يحملون مفاتيح هي نفسها

قراءة في كتاب "غيمة اربطها بخيط" للمؤلف عبده وازن

يخفف المؤلف عبده وازن في كتابه "غيمة اربطها بخيط" من حدة الظمأ في واقع ذو رؤية متماسكة بتسلسلها المشبع بالدوافع الإيحائية تخيليًّا، تاركًا للذات قدرتها على صياغة الأحلام برمزية الواقع المموه، والمثقل بالظلال العالقة كالخيط أو الجامدة في فضاءات يحركها بالمعاني والمصطلحات التي تبددها الغيمة، كالكلمة الواضحة التي تجوب الكتاب. أو كغيمة يسحبها وازن بخيط لأنها تتصل بالترابط والتشابه بين الإنسان والحياة والغيمة التي تبدأ من قطرة ماء وتنتهي حيث تتجدد، كمتاهات النفس التي تتخبط بين الحقيقة والخيال والسريالية والتصوف. ليرصد وازن في كتابه الحيوات في نصوص يشد أوصالها بخيط الوعي الهارب مع الأحلام، كابن آدم منذ الأزل، فكانت وقفته مع قايين وهابيل.

مفاهيم ذات عناوين لها ملامحها التكوينية الغائمة والظمئة والمشبعة. ليستطلع مع القارئ ما تخفي غيمته المتجاوزة عن الأبعاد المادية للحياة التي يفارقها كغيمة ويعود إليها كقطرة ماء مع تابوت وتوأم وصلاة عن راحة نفس، ليتجلى حضور الكتاب المجهول بهوامشه في بداية اشتد فيها اضطرابه وهو يكتب: "المزيد من الجمل على هوامش الصفحات الأخرى بالقلم الرصاص نفسه". فهل من رابط مشترك بين القلم والخيط الذي يسير على الصفحات بتماسك وانسياب، ليترجم ما تسوله النفس وما يستنتجه العقل، بل! وما تثيره المشاعر من عواطف ينثرها الكاتب كقطرات ماء تسكبها غيمة قطرة قطرة، أو كالعين المرافقة، لمشاهد تتبلور مع الأيام وحصادها، ليحث غيمته على التفكير بما يجري في الكون من الماضي حتى الحاضر، وربما في بعض قفزات نحو المستقبل، دون أن ينسى قضية المفاتيح التي يحملها الأجيال تباعًا لتحقيق الأمن والاستقرار لأوطان ضاعت وبيوت جرى احتلالها وصولاً إلى الأرض البيضاء أو الكوكب الأبيض والأشد بياضًا من الأبيض نفسه، دون أن يصيب القارئ بهلوسات وتخيلات، إنما بتحديد الرؤية أو الغيمة ودورة الحياة فيها كقطرة ماء تسقط منها وتعود إليها، لتتشكل كما تشكلت الكلمات وأصبحت نصوصًا مربوطة بقلم وأفكار تتقد ولا تتطابق، لأنها غيمة واحدة لا تتشابه معها الغيمات الأخرى التي استبعدها بالجمع وتركها بالمفرد. فاقتصر الفعل الحركي على النصوص وعناوينها وما تحمله من مجاز ورمزية وسريالية، وبمواصفات أدبية ترتبط بشكل قوي بالوجدان الإنساني.

غيمة هي البؤرة الأساسية لمسار النصوص المولودة من الواقع، والسابحة في فضاءات السريالية والتخيلات والتفسيرات المتروكة للقارئ وفق قدراته في تشكيل المعنى. أو الصورة المستخرجة من النص ببساطة لا يمكن نفي الفلسفة عنها، لأنها تحمل في طياتها اهتمامات اجتماعية أدبية وسياسية، وما ورائيات وإيمانيات ونقدًا للحكايا والمقولات والأساطير، وللكثير من القصص المرتبطة بمبدأ التأثر بما سبق. من قراءات، ما هي إلا الخزين المتميز في الفكر الذي يستطيع سبك التحليلات الخاضعة للإدراك، كتراب بين الإنكار والرفض واليقين، إن الإنسان من تراب والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. وما بين أحرف وألوان اختلاط لامتشاج زرقة شديدة الكمود لم تتوقف حيث راحيل ولا على الشاطئ، وكأننا نستطلع أحلام "عبده وازن" قبل أن يدخلنا متاهة تفسير النابلسي واستخلاص قيمة الحلم الذي يتحقق بعد إشارات نفسية وتأويلية ترتبط بحركة الإنسان النائم والصاحي، والمتصارع مع الجسد والروح والصحو والغفوة. والإنسان الذي يلد نفسه عبر الأدوار الحياتية التي تتجدد، فمن يحلم بمن؟ ومن يحقق أحلام من؟ ومن الذي يبحث عن الحياة في غيمة ما هي إلا قطرة ماء تنزل الأرض وتتبخر وترتفع إلى الغيمة لتعاود النزول مرة أخرى، ويربطها عبر كلمات وعناوين في كتاب آخر. فهل الحلم حارس النوم والنوم أرض كنوزه؟ وهل العنوان للتوضيح والتفسير والنقد والتأويل منتقيًا بذلك "عبده وازن" أحلامه؟

الزهرة السوداء والتبادل القصصي، والتوارث المفهومي للمعنى الذي يوحي بعدة معاني لمضامين وأساليب، وتأويلات نستعيرها من مخزون الوعي واللاوعي، وواقع يبدأ من حلم نستعيره من الأحداث السابقة والحالية، نفارقه ونتركه على قارعة الطريق، أو على رصيف لمشاة يسيرون في دروب رسمناها. ربما! في دفتر رسومات لاستعارات رمزية وإشارات مجازية أشبه بالزمن الذي يتعاقب ويدور دورته مع الأفكار والرؤى، والمفاهيم الذاتية التي تتفجر من عدة قراءات وحيوات كوريقات تتهاوى في الهواء. إذ يرتكز تعامله مع النصوص على مبدأ الصياغة من منظور الكينونة الأدبية الغارقة، بالإمكانية الحالمة والمتداخلة بالمعاني مع بعضها البعض، كالأحلام داخل بعضها البعض أيضًا. ليطلق النص من الخاص إلى العام وبلانهائية متعددة بتعدد التخيلات ضمن القراء أنفسهم. كما أن لكل نص ارتباطه ومعناه كنص "أنسي الحاج" وصديقه عقل، تاركًا للجملة الرمزية أن تؤدي المعنى الذي يتهرب منه وازن: "أنا لم أعد أسكن هنا، ألا تعلمان؟" فهل تتغير أمكنة الإنسان في الحلم كما الموت؟

ما بين النص المقروء والنص المتخيل خيط فاصل جامع لصيغة القيمة الممنوحة لاستخلاص تحليلي يصف الحياة، بشدتها وتراخيها، يقينها وشكوكها، لبلورة معنى الغيمة وجمالها الفني في كتاب يعالج موضوع الحلم وجديته أو الحلم على الحلم وصعوبة تفكيكه وتذبذبه بين المعقول واللامعقول، والمحسوس دون أن يدور المعنى حول نفسه في نص واحد. لهذا اعتمد عبده وازن على تقسيم الكتاب إلى نصوص تلتحم مع ذاتية القارئ والكاتب معًا، لتحيا الحقائق في الفصل الأخير بروعة ووضوح يستوجب الشك، بتلازم مسبوق بالعناوين. إذ لم يترك النصوص دون عناوين لها إشاراتها الخاصة لأشياء فكرية وعقلية ووجدانية وغير ذلك. مؤكدًا في نهاية الكتاب على صحة الأحلام، مستبعدًا أن تكون تفاسير بصارات وبصارين يصدقهم كثير من البشر.

تناولت الكتاب من زوايا مختلفة تشمل الواقع والخيال، الأحلام والرمزية، والفن والأدب. يبرز التحليل الموضوعي الأثر الذي تتركه العناصر الرمزية والفنية في تشكيل فهم القارئ لمحتوى الكتاب. إذ يتمتع الكتاب بقدرة واضحة على إحداث تأثير عاطفي عميق. يعكس النص قلقًا وتفكرًا في موضوعات تتعلق بالحياة والموت، والواقع والخيال، مما يعكس الصراع الداخلي للإنسان. يسعى الكتاب إلى استكشاف أعماق الذات عبر الأحلام والتأملات السريالية، ويعكس التحليل النفسي هذا الصراع الذي يشعر به الإنسان بين ما هو واقعي وما هو خيالي. تخلق الرموز مثل "الغيمة" و"الخيط" حالة من الانفتاح الذهني، مما يسمح للقارئ بعبور الحواجز النفسية وفحص أعمق لمشاعره وأفكاره.

يستخدم وازن تقنيات سردية مبتكرة لخلق تأثير بصري قوي. يتناول النص موضوعات تعبر عن التداخل بين الحلم والواقع باستخدام رموز متكررة مثل "الغيمة" و"الخيط". هذه الرموز تعمل كأدوات لخلق إيقاع بصري متغير يعكس التغيرات في الحالة النفسية والمشاعر. السرد السريالي وتوظيف التلميحات الرمزية يعززان من تجربة القارئ البصرية، حيث يتصور القارئ المشاهد والتفاصيل بدقة، مما يجعل النص تجربة غامرة على المستوى الفني.

يقدم الكتاب تجربة بصرية غنية من خلال استخدام الأوصاف الشعرية والرموز الحية. تتشكل المشاهد في ذهن القارئ عبر وصف دقيق وحساسي للألوان والأشكال، مثل "الزرقة الشديدة الكمود" و"التشابك بين الأحرف والألوان". هذه الأوصاف تعزز من القدرة على رؤية النص كعمل فني متكامل، حيث يتجسد الإيقاع البصري في تدفق الكلمات والصور، مما يخلق تأثيرًا جماليًا فريدًا.

يعكس التذبذبات النص في التجربة الإنسانية بين الإيقاع السريع والمراحل الهادئة. يتجلى الإيقاع من خلال التكرار والتباين في الرموز والأفكار، حيث يتنقل القارئ بين الانفجارات السريعة من التفكير العميق والتأملات الهادئة. يتجسد الإيقاع في تدفق النص، من خلال استخدام تقنيات مثل تكرار الصور والتباين بين الأحلام والواقع، مما يخلق تناغمًا بصريًا يدعم الرسالة الأساسية للكتاب.

غيمة اربطها بخيط" يعرض تجربة إبداعية غنية مدروسة جيداً . يقدم النص تجربة معقدة وغنية تعكس التداخل بين الأحلام والواقع. والإيقاع المدوزن في المعاني يعزز من التجربة القرائية ويعكس الحالة النفسية للفرد عبر الرموز والتوصيفات، مما يجعل الكتاب تجربة قراءة غنية ومتنوعة على عدة مستويات.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol