الغول الأزرق في ديوان "جوباما" للشاعر أحمد المعتوق

ضحى عبدالرؤوف المل

استند الشاعر أحمد محمد المعتوق في قصيدته "الغول الأزرق" إلى الدلالة المعنوية للكلمة ومحسوساتها اللغوية لتكون كحضور طاغٍ في معاني ديوانه بأسره. فهو يرصد الكلمات التي تسفر عن الظلم الذي حل في شتاءٍ زعموا أنه سيرحل، لكن طبول العزاء تدق في نواحي الشرق كله ضمن إيقاع شعري منفرد. يظهر "الغول الأزرق" في قصيدة أولى ضمن ديوان "جوباما"، الصادر عن دار الفارابي، ليعيدنا إلى سيرة "الغول الأزرق" الذي غزا الحكايات والأساطير قديماً. فسعى الشاعر أحمد محمد المعتوق إلى كشف كنه هذا الغول أو الموت، وربما أكثر من وجه منحوت على صورة القبور التي تمتد في معارك أوحى لها عبر تحولات رمزية تؤدي إلى الانتقال من حالة إلى أخرى، وهي حالات سلبية لا إيجابية فيها، حيث النحت بالأظافر والمقابر ترسم وجه الموت الذي يترصد البشر بسريالية، هي الواقع المتخيل في قصيدة "الغول الأزرق". فالعنوان بحد ذاته كديوان مستقل يؤدي دور دولة الخوف أو "جوباما"، تلك التي ترمز إلى عدة معاني، وكأنها دولة خوف قائمة بحد ذاتها، بناها الغول الأزرق بأظافر سئمته وانسلخت، أي حين تتبرأ الأعضاء من صاحبها، وحين يتبرأ صانعو الشر من أنفسهم، فينسلخوا عن أبناء جلدتهم وينتهكون القيم والأعراف والتقاليد، ويستنبطون القوانين التي تشبه لعبة لا يمكن فك رموزها إلا في تتبع أوردة المعاني التي يحقنها أحمد المعتوق بدلالات معنوية تأخذنا نحو صور الحروب في الشرق الذي اشتعل، كما اشتعلت الحروب منذ الأزل. "الموت أنت/ وجهك المنحوت صورة قبرك المحفور/ أنت حفرته/ بأظافر سئمتك وانسلخت." وكأن الغول الأزرق هو لعبة الموت التي يتقنها صناع الشر على مر العصور، والتي تتسم بسريالية ملموسة في الواقع ومحفورة في قصيدة هي الموت في دولة الخوف. فهل تخطى الشاعر أحمد المعتوق ترانيم الحياة ليبرز الكابوس المنتفض على الواقع في غول أزرق؟

إيقاع منفرد في قصيدة "الغول الأزرق" فرض الامتلاء في المعنى بحيث تكتفي الدلالة بذاتها، لتكون الكلمة التي بعدها إتماماً للصيغة الشعرية التي انتهجها الشاعر أحمد المعتوق بحوارية عقلانية مركبة، تركيبا كاملاً مكتفياً بذاته: "وأنت في وحل السياسة" و"تعبث بالمصائر كالقضاء" وبتناغم لا تصدع فيه. مما يدفع بالإيقاع الداخلي نحو خصائص مغايرة يلجأ إليها الشاعر لتتواءم مع وحدة النغمة وتتلاحم مع كينونة القصيدة وسكناتها التي تؤلف الحركة وفق مقاييس الأسلوب الذي يتمتع ببنية مشدودة لبعضها البعض معتدلة الأجزاء، ضمن مقاطع تنطوي على تناغم اللفظ والمعنى، والسبك مع التشابه التقني: "وتزعم أنك الراعي الأمين وسادن الكون" وفي هذه بعض من: "وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر" لتكون البلاغة على أشدها في القصيدة: "انتدبت لكي تقيم القسط"، متأثراً بالمفردة القرآنية و"أقيموا القسط بالوزن" التي شدها ليجمع من خلالها حبال قصيدة "الغول الأزرق" الشبيه بفرعون دون الإشارة لذلك. وكأننا ما نحتاجه للخلاص من الغول الأزرق حجارة من سجيل، فهل يشير من خلال ذلك إلى أصحاب الفيل؟

نهج الشاعر أحمد المعتوق لمفردة نحو الإيجاز الشديد "ريب المنون" متخذاً من المفردة القرآنية تأثيراتها القوية وجماليتها اللغوية، وبتقاطع يرتقي إلى الصدى النفسي المرتبط بوحدة الإيقاع: "أو تستخف بمن تضرر في العرين!!" لتشكل المقاطع حركة علو تحوكها رحلة الألم والعذاب بحركة تصاعدية بدأت بالموت وصولاً إلى محنة الإنسان منذ الأزل. الإنسان الذي يلد الذئاب، وهي من الحيوانات التي تتضور جوعاً وتتغذى على جثث قتلاها، وباستبطان واستجلاء ضمن مستويات يتلاعب بها بحنكة المتمكن من اللغة العربية ومعانيها: "وصرت من يلد الذئاب/ وما ذئاب الأرض؟! أرحم منك!/ ما ركب الذئاب عواصف النحس/ التي اعتصمت بحبك" في إشارة إلى من أفلتوا الاعتصام بحبل الله واتجهوا نحو الأبالسة وزمر الشياطين. فهل تهلك الأمم التي لا تعتصم بحبل الله؟ وهل يشير في ذلك إلى ما يجري من تشويه لصورة الإسلام؟

نفس طويل في قصيدة "الغول الأزرق" مع إيجاز اشتدت أوصاله في محاورة اجتهد في جعلها محاكاة اتفقت مع حال رؤياه التحليلية لما هو حقيقة تجري فيما يسمى بالربيع الذي احتضر، والغول الذي انقض قاصداً الفهم والتحليل والاستنتاج، والتطلع إلى ما وراء الكلمة، مستنداً على المرايا التي تعكس الصور حيث تبرز المفردات مكللة بالمعاني القوية أو تلك التي تحمل معها تصورات سريالية، وأخرى داكنة معتمة توحي بالسواد الشديد الخالي من النور أو الضوء لشدة الحدث: "تراقب الأشلاء تأكل بعضها بعضاً وأنت – ومن تخادن من قوارض/ تحتسي لهب الكؤوس تدار في ردهات قصرك/ ذلك الحلك البهيم بنيته وكسوته/ بعظام أسراك اعتصرت قلوبهم." بروحية استمدها من خلو المفردة الجارحة من طبيعة البشر، لإدراك الحدث المهيمن في المكان المعتم، وبمؤشرات بلاغية اجتمعت معها الحواس لتنصهر في بوتقة اللغة التي لجأ إليها أحمد المعتوق ليوضح قدرة القصيدة في تجسيد استكمل بقوة التخييل المرافقة لدلالات المعنى في كلمات ترمز إلى حيوان شديد الأذية والتقلب، وهو كائن أسطوري خرج من الحكايات وسيطر على العقول، وهو قادر على ترك الرعب في النفوس. فهل يجمع أحمد المعتوق السريالية مع الواقع لتستوفي الصورة الشعرية مكانتها في حبكة ناتجة عن ملكة الخيال في استنباط الحقائق التي تجري حولنا؟

صور بلاغية حسية وأخرى ذهنية شديدة التصور تؤدي دورها في تشكيل الفعل وبرمزية تشمل كل الأنماط للصورة الشعرية، سواء تعلق الأمر بدينامية الفعل المشير إلى الإحساس بالفاعل كونه النبع الأساسي للقصيدة أو للتأثر بالنتائج التي يتأثر بها الإنسان المرتبط بمعنى حكاية الغول الأزرق الذي نسمع عنه ولا نراه. وندرك أنه رمز الشر والقتل والحروب والويلات بكلية وجزئية تجمع الشكل المركب من الصور عبر أجزاء تتكاتف فيها التخيلات النابعة من التشكيل الشعري الذي مارسه الشاعر أحمد المعتوق في هذه القصيدة التي جمع فيها أحداث الإنسانية برمتها على مر الزمن، معتبرًا أنها محنة الإنسان الذي يصدق ما لا يراه، فيصبح أسير الوهم وسجين الأسطورة والمتأثر بالخيال الذي يصبح حقيقة. والمعاناة تجر الويلات ليصبح الإنسان تحت سيطرة القوة الشريرة غير المرئية في العالم: "وعثوت واحتقنت جرارك، لم تعد تروى/ غليلك يستغيث ونارك الحرى تغيث/ لتستحيل حجارة السجيل في دمك امتهاناً للبرية/ محنة الإنسان في أزل من التاريخ/ في وله تراكم فوق أكتاف السنين."

قصيدة "الغول الأزرق" تنقل القارئ إلى عالم من الرعب والقلق المتجسد في صورة الغول الأزرق، الذي يمثل تجسيدًا للشر والخوف. الانطباع الأول الذي تتركه القصيدة هو إحساس بالانزعاج من الواقع السريالي المظلم الذي يطرحه الشاعر، مما يجعل القارئ يتساءل عن طبيعة هذا الكائن الذي يحمل في طياته معانٍ متعددة تتراوح بين الموت والخوف والشر.

الموضوع الرئيس للقصيدة هو استكشاف مفهوم الغول الأزرق، الذي يشير إلى الموت والشر من خلال تصورات سريالية وأساطير قديمة. الشاعر يعرض مشهداً يتسم بالظلام والموت الذي يترصد البشر، ويرتبط هذا الكائن بآثار الحروب والدمار. القصيدة تقدم نقداً اجتماعياً وسلوكياً من خلال تصوير الصراع المستمر بين الخير والشر، وفشل الإنسانية في التخلص من التهديدات التي تواجهها.

تعكس القصيدة مشاعر الخوف العميق والقلق المرتبطان بالشر والخوف من المجهول. يعبر الغول الأزرق عن الأبعاد النفسية للموت والموت الروحي الذي يهدد الإنسان، مما يخلق تجربة نفسية مكثفة للقارئ. تشعر النفس بالقيد والإحباط من خلال صوره المظلمة والسريالية، مما يعكس صراعاً داخلياً عميقاً بين الأمل والخوف.

تعتمد القصيدة على تقنية التصوير السريالي والرمزية لإيصال معانيها العميقة. يستخدم الشاعر صوراً حيوية ومؤثرة مثل "الموت أنت/ وجهك المنحوت صورة قبرك المحفور" لخلق تأثير بصري قوي ومؤثر. كما أن استخدام الأساليب الفنية مثل التكرار والتوازي يعزز من تأثير الإيقاع الداخلي ويعكس عمق القضايا التي يطرحها. القصيدة تتميز بأسلوبها المتميز في تقديم تصور فني للحالة النفسية والمعنوية للشخصيات والأحداث.

تميزت القصيدة باستخدام الرمزية والتشبيهات التي تضيف عمقاً للمعاني. تجسد الرموز مثل "الغول الأزرق" الأبعاد المظلمة للوجود وتستعرض الصراعات الداخلية للإنسان. كما أن التشبيهات مثل "بعظام أسراك اعتصرت قلوبهم" تستخدم لربط المعاني بالصور الحسية، مما يعزز من تأثيرها البلاغي. الأسلوب البلاغي يُبرز الصراع بين الخير والشر ويعكس صدى الصرخات الداخلية والخارجية للأفراد في مواجهة الشر.

الإيقاع في القصيدة يتسم بتركيبة إيقاعية معقدة تتناغم مع الحالة النفسية والتوتر العاطفي الموصوف. تعتمد القصيدة على تكرار الكلمات والتراكيب التي تعزز من الانطباع السريالي والظلامي. الإيقاع الداخلي يساهم في تعزيز صورة الغول الأزرق ككائن يهدد ويثير القلق، مما يعكس الصراع الداخلي والخارجي بين الإنسان والشر. التناغم بين الإيقاع والمعنى يسهم في خلق تجربة شعرية مكثفة ومؤثرة، حيث يتحرك الإيقاع بتوازن بين السكون والحركة، مما يتيح للصور الشعرية أن تتفاعل بعمق مع الموضوعات المتمحورة حول الخوف والشر.

قصيدة "الغول الأزرق" للشاعر أحمد المعتوق هي عمل شعري معقد يتناول موضوعات الشر والخوف والموت من خلال تقنيات سريالية وبلاغية متقنة. من خلال التلاعب بالإيقاع والصور الفنية، ينجح الشاعر في خلق تجربة شعرية قوية تؤثر في القارئ على مستويات متعددة، من الشعور بالقلق النفسي إلى التحليل الفني للرموز والتشبيهات المستخدمة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol