منطق التفكيك الحروفي عبر التصويرية الرسومية في لوحات الفنان إبراهيم أبو طوق

ضحى عبدالرؤوف المل

يترك الفنان إبراهيم أبو طوق للمساحات الحروفية زخارفها الناطقة بالخطوط الممتلئة بالحركة الفلسفية للفن التصويري، الرسومي الذي يؤدي بصريًا دوره التفكيكي لإثارة الشعور بالحرية، وبديناميكية الإحساس بفن العمارة أو هندسة الحرف الذي يتشكل ضمن إيقاعات مختلفة تتركز حول الخط باتجاهاته المتنوعة، والمنطلق من النقطة المركزية التي يحددها من المعنى أو من طاقة جمالية تنبعث من مفهوم التصويرية الرسومية في فن الخط العربي المعاصر الذي يتمرد عليه الفنان إبراهيم أبو طوق ويمده بالرؤى الهندسية. لتتكون الخطوط من قساوة الخط المستقيم، والخط الأفقي، وليونة المنحني مع التركيز على تفكيك الكلمة الراقصة في دوامات كونية مفتوحة التساؤلات نحو الكثير من العقلانية والوجدانية، وبتناغم بين الخطوط المتزنة والمتناقضة ضمن بصمة الحروفيات السابحة، المتشكلة من موسيقى الفن البصري، الممزوجة بشاعرية تخفي النظرة الهندسية للحرف حيث تتصارع الكلمات لإبراز كينونة العمق الفني المتأصل جرافيكيًا تبعًا للحجم والشكل والأسلوب المتقطع، كالأوزان الشعرية المحافظة على نغمتها الداخلية لتفصح عن حالة جمالية لها جدليتها المتعلقة بأشكال الحروف التي يبتكرها الفنان إبراهيم أبو طوق، وبحضور حسي للمعنى المكتمل مع الحروف ومنطق التفكيك الحروفي عبر التصويرية الرسومية والتجريد، وفيزيائية المعادلات الهندسية التي يتبعها في تحديد النقاط الأساسية في لوحاته المعاصرة.

توليفات خطوطية لأحرف تمثل علاقات هندسية على أسطح انعكاسية، تجمع التأملات البصرية من منظور ذي دلالة مطعمة بالغموض الفني المحافظ على جمالية الخط العربي، ونقاطه الأساسية في التوزيع والفراغ والتناغم، والتضاد لإيصال الفكرة الهندسية المتشكلة من قدرة الحرف العربي على منح المساحات عدة مصطلحات تعتمد على الحدس المنطقي في رؤية الاتجاهات، وانعكاساتها في اللوحة وبين الزوايا تاركًا للفراغ قيمة رياضية تفصح عن مكنون الخطاب البصري في فن الخط العربي، ليستجيب الذهن للمؤثرات غير المقروءة هندسيًا، إلا من خلال قيمة مقاييس الخطوط في لوحاته واتزانها مع الحروف، محولًا الصيغ التشكيلية إلى خلفيات تجريدية لها فضاءاتها المتخيلة المنفضلة والمتصلة مع الخطوط ومعاييرها، المتأثرة بالتفكيكية الحروفية الصوفية المتمثلة بالتمدد والفهم لكينونة الشكل وخاصيته.

يستنبط الفنان إبراهيم أبو طوق من الحرف تعبيرات هندسية خاصة تشكل عدة خصائص ينطلق منها لتجسيد المعنى بمكوناته الداخلية والخارجية، والمعقدة أحيانًا بمفهومها الذي تتغلب عليه النظرة الهندسية لفيزيائية الحرف، وأشكاله المتأثرة بالتفاعل البصري، لتحقيق نواحي جمالية في كل تصميم يقدمه في لوحة تتميز بالقدرة الإبداعية على تفكيك الحروف. لتخاطب الحس الفني عند المتلقي عبر هندسة يتعايش معها بحس تتقارب فيه الخطوط باختلاف أحوالها التفكيكية المغمسة بمستويات يحصرها بتطابق وتناغم عكسي، وكأنه يساير الزمن ويسير به من الحداثة إلى الكتابة المسمارية، وما ينتج عنها من اختلاطات فنية تدفع للابتكار الفني وتتركنها في لوحات الفنان إبراهيم أبو طوق. نتساءل عن قوانين الخط التي التزم بها رغم مزجها بالحركة للتعبير عن الأفكار التي تؤدي إلى تحقيق المزيد من جمالية الإيقاع في الحروف ومعانيها.

تحليل منطق التفكيك الحروفي عبر التصويرية الرسومية في لوحات الفنان إبراهيم أبو طوق يكشف عن نهج فني فريد ومبتكر يتفاعل مع فن الخط العربي بطرق عميقة. يمتاز هذا النهج بإدماج تقنيات التفكيك الحروفي التي تتجلى في مزيج من عناصر جمالية وهندسية، مما يعكس فهمًا عميقًا لخصوصيات الحرف العربي وتعبيراته الفنية. إذ يستخدم إبراهيم أبو طوق التصويرية الرسومية لتفكيك الحروف وتجريدها بشكل يتجاوز المظاهر التقليدية للخط العربي. هذا التفكيك لا يقتصر على تكسير الشكل الخارجي للحرف بل يتجاوز ذلك إلى مستويات فلسفية وجمالية تعكس الحركة والطاقة الجمالية للخطوط. الحروف تصبح عناصر ديناميكية ذات قدرة على إثارة الشعور بالحرية والمرونة.

يعتمد الفنان على الأشكال الهندسية كأداة أساسية في تشكيل لوحاته. الخطوط المستقيمة، الأفقية، والمنحنية تشكل أنساقًا هندسية تتداخل وتنسجم بطريقة تجريدية. هذا التداخل ينطوي على فهم عميق للهندسة والتوازن بين العناصر الحرفية، مما يخلق تفاعلًا بصريًا يبرز جماليات الحرف العربي بأسلوب معاصر. كما أن التجريد في أعمال أبو طوق يتسم بالقدرة على تحريك الحرف وتفكيكه بطرق مبتكرة. الحروف ليست مجرد عناصر ثابتة، بل تتحول إلى كائنات حية تتراقص وتتشكل ضمن دوامات كونية. هذه الديناميكية تعزز من الإحساس بالفضاء والتأمل البصري، مما يضيف بعدًا جديدًا للخط العربي.

تحقق اللوحات تناغمًا بين الخطوط المتزنة والمتناقضة، مما يخلق توازنًا بين العناصر المختلفة. هذا التناغم يعكس فهمًا عميقًا للتضاد البصري وكيفية استخدامه لتحقيق تأثيرات جمالية معقدة. الجمع بين الأسلوب الهندسي والتعبير الشعري يجعل من كل لوحة تجسيدًا لفن بصري معقد ومتوازن. من خلال الابتكار في تشكيل الحروف وتحويلها إلى أشكال هندسية، يخلق أبو طوق تجسيدات فنية جديدة تعبر عن عمق المعنى الداخلي والخارجي للحروف. هذا التفاعل بين الأشكال الهندسية والحروف يبرز قدرة الفنان على دمج الأسلوب التقليدي مع التقنيات المعاصرة، مما يولد إبداعات تجريدية تعبر عن الأفكار بطرق غير تقليدية.

يظهر منطق التفكيك الحروفي عبر التصويرية الرسومية كأداة لتفكيك الحروف وإعادة تشكيلها بطرق جمالية وهندسية جديدة. هذا النهج لا يقتصر على تجريد الحروف بل يتعداه إلى خلق تفاعل بصري فريد يعزز من القيمة الفنية للحروف ويكشف عن عمقها الجمالي. الفن هنا ليس مجرد تجسيد بصري، بل هو تجربة تفاعلية تعبر عن حركة وديناميكية، مما يجعل كل لوحة تجربة فنية فريدة تستحق التأمل والاحتفاء.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

من مجموعة متحف فرحات