البذور المدفونة لكل ما تبقى: قراءة في رواية "الديار" للروائية الأمريكية توني موريسون

ضحى عبدالرؤوف المل

ترصد الروائية توني موريسون في روايتها "الديار"، الصادرة عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، الحروب الاجتماعية التي تعاني منها الفئة المستضعفة من الشعب، والحروب الخارجية في الحياة الأمريكية، والتي تؤدي إلى تمزق الإنسانية. إن تمسكت الأوطان بأفرادها، فالديار هي الداخل الذي لا نشعر بقيمته أو صلاحيته إلا بعد أن نفقده أو نصاب بخسارة الزمن الذي لا تدرك قيمته إلا بعد معاناة تجعلنا نعيد النظر في تصحيح الماضي. لنحيا الحاضر في توافق وقناعة ورضى، وإن تركتنا الخسارات كالأنقاض الأحياء، كما هي الحال مع سي اخت فرانك التي فقدت رحمها نتيجة التجارب الطبية التي أجراها الطبيب على مستخدمة لا تملك في الحياة من سبل العيش ما يمكنها لتكون قوية وتناضل من أجل البقاء إلا صديقتها سارة والأخ المحارب أو المشارك في الحرب الكورية. فهل التكاتف في الحياة هو لفئات تصنفها توني موريسون تبعًا للواقع الحقيقي الذي نعيشه ودون تدخل مصطنع من الشخصيات، إنما بإضاءات لزوايا اجتماعية نكتشف أن الشعوب برمتها تعيشها كما هي في الرواية؟ وما العشوائيات التي لا يشعر بمعاناتها إلا سكانها في رمزية العنوان ودلالته "الديار" أو البيوت والأوطان المهددة بالزوال بين الحين والآخر؟

العبودية في العلاقات الاجتماعية شر في النفوس التي اعتادت الامتلاك، وما الإنسان إلا كالمحارب المحشوة ذاكرته بالكثير مما لا يمكن تصحيحه. لأن الوعي بمراحله الأولى يحتاج إلى النضج والوضوح في الرؤية، وهذا ما حدث لفرانك الذي استطاع الهروب من مستشفى المجانين بلمحات الاتجار بالأعضاء البشرية، إلى الرعاية الكنيسية التي لا تميز بين الإنسان والإنسان إلا لتبقي على رمق الإنسانية دون عنصرية، ليتعافى الشعب من تلويث الحروب بكافة أنواعها. "ميدان الحرب يحتوي على الأقل على هدف وإثارة وجرأة وبعض الحظ في الربح إلى جانب حظوظ كثيرة من الخسارة." فالأهداف من وراء الحروب معروفة مسبقًا، أما الحروب في الحياة الاجتماعية أو بمعنى آخر عبر مسيرة الحياة المملوءة بالفقر والتعاسة والتشرد والمقاييس التي تحتاج إلى دراسة وإعادة نظر لتتوافق مع الإنسان دون تمييز في الطبقات الاجتماعية التي تعاني ما تعانيه من سوء الأخلاق، كما حدث في مبارزة الابن والأب والإجبار على القتل من أجل البقاء أيضًا. إذ استطاعت توني موريسون بلوغ قمة السرد بواقعية تسللت إليها الإيحاءات المغطاة بالكثير من المقارنات أو لمس الجرح بأسلوب شعبي محبب إلى القراء، وكأن الرواية عبارة عن فكرة تناقشها مع القارئ لتصل إلى الإقناع ببساطة الحكاية التي كنا نسمعها من الجدات اللواتي يتصفن حاليًا بالقساوة والتشدد في مجتمع يئن بالصراع، وبالخلل النفسي الشبيه بمعاناة فرانك النفسية بعد الصور التي تمر في ذاكرته أثناء الحرب على كوريا.

خيوط روائية محبوكة بشدة وإيجاز، دون أي طمس لأحداث متتابعة في خط سير زمني عبر أماكن تنقل منها وإليها فرانك، وغاص فيها الإحساس بالتنوع المكاني وأهدافه الروائية، لتصوير الاختلاف في الوطن الواحد، والبيت المكتظ بالسكان بمقارنات جزئية اعتمدتها لا شعوريًا بالنسبة إلى القارئ عبر مشاهد حية. ليلتقط القارئ قوة الملاحظة الروائية التي تهدف إلى إيصال الفكرة ببساطة شديدة دون اللجوء إلى الشرح المصاب بشروخ. فهي اعتمدت على البذور المدفونة في الرواية، وهي الحب الحقيقي الذي يدفع الإنسان إلى تصحيح الأخطاء وإعادة تكوين مسار حياته بالصورة الصحيحة التي تجعله يحترم الأموات والأحياء على السواء، وما الديار إلا المكان الذي تمر فيه الأزمنة كلها وما زالت تنتظر الزمن الصحيح لينتصب الإنسان ويقف بكرامته في التاريخ الذي يبقي كل شيء في الذاكرة الحية.

طريق العودة يختلف عن طريق الذهاب، لأن الزمن يلعب لعبته مع الإنسان، ويجعله يستوضح المعالم كلما أصيب بغبش الرؤية أو عمى الألوان الذي خاف منه فرانك في طريق عودته لإنقاذ أخته. بينما لم يكن يراه وهو يقتل الفتاة الكورية بدم بارد، ليدرك فيما بعد قيمة الخسارة التي تصيب المقاتل، ولا يشعر بها القائد لفروقات بينهما. فالقائد الفاشل هو الذي يخسر العدد الأكبر من المقاتلين، وإن ربح الحرب. وفرانك أراد أن يربح نفسه وشقيقته، فالإنسان هو القائد في مسيرته وعليه الحفاظ على أماكنه ومحيطه كما ينبغي. فما زالت توني موريسون تعالج العبودية في الداخل والخارج في النفس وفي السلوك الاجتماعي حتى أعادت فرانك إلى دياره بل وتصحيح المشهد الذي عجز عن تصحيحه في سن المراهقة وبناء القيم في العائلة والقرية والوطن.

تلك عبودية، أي العبودية التي نتمسك بها لتنفيذ قرارات الآخرين دون قناعة منا بوجوب ذلك، وهي التي نعيشها في تفاصيل الحياة دون البحث عن الإنسان الحر الكامن في الداخل. إذ تتوقف توني موريسون لتقول: "يمكنك الاستمرار في الكتابة، لكنني أعتقد أنه عليك أن تعرف الحقيقة." فهل يستطيع القارئ معرفة معنى الديار أو أهمية المكان عبر تاريخ الإنسانية الطويل والمحفوف بالحروب والصراعات التي تصيب المجتمعات بالخلل وعدم التوازن الحقيقي في الحياة الإنسانية؟

رواية حققت أهدافها الإنسانية لبناء الديار القادر على احتواء الأفراد بأمن وسلام ودون أي خوف من الحاضر أو المستقبل، وإن برؤية دمجتها مع الحرب الكورية دون التوسع في إيجابياتها وسلبياتها، ولكنها توحي بأن الوطن الذي لا يحمي أفراده في الداخل لن يربح أي حرب في الخارج طالما الإنسان فيه تائه ومشرد وممزق، وغير قادر على الموت فيه بعزة وكرامة.

برؤية أخرى في قراءة ثانية أقول

تأتي رواية "الديار" لتقدّم تجربة أدبية تتشابك فيها معاناة الفرد مع قضايا اجتماعية وسياسية أعمق. قراءة الرواية تثير مشاعر متباينة، منها الحزن والقلق والأمل، مما يعكس قدرة توني موريسون على خلق تجربة أدبية تتجاوز حدود الكلمات لتلامس عمق الإنسانية.

تتمحور رواية "الديار" حول الصراعات الاجتماعية والحروب التي تعاني منها الفئات المستضعفة، من خلال تقديم سرد واقعي للحياة في الولايات المتحدة. تستعرض الرواية قضايا العبودية والتشرد والفقر، مع التركيز على الأثر النفسي لتلك الصراعات على الأفراد. تصف الرواية بشكل دقيق تأثير الحروب الاجتماعية والحروب الخارجية على النفس البشرية، مما يعكس اهتمام موريسون بالتناقضات بين الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية.

تُظهر الرواية بوضوح كيف أن الأفراد يعيشون في ظل ظروف قاسية تؤثر على حياتهم بشكل عميق، إذ تسلط الضوء على الصراعات الداخلية التي يواجهها الشخص. موريسون تعتمد على سرد يتسم بالتفاصيل الدقيقة والواقعية، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه جزء من الأحداث التي تجري في الرواية.

تكشف "الديار" عن تعقيدات النفس البشرية وكيفية تأثرها بالظروف الاجتماعية والسياسية. الرواية تبرز الصراع الداخلي للشخصيات، مثل فرانك الذي يعاني من مشكلات نفسية جراء التجارب المؤلمة التي مر بها، ومن ثم تتضح العلاقة بين التجارب الشخصية والصراعات الاجتماعية. العبودية، كمفهوم، لا تقتصر على العبودية الجسدية، بل تتسرب إلى أعماق النفس الإنسانية، مما يؤدي إلى أزمة هوية وصراع داخلي يواجهه الأفراد.

النفس البشرية في الرواية تعاني من التفكك والتمزق، مما يعكس الشعور بالانفصال عن الذات والبيئة المحيطة. هذا التمزق النفسي يظهر من خلال الأفعال والأحداث التي تمر بها الشخصيات، مما يسهم في تقديم تجربة إنسانية متكاملة تتسم بالعمق والتعقيد.

تسجل الرواية تقدمًا ملحوظًا في استخدام الأساليب السردية المتنوعة. تستخدم موريسون تقنيات سردية تعكس تداخل الزمن والأحداث، حيث تخلق قفزات زمنية وتجارب متشابكة تعكس التعقيد العاطفي للشخصيات. أسلوب السرد في الرواية مفعم بالرمزية والتلميحات التي تعزز من قوة الرسالة الأدبية.

الأسلوب الأدبي في الرواية يتسم بالواقعية والشعرية، حيث يتمكن من تقديم التفاصيل الدقيقة التي تعكس عمق الشخصيات وتجاربها. اللغة المستخدمة في الرواية تعزز من البُعد الإنساني للقصص التي تُروى، مما يجعل القارئ يشعر بالقرب من الشخصيات وصراعاتها.

من الناحية الجمالية، تمتاز "الديار" بإبراز الجماليات من خلال الصور الأدبية والتشبيهات التي تستخدمها موريسون. التصوير الفني للأماكن والأحداث يتسم بالدقة والعمق، مما يضيف بعدًا جماليًّا للرواية. الأسلوب الأدبي الذي يتسم بالإبداع والشاعرية يعزز من تجربة القراءة، حيث يُشعر القارئ بجمال التفاصيل التي تُعرض بطريقة فنية. كما أن الرواية تتناول الجمال ليس فقط من خلال اللغة والأسلوب، ولكن أيضًا من خلال تقديم واقع اجتماعي يعكس جماليات الصمود والأمل في وجه الصعوبات. هذه الجماليات تتجسد في المشاهد التي تجمع بين الألم والأمل، مما يخلق تجربة جمالية معقدة ومؤثرة. تستخدم الرواية اللغة والأوصاف للتعبير عن التجارب الداخلية للشخصيات بشكل مكثف ومؤثر. المشاهد التي تتعلق بالصراع والمعاناة تُعبّر بصدق عن مشاعر الشخصيات وتحدياتها. التعبير عن الألم والخسارة والبحث عن الهوية يتم بطرق تعكس عمق التجربة الإنسانية. الأسلوب التعبيري في الرواية يسهم في نقل الرسائل الرئيسية بطريقة مؤثرة، حيث تبرز الرواية تجارب الأفراد والصراعات التي يواجهونها بشكل يعزز من فهم القارئ للأبعاد المختلفة للقصة. التعبير الفني عن الألم والأمل يشكل جزءًا أساسيًّا من التجربة الأدبية التي تقدمها الرواية.

في النهاية، يمكن القول إن رواية "الديار" لتوني موريسون هي عمل أدبي معقد يعالج قضايا اجتماعية ونفسية بعمق وبأسلوب فني متقن. من خلال تقديم تصوير واقعي وتفاصيل دقيقة، تتيح الرواية للقارئ استكشاف عمق التجربة الإنسانية ومفاهيم العبودية والهوية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol