الكل يغازل الخطر

قراءة في رواية "الجاسوسة" للروائي باولو كويلو

ضحى عبد الرؤوف المل

يحاول الروائي باولو كويلو في روايته "الجاسوسة"، الصادرة عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع"، وضع قضية الراقصة "ماتا هاري" أمام القارئ ضمن حبكة زمنية مضى عليها مئة عام تقريبًا، لإعطاء المرأة التي استطاعت اختراق المحظور قيمة تاريخية. ربما! تستحق حقًّا دراسة واسعة وتحليلات تقتضي تتبع البراءة أو الذنب الذي أودى بحياتها. إذ غالبًا ما تتكرر مثل هذه الحكايات مع المرأة التي تدخل في دهاليز المال والسياسة، وحتى الفن إذا تخطى إطاره الجمالي إلى حلقات بعيدة عن الأهداف الفنية بمعناها العام. فهل اخترقت "ماتا هاري" المحظور فعلًا؟ أم أنها وقعت في أخطاء من أسبابها التربية؟ إلا أن البذور الجينية في سلوك الإنسان لها الأثر الأكبر في تشكيل لحظات حياته التي يختارها، ضمن متاهة تضعه أمام اختيارات قد تقوده إلى بر الأمان، وقد تجعله يلقى المصير المحزن والمؤلم الذي لا يليق بفترة ذهبية عاشها في فترة ما من شبابه. فالجمال سلطة تذوي سريعًا، والمال سلطة خطيرة، والسياسة لها موازينها المتعلقة بفترات زخمها وخفوتها، والتي قد يدفع البعض ثمنًا باهظًا لمعادلاتها، كما حدث مع جاسوسة باولو كويلو أو "ماتا هاري"، المتخيلة ضمن الوثائق التاريخية والمقالات القديمة أثناء وبعد إعدامها في فرنسا بتهمة الجاسوسية لصالح ألمانيا، وهي الهولندية المنشأ والشرقية الهوى في الفن والرقص، والهندية الميول والجميلة التي تنافس عليها الرجال قبل أن يُلقى القبض عليها في غرفتها بفندق الشانزليزيه، وفي فرنسا التي عشقت حياة البذخ والترف فيها. فهل فعلًا دفعت ثمن كسر التقاليد والأعراف؟ أم أنها تخطت الزمن لشبابها الذي بدأ بالزوال، وكان من الواجب إزاحتها كي لا تفضح المستور؟

تبرز قضايا حقوق المرأة في زمن مضى وما زال يتكرر حتى زماننا هذا، وما من جديد فيه سوى أن المرأة لم تحقق المزيد بنضالها للدخول إلى عوالم محفوفة بالخطر. فالانتحار له عدة وجوه مختلفة، وما بين المرأة وانطلاقتها الكبيرة كبوات كثيرة ونضال. ربما! هو بحق تعذيب من نوع آخر كاغتصابها من مدير المدرسة، وزواجها من رجل عجوز، وهروبها نحو الشهرة وبحثها عن الحب وخذلان الرجل لها. إلا أنها على جميع الأصعدة تحتاج لرجل يستميت في جعلها سعيدة وقادرة على تحقيق أحلامها. لكن الحروب على عدة جبهات في الحياة الاجتماعية لا تقل خطورة عن حرب الألمان وفرنسا التي أودت بحياة جاسوسة باولو كويلو وشيفراتها العاصفة بذهن القارئ. فالكل يغازل الخطر، وهذا ما تركه يغازل روائيًّا الأحداث الغامضة دون إغفال جمالية الرقص وفنه والقدرة على محاكاة الحس عبر الجسد المتهم بالتعري، وإن كانت "مجرد حركات مندمجة مع الكون"، لأنها انفصلت عن الفن كفن له أهدافه ومساعيه وأثره، واتجهت لجمع المال ولحياة الرخاء دون الاهتمام بإبراز المزيد من الفن الذي لم تؤسس له ليكون مدرسة من بعدها، بل! رسخت مفهوم الإغراء والتعري بمن حاولوا تقليدها لمتابعة النمو الرمزي لبذور المارغريتا التي أعطتها إياها أمها، وهي سلالات تنتج عنها إعادة لتاريخ وفق رؤية زمنية أخرى.

قصة هوميروس الذي حصل على رأس يوحنا المعمدان، ومسرحية أوسكار وايلد والتجسيد الرمزي لقصص مبطنة بنساء عصفن في الحياة واهتزت لهن عروش السياسة والجمال في تلغيز روائي، وتلميح وإيحاء وسخرية الزمن من الزمن، حيث يعيد لقصص حقيقية وجودها الروائي القادر على بث المزيد من التساؤلات مع تمرير بعض المعتقدات المؤمن بها، التي تقود إلى التأرجح الذي يقضي بأسلوب بناء الرواية إلى الشغف التاريخي بالحقائق التي لا يمكن معرفتها بالكامل، وإنما وضعها أمام القارئ لتكون بمثابة محاكاة ثنائية لزمن هي في قلب الحدث وضمن مسارات الدول المتصارعة، وبجدلية ذات مغزى حكائي يعتمد على قرائن وأدلة لم تكتمل، فلا يمكن استخراج الحقيقة بالكامل إلا ضمن المنطق الذي يجسده ببراعة أدبية تتخذ المنحى الصحفي في بعضها. إلا أنه يبرز الخيوط الاستثنائية في القصة، وبموضوعية تجعلنا نشعر أننا مع البطل وجهًا لوجه دون تدخل الروائي أو أحكامه المبنية على مستندات ومقالات تركها في الرواية، لإثبات مرجعيات الرواية بالشكل المقنع والمؤثر، والقادر على منح القارئ مصداقية لا شكوك فيها. لتكون بذلك "ماتا هاري" امرأة انتهكت الأعراف الأقوى من القانون، وكسرت التقاليد بجرأة بحثًا عن المجد والشهرة والعاطفة المغمورة، بحيث كانت كبش الفداء لخسارات عسكرية وقعت فيها الدول المتقاتلة، ولتغطية الخبر كان لا بد من خبر أقوى ينشغل به الناس عن الخبر العسكري الأساسي الذي أودى بحياة "ماتا هاري". فهل يحاكم باولو كويلو ماتا هاري في روايته مرة أخرى، أم يمدها بخيوط البراءة الواهنة الشبيهة بخيوط العنكبوت في نسيج روائي أحكم تواريخه ومستنداته الظاهرة، تاركًا للعقل اكتشاف الباطن المستتر لكل قارئ عصفت به رواية "الجاسوسة" المستمدة من قصة المرأة الراقصة على أنغام الشرق وغواية الجسد، وبشبق نسائي استمد مجده من عالم الرجل، كما استمد ضعفه ووهنه من عالم الرجل أيضًا؟

تجسد رواية "الجاسوسة" رحلة استكشافية إلى أعماق حياة شخصية مثيرة للجدل: الراقصة "ماتا هاري". تترك الرواية انطباعًا قويًا بتصويرها المتقن للعصر الذي عاشت فيه ماتا هاري، والمواضيع الثقيلة التي تحملها. تستحضر الرواية أجواء فرنسا في بداية القرن العشرين، وتحاكي الأبعاد النفسية والاجتماعية للحياة في ذلك الوقت، ما يجعل القارئ يشعر بالانغماس في صراعات وتحديات الشخصية الرئيسية. أسلوب كويلو في السرد يثير الفضول ويعزز الإحساس بالدراما والتوتر، مما يجعل القارئ متشوقاً لاكتشاف التفاصيل الخفية في حياة ماتا هاري.

تركز الرواية على قضايا متعددة مثل السلطة والمال والجمال، وكيف يمكن أن تؤدي هذه القوى إلى تدمير حياة الأفراد. ماتا هاري، التي تُعتبر رمزًا للإغراء والجمال، تجسد التوتر بين الطموح الشخصي والتحديات الاجتماعية والسياسية. كويلو يعرض بمهارة كيف أن المجتمع يفرض قيودًا على النساء اللواتي يخرقن الأعراف، ويبرز كيف أن ماتا هاري كانت ضحية لهذه التقاليد الصارمة، والتي أدت في النهاية إلى مصيرها المأساوي.

تتناول الرواية صراع ماتا هاري الداخلي بين هويتها كفنانة ورغبتها في أن تكون جزءًا من عالم البذخ والترف، وبين عواقب اختياراتها على حياتها. تستعرض الرواية التحديات النفسية التي تواجهها الشخصية في ظل الضغوط الاجتماعية، مما يعكس التوترات النفسية التي تعاني منها ماتا هاري. القلق والخوف من الفشل، والتجارب المؤلمة التي مرّت بها، تسهم في تشكيل شخصيتها المعقدة والتي تجعلها تعاني من صراع داخلي دائم.

يعتمد كويلو على تقنيات السرد التي تجمع بين الواقع والخيال، مما يضيف عمقًا للأحداث والشخصيات. أسلوبه في الكتابة يمزج بين الوصف الدقيق للأماكن والشخصيات والحوار الحميم الذي يعكس الصراعات الداخلية والخارجية. الجماليات في الرواية تبرز من خلال تصوير الحياة الراقصة للفنانة ماتا هاري، وكيفية تجسيدها لجماليات فن الرقص والرقص الشرقي، مما يعكس تنوع ورقي الأسلوب الذي يتبعه الكاتب.

تستخدم الرواية لغة قوية ومؤثرة لنقل الأحاسيس والأفكار. وصف كويلو لحياة ماتا هاري يجسد تعبيرات الشخصية بدقة، مما يجعل القارئ يشعر بتفاصيل اللحظات الحاسمة في حياة ماتا هاري. تعبيرات الرواية تساهم في بناء صورة حية للشخصيات والأحداث، وتساعد في خلق تواصل عاطفي عميق مع القارئ.

تمثل "الجاسوسة" دراسة معمقة للطموح والتحديات في حياة النساء في وقت تاريخي محدد. يقدّم كويلو رؤية نقدية لمجتمع ذلك الوقت وكيفية تعامله مع النساء اللواتي يتمردن على القيود. الرواية تعكس أيضًا تساؤلات حول الحقيقة والبراءة، وتستخدم حياة ماتا هاري كقصة رمزية لتسليط الضوء على التناقضات بين المظاهر والواقع. كويلو يسبر أغوار القضايا الاجتماعية والسياسية من خلال تصوره الروائي، مما يجعل الرواية عملاً مثيرًا للتفكير والتأمل في دور الأفراد في التاريخ وفي المجتمع.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol