تكوين فني يبقي العين في حالة بحث عن المعنى
ضحى عبدالرؤوف المل
يتألق نسيج اللوحات في أعمال الفنانة "أحلام عباس"، الغارق بالعناصر الجمالية عبر خامات بدائية تستخدمها تقنيًا في تكوين فني يبقي العين في حالة بحث عن المعنى المتغلغل بين المسطحات الأحادية اللون، وبتوزيع حركي لفن الطباعة والحفر على الخشب، مما يفسح المجال لابراز الخطوط الدقيقة في هذا النوع من الرسم الذي يعتمد على الوسائل البدائية في صقله وتحديثه وبراعة مفاهيمه التي يتقنها الفنان، ويقدمها ببصمته الخاصة، وإن توحدت الأساليب. فالمنظور الواقعي في أعمال الفنانة "أحلام عباس" مغمس بالتعبير الشفاف عن حالة قائمة بشكل عام، وإنما ضمن اختلافات واضحة في الحجم والشكل واللون، والنماذج التي تميل إلى الديناميكية لإظهار السياق الخارجي متكيفًا مع المحاكاة، لذوبان الأطر الجامدة والتقليدية عن هذا الفن الحيوي رغم بدائيته ووظائفه الجمالية المفتوحة على عدة تساؤلات معقدة.
فإن اللوحة تختزن الكثير من الزخرفات أو التطريز أو ما يشبه الخطوط المتشابكة أو المنمنمة أحيانًا، والمستوحاة من هندسيات الخطوط وفضاءاتها الداخلية التي تجسد الأبعاد والرؤية التي تهدف إلى خلق علاقات بين الخطوط والألوان والأشكال ضمن مساحة منظمة تظهر من خلالها التفاعلات الفنية المتمثلة بأحداث تحددها الفنانة "أحلام عباس" بشاعرية خلاقة.
تستند المعالجات الفنية إلى التقنية في الأداء الذي يوفر بدقته جمالية ذات تأثيرات بصرية تستتر فيها تنوعات تتجاوز حدود الطباعة إلى التشكيل والحفر، والالتزام بالمعايير والفيم التي تساعد في توليد الأشكال عبر إيحاءات حركة الخطوط الممتدة على مساحة اللوحة. كما تسعى لاستخراج الترابط وقيمته بين الشكل والخامات، وقدرتها على خلق تحولات شكلية منقوشة أو مرسومة باستخدام الطباعة الحبرية، للتلاعب بالتفاصيل وعلاقات الشكل المرتبطة ببعضها البعض من حيث المزج بين الرؤية والشكل النهائي للوحة وآلية ترجمة المعنى الحسي، بتبطين يعتمد فيه الفنانة "أحلام عباس" على رمزيات الألوان الباردة والحارة، ومعانيها كالأحمر والأزرق مع الأسود والأبيض وغيره، لتثير الذهن عبر أبعاد الألوان ورمزيتها في عملية الصقل الطبيعي للأشكال التي تتوالد تباعًا، لإعادة الترابط المعتمد على تلاحم أركان اللوحة والمعاني المتدفقة بحيوية إلى ما لا نهاية، كجداريات مرسومة وفق متغيرات زمنية تعيدنا إلى الفن القديم الجديد، وكيفية المزج بين التقليدي والحديث، ضمن التشكيل وأهدافه التي تحقق تشكلات تلائم المشهد المرسوم أو التكرار بمقاييس مختلفة تبعد البصر عن الروتين أو التعقيد ببساطة جمالية.
تسيطر حركة الخطوط على الأهداف الوظيفية في اللوحة لتمنحها انعطافات بالملمس والشكل والفراغات والضوء والظل. إذ توفر الفكرة في أعمال الفنانة "أحلام عباس" انطلاقة لبنية المظهر الخارجي للوحة بمناوراتها للأساليب المستخدمة في تحقيق جمالية تعشش في المفردة التكوينية وتحولاتها. لتحاكي المرأة والطبيعة والشهيد والحروب، والمقاومة الفلسطينية برمزية تمتد إلى الطبيعة وزخارفها المتصلة بالحالة النفسية من حزن أو فرح أو تفسيرات تتم عبر اتباع نهج الحفر على الخشب، بأبعاد ثنائية تؤدي دورها المنتظم والمتشابك أو المترابط مع خصائص تنقلنا من حالة إلى حالة، عبر لحظة زمنية هي رسالة تنتمي إلى عدة رموز وتفسيرات قابلة لإثارة جدلية معنى اللون وجوانبه التأثيرية في فن الطباعة والحفر على الخشب، وفق عدة محاور وأشكال لها اتجاهاتها ورؤاها ونبضها المقاوم للمعاني الداخلية والخارجية والخصائص البصرية لهذا الفن.
عند النظر إلى أعمال الفنانة "أحلام عباس"، يتجلى في أول وهلة إحساس عميق بالتركيز على التفاصيل الجمالية والنسيج البصري. تستحوذ اللوحات على الانتباه من خلال توازن لوني ديناميكي وتفاصيل دقيقة، مما يخلق حالة من الاستكشاف المستمر للمعاني. الإيقاع البصري في أعمالها يعكس تنوعًا في الإيقاع الداخلي والخارجي، حيث تتناغم العناصر البصرية بنسق يتراوح بين الثبات والحركة، مما يجعل العين في حالة بحث دائم عن المعنى.
تعكس أعمال "أحلام عباس" استخدامًا مبتكرًا للخامات والتقنيات التقليدية مثل الطباعة والحفر على الخشب. الأسلوب الذي تتبعه يدمج بين التقاليد والحداثة، مما يمنح اللوحات طابعًا فنيًّا يعبر عن مزيج من الرؤية الواقعية والتعبيرية. يتضح من خلال موضوعاتها التزامها بالقضايا الاجتماعية والثقافية، حيث تعالج موضوعات مثل المقاومة الفلسطينية والطبيعة والحالة النفسية، مما يضفي على الأعمال طابعًا رمزيًّا ومعنويًّا عميقًا.
تنقل أعمال "أحلام عباس" مشاعر معقدة تتراوح بين الحزن والفرح والبحث عن الذات. يمكن أن يُنظر إلى أعمالها على أنها تعبير عن التجربة الإنسانية وتفاصيلها الدقيقة. استخدام الألوان والخطوط يخلق توترات بصرية يمكن أن تعكس الصراعات الداخلية والتجارب الشخصية للفنانة. المشاهد قد يشعر بالانجذاب أو القلق بناءً على كيفية تفاعلهم مع الأنماط والتفاصيل الموجودة، مما يعكس التأثير العاطفي العميق للأعمال.
يتميز أسلوب "أحلام عباس" باستخدامها للتقنيات البدائية بشكل مبدع، حيث تجسد المهارة التقنية في الطباعة والحفر عبر تقنيات معقدة وعناصر دقيقة. هذا الأسلوب يبرز قدراتها في معالجة التباين بين الضوء والظل والملمس، مما يضيف بُعدًا ثالثًا للأعمال المسطحة. الأشكال والخطوط المرسومة تُظهر إيقاعًا بصريًّا متوازنًا، مع توزيع حركي يعزز من تفاعل المشاهد مع العمل.
تتسم أعمال "أحلام عباس" بجاذبية بصرية قوية من خلال استخدامها الألوان والخطوط لتكوين لوحات تمتاز بالتناغم والتباين. الإيقاع البصري في أعمالها يعكس إحساسًا بالاتساق والتنوع في الوقت ذاته، حيث تدمج بين الأساليب التقليدية والمعاصرة بشكل يُظهر البراعة في المزج بين العناصر الجمالية المختلفة. التكرار والتنظيم في التكوينات يخلق إيقاعًا بصريًّا يسهم في بناء تجربة بصرية متكاملة، مما يعزز من قيمة الأعمال الفنية من الناحية الجمالية.
تعكس أعمال "أحلام عباس" قدرة فنية هائلة على دمج الإيقاع البصري مع التقاليد والابتكار، مما ينتج عنه أعمال تُعتبر تجربة بصرية ووجدانية ثرية. الإيقاع البصري ليس فقط عنصرًا جماليًّا، بل هو أيضًا أداة تعبيرية تعزز من فهم المشاهد للأبعاد الرمزية والعاطفية في أعمالها.
اللوحة من مجموعة متحف فرحات
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol