كوامن تعبيرية فجرتها ريشة الفنان عادل قديح

ضحى عبدالرؤوف المل

يرتّق الفنان عادل قديح الألوان لتتضح المعاني التعبيرية والتجريدية في لوحاته، وتثير الكثير من التساؤلات عن المضمون الإنساني الذي يتجلى في الوجوه، وكأنها خرجت من الحياة بمغزى جمالي، وهو القدرة على البقاء رغم المحن والصعوبات التي يمر بها الإنسان. فتتكون شخوصه من مزيج الأشكال المتقطعة وفق الرؤية التي يبطنها بزهو الألوان وانعكاساتها الداخلية على النفس، كالأسفر والبرتقالي ورمزية كل منهما، لينفرد الأزرق مع الأبيض بالمعاني الحياتية الظاهرة في لوحات لا تُمثل إلا كوامن تعبيرية فجرتها ريشة الفنان عادل قديح، التي تترجم المسيرة الإنسانية التي تتسلح بالزمن المنفصل عن بعضه البعض، والمتلاحم مع الأماكن ومع الإنسان في شتى تجلياته أو معاناته، أو بالأحرى حالاته النفسية المختلفة، المرتبطة بتدرجات ألوانه، أبرزها الأزرق، مع الحفاظ على معايير الضوء والظل في لوحة تبث الأمل رغم ما فيها من كوامن تشتيت أو تمزيق أو تقطيع لمراحل متعددة بالمضمون والأسلوب والأفكار، بتوليف تناغمت فيه العناصر ضمن صياغة مبطنة يتيه فيها الذهن قبل أن تعصف به الذكريات، وبتضاد حسي بين المتلقي واللوحة.

حركة ضوئية في الألوان، وبين التواءات الخطوط التي يتلاعب بها لتكوين علاقات متينة ترتبط بين بعضها البعض. إن بين الألوان أو بين الخطوط، أو حتى عبر الإيحاءات التعبيرية والتجريدية التي تختزن بإرهاصاتها الكوامن والأسرار التي تنبثق بين الفواصل أو ضمن ثغرات الفراغ التي تجسد حوارات صامتة، ومحاكاة حسية بتفاعلاتها الجمالية التي تمحو التشاؤم وتمنح الفرح، وكأنها تقاوم التشتت بالاستقرار، والتمزق الإنساني بإعادة بناء النفس التي تتماسك وتعيد بناء ذاتها عبر قدرات الإنسان التي تقاوم وتفرض البقاء. فهل كوامن الألوان في لوحات الفنان عادل قديح هي لغة متينة ترتبط بالعلاقات الإنسانية الممزقة التي تعيد بناء نفسها بعد كل أزمة تمر بها؟

تحولات لونية ومتغيرات ضوئية يسير معها البصر ببطء ويغوص في أعماقها ليستكشف الداخل مع الألوان التي تعكس قيمة بعضها البعض وفق كنايات يستخدمها الفنان عادل قديح ليؤثر على البصر والتفاعلات التي تتحرك تخيليًا من شكل إلى شكل آخر، وببراعة فنية مصقولة بفلسفة العلاقات الإنسانية المرتبطة بالأرض والهوية، والعودة إلى الذات ضمن تعبيرات حصرها في الوجوه، وضمن معاني الألوان الانقلابية في مغزاها، كأنه يقول للحزن وجهين أصفر وأزرق، وللحياة ألوان السماء والتراب، وبين الرحيل والبقاء يبقى الإنسان أرقى الكائنات. وهذا ما يجعله يتمسك بالالتفاف أو الالتواء للخطوط القصيرة تاركًا للخطوط الطويلة تقاطعات تتيه مع اللون، وتنطمر مع شفافية الحركة في الانتقال من معنى إلى معنى آخر، وفق رؤيته الإنسانية التي انطلق منها في تشكيل كوامنه التعبيرية والتجريدية في لوحات تجسد الحياة وجمالية الأحداث التي تنشأ خلال مسيرة الإنسان فيها.

فتح الفنان عادل قديح لوحاته على تقنية معقدة الصياغة بين الخطوط المفتوحة والمغلقة، وإن بدت بسيطة في نسيجها الخارجي المؤثر على التخيلات البصرية من خلال التقييد بنسبة محددة من الضوء في استخدام الألوان، ومعاييرها المحسوبة مع أوقات الرسم وأثناء صقل اللوحة التي تهيمن عليها فترات تاريخية ارتبطت مع الأصفر والأحمر الخفيف ضمن لطشات تنقلنا من الهدوء والسكون إلى الحركة والتوهج، وبحيوية تتكامل فيها المتناقضات، خصوصًا الظل والضوء ونفادها، وكأنه يمجد قوة الحياة.

من خلال رؤية أولية لأعمال الفنان عادل قديح، يمكن القول أن تأثير لوحاته هو تأثير فوري وعاطفي. الألوان الزاهية والتكوينات المتنوعة تخلق تأثيرًا بصريًا قويًا يثير مشاعر متنوعة لدى المشاهد. الأعمال تنقل إحساسًا بالتحول والتغيير، مما يجعل المشاهد يتفاعل مع العمل بشكل مباشر ويشعر بعمق التجربة الإنسانية التي يعبر عنها الفنان.

تركز أعمال قديح على التعبير عن الوجود الإنساني في مواجهة التحديات والآلام. تكوينات الألوان المتقاطعة والشخوص المشوهة أو المتعددة الأبعاد تعكس التوترات والصراعات الداخلية، وتربط بين الألوان والرموز لتعكس الحالة النفسية المعقدة للفرد. الرمزية التي يستخدمها قديح تُبرز التناقضات بين الاستقرار والتشتت، وتجسد مقاومة الإنسان للتحديات عبر تجسيد الأمل والتمسك بالحياة.

تعكس أعمال قديح حالة من الصراع الداخلي والتوتر العاطفي. الألوان القوية والتباين بين الضوء والظل تشير إلى حالات نفسية متعددة، من الأمل إلى الحزن، والتجدد إلى الانكسار. الشخوص التي يظهرها في لوحاته تعكس تجارب الإنسان الشخصية ومعاناته الداخلية، مما يتيح للمشاهد التفاعل مع العمل على مستوى شخصي وعاطفي.

يتميز أسلوب قديح بالابتكار واستخدام الألوان بشكل متنوع لخلق تأثيرات بصرية قوية. اللعب بالخطوط والتموجات والضوء يعكس ديناميكية الحركة والتغيير. التقنية المعقدة التي يستخدمها في صياغة اللوحات، مثل التلاعب بالخطوط المفتوحة والمغلقة، تعزز من الإيقاع البصري وتساهم في خلق توازن بين العناصر المتناقضة في العمل الفني. الإيقاع البصري يظهر من خلال التدرجات اللونية والتحولات بين الألوان الساخنة والباردة، مما يضيف عمقاً وتفاعلاً للوحة.

توفر لوحات قديح تجربة بصرية مثيرة وثرية. الألوان النابضة والحيوية تتناغم بشكل مميز مع التكوينات التجريدية، مما يجعل كل لوحة تجربة بصرية فريدة. الأسلوب الذي يتبعه الفنان يدمج بين الجمال الفني والرمزية العميقة، مما يجعل المشاهد يتأمل في الجوانب الجمالية والفلسفية للعمل الفني. الجمالية في أعمال قديح لا تقتصر على الجمال البصري فحسب، بل تشمل أيضاً الجمال الفكري والعاطفي الذي يقدمه العمل.إذ تعبر لوحات قديح عن مشاعر عميقة وصراعات إنسانية. التعبير يتم من خلال الألوان والتكوينات التي تخلق تأثيرات فنية تعكس مشاعر الأمل، الألم، والتمسك بالحياة. الشخوص والرموز التي يستخدمها تعزز من الرسائل العاطفية وتتيح للمشاهد الغوص في عالم من التعابير الإنسانية المتعددة. كما أن الإيقاع البصري في أعمال قديح يظهر من خلال التفاعل بين الألوان والخطوط والأشكال. التلاعب بالخطوط المتنوعة والألوان المتباينة يخلق توازناً ديناميكياً في اللوحات، مما يجعل العمل الفني يتحرك بصرياً ويجذب الانتباه. الإيقاع البصري يعزز من تأثير الرسالة الفنية ويخلق تجربة بصرية متميزة حيث يشعر المشاهد بالحركة والتغير، مما يعكس تعقيد وتنوع التجربة الإنسانية التي يسعى قديح لعرضها.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol