تقنية اللوحة الفنية بين الرؤية والتنفيذ
ضحى عبدالرؤوف المل
تدمج الفنانة سمر غطاس (Samar Ghattass) العناصر الجمالية في موضوع ذي أبعاد ثنائية، مما يؤدي إلى تحقيق النمط التعبيري عبر تقنية اللوحة الفنية بين الرؤية والتنفيذ. تتناول جوانبها الحسية والمعنوية التي تعيد للمعنى والمبنى الفني جماليته الخاصة من حيث غرابة الأسلوب بين التصميم والتنسيق، وظهور التصوير والكولاج والمزج مع الألوان والأحجام والمساحات التي تمحورت حول الأبعاد ودلالاتها الفوتوغرافية الخاضعة لتقنية التصوير. كما يتجلى التلاعب المتناسق بصرياً في الحركة المغايرة أو التضاد الأسلوبي المتسم بالوضوح والبساطة والتعقيد، لتمسكها بأطراف متعددة من مفاهيم الفن التشكيلي والمفاهيمي والتصويري، والكولاج وما إلى ذلك من معالجات عبر وسائط مختلفة، تساعد في جنوح الخيال نحو سريالية الواقع الذي ترمي إليه الفنانة سمر غطاس، أو الإنسان المقيد فكرياً واجتماعياً، والذي تضيق عليه دوائر الحياة، وتتركه وسط مسببات تسيء إلى جماليته وتتركه على هامش الحياة بحتمية العلل الحياتية والإنسانية التي تنساب في لوحاتها.
تشكل موضوعات إنسانية لها جماليتها المحسوسة وحقائقها الوطنية المغلفة بأوجه شبه ظاهرة ومخفية وسط الأبعاد وتكويناتها الطبيعية المندمجة تقنياً، والتي تشمل جمالية الصورة ودلالتها بل ورمزيتها في اللوحة التشكيلية. تظهر صراعات فنية تتجسد في لوحة ذات واقع مملوء بالانفعالات والقضايا السياسية والاجتماعية، والعوائق المرتبطة بفلسطين، وبالفن بحد ذاته، وكأنها تنتفض على عناصر اللوحة، لتمزج عدة أساليب في اللوحة لاستخراج الموضوع بجمالية الأسلوب، وتقنيته الملامسة للرؤية الداخلية، وارتباطها بالصراع الفلسطيني القديم الجديد، متحدية بذلك النموذج الفني الكلاسيكي عبر عدسة خاصة تستخدمها تصويرياً.
لتكون اللوحة الجزء الأساسي لمجموعة مفاهيم لا يمكن فصلها بصرياً عن بعضها البعض، لتشكل نموذجاً خاصاً في الكولاج والمزج والتصوير والخلق الفني المتمرد على الواقع وقساوته المؤطرة بالحدود، والمتوقدة إنسانياً بالمعاناة والتطلع إلى التحرر، حتى تكاد شخوصها توحي كأنها تحاول الخروج من اللوحة بصرخة بصرية حادة التوهج، التي تختزل قضية الإنسان المقموع والمحاصر بالفراغات المخيفة الشبيهة بالكوابيس الغامضة الناشئة من الصراع بين المغتصب وصاحب الحق. فهل الفنان الفلسطيني تائه بين حدود وطنه كما تاهت عناصر اللوحة في أعمال الفنانة سمر غطاس؟
وعي فني يهدف إلى محاكاة الواقع الإنساني في قضايا الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، ليشحذ بصرياً التصويرات بأسلوب مفعم بالمعاناة الإنسانية العامة. وبدلالات مجازية تحمل مفهوم الصمود والتحدي، وكأنها تحاول تأصيل الأسلوب عبر مجموعة أساليب تمزجها، لتقدم فنياً لوحة ذات هوية خاصة من الداخل فلسطينية، ومن الخارج استنكارات ذات صرخة قوية فنياً انسجمت مع عفويتها في الكولاج والأبعاد والفراغات والمعالجات الفنية، والحركة الغامضة المركبة أو المحبوكة بنسيج تقني ذي ملامح تعلوها الحقائق الحالمة بالحرية، وتخطي الحدود الإنسانية والاجتماعية المغلقة فكرياً وفنياً، وحتى سياسياً واجتماعياً، وتمثل واقعية سريالية لا يمكن تصديقها أو قبولها أو الاقتناع بها، وتقاوم التشكيل والتصوير والتصميم، والأبعاد بعيداً عن اللهجة السياسية البحتة، مقاومةً تعبيراً عن أزمة تحاول تجسيدها بهذا الأسلوب وصراعاته الأسلوبية على أرض اللوحة.
نسيج فني تأويلي في تطلعاته الممزوجة بإيحاءات تثير فكرة التحرر للانطلاق نحو خروج من الأزمة الفلسطينية بصرياً، وفق مساحات اللوحات ذات الصياغة المفاهيمية نوعاً ما والسريالية بتركيبها. إلا أنها ملتزمة بالتشكيل ومتعارضة معه، لأنها تتضاد مع الأبعاد وتتصارع مع الأسس التي تتشابك مع الألوان المتجددة برؤاها وفضاءاتها ذات المدارات التعبيرية والهواجس المتناقضة انفعالياً، وبسرد جزئي واقعي يميل إلى حضور أزمة الصراع الإنساني المتجذرة في القضية الفلسطينية ذات الأسس الفنية في لوحات الفنانة سمر غطاس، والتي تشي بعدة أزمات يتعرض لها الإنسان ضمن بوتقة الاحتلال الفكري والفني.
اللوحة التي تقدمها الفنانة سمر غطاس تعكس انطباعًا قويًا وعاطفيًا يعبر عن الصراع الداخلي والإنساني. الانطباع الأول الذي يتركه العمل هو الشعور بالتوتر والحركة، حيث تشع الألوان والخطوط والفراغات بمزيج من التعبير الحاد والمعقد. الأشكال المتعددة والألوان المتباينة تعزز الانطباع بالإيقاع المتغير، مما يخلق تجربة بصرية ديناميكية تستقطب المشاهد إلى عالم مليء بالمشاعر والأزمات.
تتناول اللوحة قضايا سياسية واجتماعية معقدة، تتمحور حول الصراع الفلسطيني وتبعاته على الإنسان الفلسطيني. يظهر في العمل تباين واضح بين الأبعاد والتفاصيل، مما يعكس الصراع والتوتر. الأسلوب المميز للفنانة يجسد الصعوبات والمشاكل الاجتماعية والفكرية، باستخدام تقنية الكولاج والمزج بين الألوان والأحجام، لتسليط الضوء على الأبعاد المختلفة للواقع الفلسطيني.
تتناول اللوحة مشاعر القلق والحصار والصراع الداخلي. الأشكال التي تظهر كأنها تحاول الخروج من اللوحة تعكس مشاعر الاختناق والضغط، في حين أن الفراغات المخيفة تبرز الشعور بالعزلة والخوف. الفنانة تعبر عن معاناة الإنسان الفلسطيني بشكل يتجاوز الشكل الظاهري ليصل إلى العمق النفسي للمشاهد، مما يخلق تفاعلًا عاطفيًا مكثفًا مع العمل.
تعتمد سمر غطاس على تقنيات متعددة مثل الكولاج والتصوير والمزج بين الألوان والأحجام لخلق تأثير بصري معقد. الأسلوب الفني الذي تتبعه يتسم بالتمرد على النماذج الكلاسيكية، حيث تدمج بين الأساليب القديمة والجديدة بشكل مبدع. هذا المزج يعكس الصراع بين التقليدي والحديث، بين الوضوح والغموض، مما يساهم في خلق تجربة بصرية غنية ومعقدة.
الإيقاع البصري في لوحة سمر غطاس يتسم بالتنوع والتغير المستمر. الألوان والأشكال تتناغم وتتناقض بشكل يخلق إيقاعًا متقلبًا، حيث تتدفق العناصر بشكل يوحي بالحركة والتغيير. هذا الإيقاع البصري يعزز التأثير الدرامي للعمل، حيث تتنقل العين بين الأجزاء المختلفة للوحة، من الألوان الزاهية إلى الألوان الداكنة، ومن الأشكال الحادة إلى الأشكال الناعمة. التباين في الإيقاع البصري يعكس التوتر والتضاد في المواضيع التي تتناولها الفنانة، مما يساهم في تعزيز التأثير العاطفي والبصري للوحة.
اللوحة من مجموعة متحف فرحات
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol