعامل مع الضوء والظل، مما يُنتِج تأثيرًا بصريًّا غنيًّا. الألوان المتباينة وتوزيع الأقمشة الممزقة يخلقان توازنًا بصريًّا مثيرًا يُضَاف إلى الجمالية العامة للعمل الفني. إن التلاعب بالمواد وإبراز القيم الجمالية من خلال الإيقاع البصري والظلال يجعلان كل عمل فني تجربة بصرية فريدة تتيح للمشاهد استكشاف التناغم والتباين بشكل جذاب.

يبعد كل هذا تضح أن فن الجينز لدى "إيان بيري" يمثل مزيجًا من التقنية والإبداع والرمزية، حيث يتفاعل الإيقاع البصري مع التجربة الانطباعية والنفسية والفنية والجمالية لخلق تأثير بصري فريد.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol