ثنائيات فنية تستند جمالياً على فهم العنصر البصري الحي
ضحى عبدالرؤوف المل
تبتكر الفنانة "هلا شقير" (Hala Schoukair) تعبيرات فنية تكشف عن مضامين جمالية تثير جدلية الباطن الجوهري، لجزئية الشكل الذي تضعه تحت مجهر الضوء، لتتكون اللوحة من جزئيات تتلاحم معها الأبعاد مبتعدة عن النظرة الثابتة في الفن التشكيلي، وإشكالية التجاوز عن ثنائيات فنية تستند جمالياً على فهم العنصر البصري الحي، المساعد في التكوين. لتفصح عن المشاعر والمكنونات الداخلية تجاه الأشياء التي تدفعها إلى التأمل. مما ينبثق عنها عدة تأويلات تترجم الغموض لماهية الشكل، وتفاعلات الريشة معه تاركة للتأويل الباطني الجزء الأكبر من مفهوم التكوين في أعمالها ضمن احترامها لنظم الحياة التي تنطوي على كل ما يثير البصر، ويعمل على تحفيز الذهن للتفكر في ما حولنا، وكأنها تدفعك إلى تأمل عمق لوحاتها المتحركة في ثبات، وبثنائية الاكتشاف والغموض، والغوص في مقامات الحركة للانسجام التام مع تفاصيل لوحاتها حسياً، وبتعجب تستريح معه النفس المجبرة على التفكر فيما تراه.
تتعلق لوحات الفنانة "هلا شقير" باستمرارية الألوان في الحياة والتفافها على بعضها لتتخذ شكلاً من أشكال الجمال. فالصفات الضوئية بين ثنايا الألوان هي التي تدل على المعنى الفكري للحركة التي تتزن مع الثبات أو بالأحرى الكمون الزمني في لحظة كونية تترجم بها معاني لوحاتها متحدية اللون أو بالأحرى المادة والأدوات، واللاوعي المرتبط بتقسيم خلايا الأشكال أو الألوان. لتتشابه التفاصيل مع التكوينات وتجسد بتلاحمها عدة أوزان لونية، وكأنها تكتب الشعر الموزون في لوحة ذات أوزان لونية وحركية أو بالأحرى التلاعب على إيقاعات الباطن والخارج، بدمج تراتبي له عفويته وفطرته، لكنه يرتبط بالموسيقى والتفاعل الذاتي مع كل ما يحيط بها. لتستخرج منه الحياة وتجسده في لحظة زمنية ضمن لوحة هي نتاج تأمل طويل لعمق الإنسان وماهيته. فهل تتمسك لوحة الفنانة "هلا شقير" بالمعاني الصوفية وتجلياتها المحورية في اكتشاف الوجود؟
ترادف وتوازن وتجاذب وتقسيم وتضاد وتشابه وتنافر وتوافق مفردات لا حدود لها، تكتشفها في كل لوحة ترمز إلى حقيقة الأشياء التي نغض النظر عنها، أو تلك التي تحتاج إلى بصيرة دون مجهر خارجي تتركنا في حالة ذهول من حيوية الباطن الذي نجهله مادياً، وندركه حسياً دون قولبته للعودة إلى الطبيعة ومحاكاتها بنغماتها الخاصة المنسجمة مع تفعيلات اللون وفروقات الضوء بين الجزء والجزء. لتتحد الأشكال وفق كينونتها الاستمرارية دون تشويه بين المسافات في المساحة الواحدة، وكأنها تبصر بعدسة مجهرية لفهم ثنائيات الحياة في كل خلية حية باللون أو المادة أو الأشجار أو النبات أو أي شيء يستفز بصرها، ويدفعها إلى الإيمان بالشيء ونقيضه، وبنشوة الجمال غير المحدود لتجمع بين الأضداد بابتكار وإحاطة، وثقة بتكوينات ريشتها للجمال القابع في باطن النفس الإنسانية، وفي الكون المؤلف من ذرات تمجد من أبدعها، بسمات فنية وصفات جدلية تحاول من خلالها ترك لوحاتها مفتوحة بصرياً إلى ما لا نهاية.
تكمن معاني الجمال في لوحات "هلا شقير" بالتضاد الخلاق بين الوجدان والعقل، والنظر والبصيرة، وبهذا تخاطب بلوحاتها كل الفئات العمرية بصرياً عبر التلقي والتخاطب بصمت، وفتح حوارات داخلية ضمن ذاتية اللوحة والرؤية التي تجسد الاندماج الكلي مع الذات، وبتصالح تتحول من خلاله الأشياء الجامدة إلى حركة، والخلية الساكنة إلى وجوه متعددة من الحياة الناشطة في الألوان التي تستفز الذهن على التفكير، مما يعكس غنى الريشة الفنية وثقافتها الحياتية الناشئة من تأملات روحانية مرتبطة بحقيقة الوجود.
من خلال أعمال "هلا شقير"، تبرز انطباعات أولية تتمثل في حالة من الدهشة والتأمل العميق. تتجلى هذه الانطباعات في التركيب الغني للألوان والأشكال التي تبدو في حالة حركة مستمرة رغم الثبات الظاهري للوحة. الإيقاع البصري في أعمالها يخلق تجربة حسية قوية تجعل المتلقي يشعر وكأنه في حالة من الوجود الدائم في قلب اللوحة، حيث تتلاقى الألوان والأشكال في حوار بصري متواصل.
كما تعتمد "هلا شقير" على تقنيات تجمع بين التجريد والتفاصيل الدقيقة لتجسيد أبعاد الإيقاع البصري. تشكل لوحاتها تجسيداً للثنائيات الجمالية، مثل التباين بين الثبات والحركة، والتداخل بين الألوان والظلال. تستند أعمالها إلى مفهوم التجربة الشخصية والداخلية للفنانة، حيث تعبر عن مشاعرها وأفكارها بشكل غير مباشر من خلال الألوان والأشكال، مما يجعل كل لوحة عبارة عن حالة من التفكير والتأمل العميق في الجوهر الكوني والحياة. إذ تعكس أعمال "هلا شقير" حالة من الاستكشاف العميق للذات وللوجود. تخلق الألوان المتداخلة والأشكال المتغيرة حالة من التوتر والهدوء في ذات الوقت، مما يعكس الصراع الداخلي للفنانة وتفكيرها الفلسفي حول مفاهيم الحياة والوجود. تتجلى هذه المشاعر في الطريقة التي تُعبّر بها اللوحات عن تضاد الألوان والتجاذب بين العناصر المختلفة، مما يخلق شعوراً بالانسجام والتناقض في نفس الوقت.
تستخدم "هلا شقير" تقنيات متقدمة في التعبير البصري، بما في ذلك التلاعب بالألوان والأنسجة والأشكال. تعكس لوحاتها تقنيات التجريد التي تخلق إيقاعاً بصرياً غنياً يلفت الانتباه، حيث يتم مزج الألوان والأنماط لتوليد تأثيرات بصرية معقدة. التكوينات التي تستخدمها تدفع المتلقي لاستكشاف التفاعلات بين الأشكال والألوان، مما يعزز تجربة التفاعل البصري والفني.
جماليات "هلا شقير" تقوم على تناسق الألوان وتناغم الأشكال. في لوحاتها، يمكن ملاحظة جماليات الحركة الثابتة، حيث تبدو الأشكال وكأنها تتنفس وتتحرك داخل الإطار الثابت للوحة. تعكس الألوان المستخدمة تبايناً جمالياً يعزز من الإيقاع البصري ويضفي على الأعمال حساً من الحيوية والديناميكية.
تنقل "هلا شقير" عبر أعمالها مشاعر عميقة ومعقدة تتراوح بين التأمل والتوتر. تعبيرها الفني يتجسد من خلال إيقاع الألوان والأشكال التي تجسد حالات متعددة من المشاعر البشرية. من خلال التلاعب بالتفاصيل والإيقاعات البصرية، تتمكن من نقل التجارب الشخصية والعاطفية بطريقة غير مباشرة، مما يمنح المتلقي مساحة للتفسير الشخصي والتفاعل مع العمل الفني.
يتجلى إيقاع أعمال "هلا شقير" في التفاعل الديناميكي بين الألوان والأشكال. الإيقاع في لوحاتها لا يتبع نمطاً ثابتاً، بل يتغير ويستجيب للحركات والتقلبات الداخلية للألوان والأشكال. هذا الإيقاع يعزز من تجربة المشاهد، حيث يخلق توازنات وتباينات تعزز من الحضور البصري للوحة وتدعو المتلقي للتفاعل مع التفاصيل الدقيقة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol