الصفاء الشرقي في الأيقونية الغربية
ضحى عبدالرؤوف المل
يسيطر الفنان الإيطالي "عمر غالياني" (Omar Galliani) على مساحة اللوحة، فيستخرج من الضوء خطوطه التي يرسمها بصفاء شرقي وأيقونية غربية ممزوجة بمعادلات الضوء والأبعاد المفتوحة التي توسع التخيلات نحو تعدد الرؤية الغرافيتية. في لوحته الفنية التشكيلية، يقدم فلسفة جمالية تقترن بتأليف لمكونات الخطوط التي تدرك سر الوجود الإنساني أو أغلفة الضوء التي تلتقطها حواسه العليا، والمصقولة بمستويات فنية متعددة كامنة في العمق بالروح والعقل الروحي، والطاقة الحيوية للضوء. لتشعر أن لوحات الفنان "عمر غالياني" مكللة بروحانية عالية عميقة المنشأ، ومتغلغلة مع خطوطه الأثيرية التي تبدأ مع الضوء وتنتهي مع الأسود أو الظل أو العتمة غير المطلقة.
فالأسلوب السهل الممتنع الذي يتصارع معه "عمر غالياني" يظهر أصالة الرسم الروحي وعوامله الفنية التي تنطبق على قواعد فن الغرافيتي على الخشب، ولكن بإتقان يكشف عن حقائق واضحة الاستدلال التصوفي التي تنطوي على إشارات تنبعث من المقاييس ذات التأثيرات الداخلية على البصر. لتخشع حواس المتلقي ويشعر بسكينة النفس وهو يتأمل لوحاته والسحر الأيقوني المؤثر على الروحانية الشرقية.
لتندمج مفاهيم السمو والحكمة والزهد في الفن الذي يمزج الشرق بالغرب عبر شخصياته التي يرسمها، وبتقنيات الرسم بالقلم الرصاص والحبر، وبمواد أخرى تعتمد على المزج التدريجي للألوان التي تشبه انسحاب الضوء والعتمة في أوقات مختلفة من النهار والليل. لتظهر شخصياته بحالات تأملية أو زاهدة في كينونة الوجود.
تطفو معالم الروحانية في لوحات الفنان "عمر غالياني" كافة، إذ يرسم بالقلم الخطوط الأساسية التي يبتكرها من مشهد ينطبع في ذهنه العقائدي، وبمقاربات من عصور قديمة. ليشدد على العلاقة القوية بين الروح كمنشأ فني والشكل كركيزة مادية تجمع بتراتيبية تناغمات الحواس التي يتمتع بها غالياني، كأنه ينشد التعبد في اللوحة عبر مقامات الخطوط المسيطرة على المساحة بقوة الفكر، والسعي نحو الغرض أو الناتج الأيقوني، لمفهوم التشكل المادي للإنسان أو لآلهة الجمال الحقيقي التي تتجسد في لوحاته عبر طرق وأساليب خاصة ينتهجها لإيضاح الشعور القدسي أو الإحساس الخاضع لمثالية الفن في إخفاء الشوائب البشرية التي تحدث في الحياة. وهذا ينم عن فكر لاهوتي ينبئ عن حالة روحية أثناء رسمه للوحة بمعايير فنية عالية، وهي أيقونية غربية بصفاء شرقي. إذ تتسم البساطة بالتعقيد لما تحمله من تحليلات تكتسب صيغة فنية تقليدية، إلا أنها تعبير عن ملامح داخلية يراها من زاوية فلسفية ضمن مستويات فنية عالية.
تبرز روح التأمل على معالم الوجه والجسد المحمل بعناصر الضوء الأثيري الذي يعتمده في خلق تجليات خاصة. تخضع لمفاهيم السماوي والإلهي والجسدي المتكون على الأرض. لتكتسب ليونة قلم تنحصر في لوحة ذات مقاييس واسعة توحي بالمعنى الوجودي المتجذر بالضوء، وأساسيّات الظل والمسح الطيفي الذي يجمع بينهما. لتكوين فراغات تدريجية للضوء والظل معاً، ولكن ضمن الفواصل التي يحددها عبر حسابات لمقاييس رياضية تتسم بالحنكة والمرونة. لظهور التعبد الداخلي الذي يقتصر على إخراج الضوء من مادة الجسد، وبعقلنة هادئة دون انفعالات ترافق أسلوبه الحكيم، والزاهد بما هو راسخ في المفهوم الأيقوني عبر لوحات تتميز بهالة مكللة بالجمال الفني، وأساليب إبراز الصفاء الروحي المتشح أيقونياً بفنون الرسم التقليدي المعتمد على قوانين معادلات الضوء مع الخطوط المرسومة، أو بالأحرى جدلية مسألة الضوء المرتبط بخطوط قلم الرصاص أو الحبر وسواه.
عند النظر إلى أعمال "عمر غالياني"، يشعر المتلقي فوراً بجاذبية جمالية فريدة تدمج بين الأبعاد الروحية والجمالية والفنية. تنقل اللوحات إحساساً بالصفاء والتركيز العميق، وكأنها دعوة للتأمل في الوجود من خلال مزيج معقد من الضوء والظل. الإيقاع البصري في أعماله يبدو كأنه يروي قصة أو يفتح نافذة إلى عالم داخلي عميق، حيث كل خط ولون يحمل معنى أعمق.
تستند لوحات "غالياني" إلى مزج تقنيات مختلفة، حيث يعبر عن تداخل الشرق بالغرب من خلال الأيقونية الغربية والصفاء الشرقي. يظهر في لوحاته اهتماماً كبيراً في استكشاف الضوء كعنصر جمالي وفلسفي. تتسم أعماله بتركيز خاص على تجسيد الروحانية من خلال الرسم بالقلم الرصاص والحبر، مما يعكس التباين بين الضوء والعتمة.
يمكن القول إن "غالياني" يعبر عن رحلة تأملية عميقة من خلال أعماله. يظهر أن الفنان يستخدم تقنيات الرسم لنقل شعور بالسلام الداخلي والتوازن، مما يعكس حالة نفسية متماسكة ومتمكنة. يعبر الضوء والظل في أعماله عن التوترات النفسية والعواطف المتباينة، ويعكس كيفية تعامل الفنان مع مفاهيم الروحانية والجمال من خلال صراعاته الداخلية وتطلعاته.
يتميز أسلوب "غالياني" بالتحكم الدقيق في استخدام الضوء والظل لإبراز تفاصيل دقيقة وتشكيلات معقدة. التقنيات المستخدمة تعكس قدرة الفنان على تحويل النصوص إلى تجسيدات بصرية، حيث يظهر في أعماله توظيفاً بارعاً لأدوات الرسم مثل القلم الرصاص والحبر. يمكن ملاحظة توازن دقيق بين العناصر الفنية والتفاصيل الجمالية التي تعزز من الأثر البصري.
جماليات أعمال "غالياني" تتجلى في بساطة الخطوط وتفاصيلها الدقيقة التي تعبر عن تعقيدات المشاعر الإنسانية وتجارب الروح. الضوء والعتمة يشكلان تبايناً جذاباً ينقل شعوراً بالهدوء والتأمل، مما يعزز من قيمة الجمال الروحي للأعمال. تنجح اللوحات في تحقيق توازن بين الجمال التقليدي والتعبير المعاصر، مما يجعلها تجربة بصرية غنية ومتعددة الأبعاد.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol