ثقافة النحت في الفن الخزفي وجماليته الفنية

ضحى عبدالرؤوف المل

تشيد "كليمانس فان لونن" (Clemence Van Lunen) خزفياتها بتأثيرات تخيلية تثير الافتتان لعفوية التكوين، الذي يختزل تجاربها وتحليلاتها التقنية للمادة والطلاء على السواء. ليبقى الوصول إلى الشكل السريالي نوعًا من العودة إلى حضارات لم تُبلور أسرارها بالكامل، لمعرفة تقنية هذا الفن المشبع بالأشكال الجمالية التي تأخذنا نحو القديم والجديد، لما تحمله هذه المادة الخزفية من العودة إلى المادة الأولى، وطرق وأساليب صناعتها وتغيراتها فيما بعد. فالاصطباخات المستخدمة تتناسب مع الرؤية والأبعاد الزمنية التي توحي بها الخزفيات، وكأنها انتُشلت من زمن غير معروف في العصر الحديث. لتكون فنيًا قادرة على منح البصر قيمة الفن الخزفي وتقنياته المختلفة في التصنيع المؤكسد، والاختزالي على الخزفيات ذات الأحجام الكبيرة التي تتخذ صفة نحتية. إلا أنها تعتمد بالدرجة الأولى على تصنيع المادة وخطورة تماسكها بعيدًا عن تقاليد الخزفيات وصعوبة خلق التعابير في تصاميمها المزخرفة، والتي تتخذ صفة الفخاريات المتحررة من الشكل التقليدي، ومن عدة تقنيات حصرتها كليمانس بالأحجام الكبيرة الموحية بالنباتات والزهور والمزهريات دون تحديد كامل للشكل، تاركة للطينة قدرتها على التمدد دون أن تصاب بتشققات تؤثر على جمالياتها. إنما تمنحها بذلك عفوية الشكل الناتج عن تقنية الاحتراق التي تعتمدها كليمانس في خزفياتها والتقنيات الخاصة التي تحقق جمالية فريدة في هذا الفن.

صناعة خزفية معاصرة تتصارع مع النحت بتقاليد الأشكال الكبيرة وخواصها المتنوعة، وما ينتج عنها من قوة بصرية مستخرجة بتعتيق يوحي بقوة حضارة هذه الصناعة الخزفية ونواحيها البصرية المؤثرة على الحواس، الممهورة بالانصهار الكلي مع الشكل وتطويره، ليحاكي الحواس بأسلوب يعيدنا إلى خزفيات انحصرت أشكالها في القصور القديمة عبر عصور بيزنطية، أو تلك التي تعكس حكايات الشرق القديم التي تؤدي غايتها الجمالية بفلسفة المادة، والقدرة على التحكم بها. أو بالأحرى تطويعها لتتمدد وفق حرارة مدروسة ينتج عنها بلورة للشكل تضيف رونقًا ابتكاريًا محيرًا يتبع لتصاميم كليمانس غير المألوفة في فن الخزف.

تعتمد كليمانس على توليفات مختلفة، لتنصهر بشكل جوهري مع القوام وانعكاساته على ذهن المتلقي بتجانس ينعكس على معنى كل خزفية ومهارتها التقنية في خلق تحولات على الشكل التصميمي الأساسي، وما ينتج من تفاعلات أثناء تشكيلها تبعًا للمعايير المدروسة على المادة الخزفية أو النحتية، إن شئنا التعبير أيضًا. ولكن بتفاعلات كيميائية تشمل المادة ومؤثرات الحرارة عليها والتحكم بسلامتها، لتقاوم الوجود وتثبت جمالها كقطعة أثرية خرجت في العصر الحديث. وهي تتحدى المواد المختلفة، لتقاربها خزفيًا مع المناظر الطبيعية المستوحاة من الطبيعة، وإنما عبر أشكال غير مألوفة تنتمي إلى ثقافة النحت في الفن الخزفي وجماليته الفنية.

من خلال النظر إلى الأعمال الفنية لكليمانس فان لونن، يتجلى انطباع قوي ومميز يرتبط بالجمع بين التقليدي والمبتكر. تثير خزفياتها إحساسًا بالدهشة والافتتان بسبب عفوية التكوينات وتجاربها في استخدام المواد والطلاء. هذه التكوينات تعكس حركة غير متوقعة، متحررة من الأساليب التقليدية، مما يخلق نوعًا من الإيقاع البصري الذي يعزز التجربة البصرية. تعكس الأعمال انطباعًا عن العودة إلى عناصر حضارية قديمة، حيث تجسد عملية دمج الماضي بالحاضر بمهارة فائقة.

تسعى كليمانس فان لونن إلى استكشاف التفاعل بين المادة والتقنية في الفن الخزفي. تقدم أعمالها دراسة عميقة لمواد الخزف وتأثيراتها عند استخدام تقنيات الاحتراق والتصنيع المؤكسد. تركز أعمالها على التكوينات الكبيرة الحجم التي تتخذ صفة نحتية، مما يعكس تفاعلًا بين الكتلة والشكل. تتناول أيضًا موضوعات تتعلق بالنباتات والزهور، ولكن بأسلوب غير تقليدي، مما يتيح استكشاف الجماليات من زوايا جديدة.

تثير خزفيات كليمانس استجابة معقدة من المشاهدين، حيث تُحفّز الأحاسيس وتدعو للتأمل. التركيب العفوي والتغيرات غير المتوقعة في الشكل يمكن أن تخلق إحساسًا بالتوتر أو الهدوء، اعتمادًا على كيفية تفاعل المشاهد مع الأعمال. الأعمال تشجع على التأمل في العلاقة بين الشكل والمادة، مما قد يدفع المشاهدين للتفكير في التأثيرات النفسية للألوان والمواد المستخدمة. تجسد الأعمال أيضًا عملية تحول النفس في تقبل الجماليات الجديدة وغير التقليدية.

تتسم أعمال كليمانس فان لونن بالتفرد في استخدام المواد والتقنيات. تعتمد على مزج تقنيات النحت مع الخزف بأسلوب مبتكر، مما ينتج عنه تأثيرات بصرية غير معتادة. يتميز العمل بتفاصيل دقيقة وتوليفات متعددة تعزز من الإيقاع البصري. التكوينات الكبيرة والخطوط الحرة تعكس تمازجًا فنيًا يجمع بين الدقة والعفوية، ما يجعله تجربة بصرية فريدة.

تبرز خزفيات كليمانس من خلال جماليات غير تقليدية تدمج بين العناصر الطبيعية والفنية. الألوان والملمس والتشكيلات تخلق تباينًا بصريًا يجعل كل قطعة فنية تجربة بصرية فريدة. التقنيات التي تستخدمها في الاحتراق وتكوين المواد تمنح أعمالها قيمة جمالية فريدة، حيث تعكس تأثيرات الزمن والأصالة. التصاميم غير التقليدية تُعزز من الإيقاع البصري، مما يجعل المشاهدين يتفاعلون بشكل أعمق مع العمل الفني.

، يمكن اعتبار أن أعمال كليمانس فان لونن تُحقق توازنًا بين الحركة والسكون. الإيقاع البصري هنا يعبر عن التوازن بين التكوينات العفوية والتفاصيل التقنية الدقيقة. التباين بين الأشكال الكبيرة والملمس المتنوع، بالإضافة إلى استخدام الألوان والتقنيات المختلفة، يخلق حركة بصرية تتنقل بين الأجزاء المختلفة للعمل الفني، مما يحفز العين والمشاعر في آن واحد. تُقدّم الأعمال تجربة بصرية تتيح للمشاهدين استكشاف الإيقاع والتكوين بطرق جديدة ومبتكرة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol