ألوان شاعرية وتناغم حسي

ضحى عبدالروف المل

اللون الشاعري يندمج مع التناغم الحسي في هذه الخاطرة التي تتناول أعمال الفنانة ماجدة شعبان. تتشكل الألوان في أعمالها مثلما تتشكل الخواطر، حيث تمتزج الأشكال في بوتقة اللغة الشاعرية، مما يخلق تمازجًا فريدًا بين الخاطرة واللوحة في كتاب صادر عن دار الفارابي، والذي ستقوم بتوقيعه خلال معرضها الحالي في إكزود. فالسؤال الذي يطرحه النص هو: أي نوع من الخواطر يحاكي لوحة في معناها ومبناها؟

أقف أمام لوحاتها وكلماتها، وأجد قلمي محتارًا في تحديد ما إذا كان يكتب عن اللوحة أم عن حرف ينشق عن ألوان شاعرية تندمج مع التناغم الحسي في الخاطرة، والتي تتألف من محطات فراغات انساقت تلقائيًا، لتتصل مع الأشكال المؤتلفة في فضاءات شاعرية تنطوي على تناص ذي أثر، تكشف فيه اللغة الفنية المتأرجحة مع الأحلام والبوح العاطفي. فالمساحات في لوحاتها تشبه الفصول التي تطوف متحدة مع الألوان الداكنة والفاتحة التي لا تخمد إلا في متون اللهب الشاعري، حيث يتكامل التعبير التشكيلي والشاعري معًا.

تتجلى الأجواء البصرية الرحبة أثناء تأمل لوحاتها، حيث تطفو الخطوط وتغوص بين الألوان، مكونة استرسالات شاعرية ذات أفكار ورؤى تتصل بالخواطر المستقرة التي أفرزتها الحركة في اللوحة. تُظهر تأويلات وتعبيرًا ذا ملمح تجريدي في قسمات تشكلت بتنامي بين وعي ولا وعي، في ثنائية الطفولة والشباب، والكهولة والطفولة، والارتباط الازدواجي بين ما هو دائري وما هو ممتد في خطوط أفقية وعمودية، تتناغم بين حدود الطول والعرض في أصداء وضعتها بين جملتين ولونين، ونزف شاعري وإحساس بالجمال في أصداء اللوحة والخاطرة.

تنبع الينابيع من الألوان المعتقة بعفوية الكبار وبراءة الصغار، حيث تسهم جمالية إنسانية في خلق مناخات فنية في لوحات تميل إلى العبق الحياتي، وأصداء الفن التشكيلي المكمل البصري المتوحد مع الكلمة بكامل تقاسيمها. فتبدو اللوحة كخاطرة يقطف البصر منها الأنغام الأوركسترالية بشجو الألوان الباردة والحارة، المؤثرة نفسيًا على الأشكال والحروف، والامتزاج اللغوي بين الأدب والتشكيل. يظهر البوح الشاعري أيضًا في تفاصيل لوحاتها المتجانسة والمؤتلفة مع بعضها البعض.

تنسجم الرؤية الشاعرية في لوحات الفنانة ماجدة شعبان مع أصداء خواطرها المقسمة إلى لوحات. تحاكي اللوحات التشكيلية بمقدرة فنية تتناغم بين الخيال الطفولي، والخيال في ذاكرة سبحت مع أقصى درجات اللون العالية والمنخفضة، في تدرجات ذات صيغ تكوينية تمتد إلى أعماق اللوحة. تُثير السكون في المتأمل وتجعلها تغوص في شاعرية مؤثرة بنسيج مشبع بالتشكيل المتجاوز حدود الكلمة إلى آفاق الفضاءات التخيلية المفتوحة على مصراعيها، ضمن نسيج اللون الشعري في لوحة ترصد الجمال والضوء، والتعابير الثنائية المقترنة بين نجلا وميا، وقوس قزح، أو طيارة ورقية، أو خزين ذاكرة تبوح بما يتفجر منها، وبما يكشف عن بوح نفسي مغمس بالألوان.

هل تملأ ماجدة شعبان تجاويف الذاكرة بمشاعر طفولية تُعد أصداء القطاف في عمر النضوج عبر لوحة وخاطرة؟ يتابع البصر في لوحاتها، فيغوص في لجج الألوان العابقة بالأضواء، والمفتوحة على مساحات متنوعة تتجدد مع المربعات والمستطيلات والدوائر، لتشمل أدق الأحاسيس الفنية، سواء الرياضية منها أو الفيزيائية بما يخص اللون وتركيبته. تعبر التناقضات النابضة بحركة عن شغف وجداني رغم بساطة المضمون وجمالية الأسلوب، وما تنطوي عليه عناوين لوحاتها وخواطرها الممتلئة بالتكوين الوجداني ومقوماتها التشكيلية من حيث التخييل الفني المترجم لأدق الأحاسيس، وبنشوة الألوان التي تعيدنا إلى الذاكرة الطفولية المشحونة بالرؤى والذكريات العاطفية. فتتخذ من خواطرها لوحات أخرى تخرج بها من معادلات اللوحة التشكيلية وقوة شاعريتها، مما يستأنس به المتلقي.

تُثير لوحات ماجدة شعبان إحساسًا فنيًا عميقًا عند المشاهد. كل لوحة تعد بمثابة رحلة حسية تستدعي انغماسًا في عالم من الألوان والأشكال المتناغمة. الألوان تتفاعل مع بعضها لتخلق إيقاعًا بصريًا يشبه الموسيقى، مما يثير الاستجابة العاطفية والفكرية لدى المتلقي. المشاهد يشعر وكأنه يبحر في عوالم متعددة حيث الألوان والتكوينات تعبر عن حالات مختلفة من التوازن وعدم التوازن، من الهدوء إلى النشاط، مما يخلق تأثيرًا مزيجًا من الانسجام والتوتر. إذ تدمج أعمال ماجدة شعبان بين العناصر التشكيلية والتعبيرية لتعكس رؤى متنوعة من الحياة والخيال. تتعامل لوحاتها مع موضوعات تتراوح بين التأمل في الطفولة والكهولة، مما يعكس التفاعل بين مراحل مختلفة من الوجود الإنساني. الألوان الداكنة والفاتحة، والتكوينات الدائرية والأفقية، تعبر عن التباين بين الهدوء والاضطراب، والتوازن وعدم التوازن، مما يعزز من عمق الرسالة التي تحاول نقلها.

يمكن أن تعكس اللوحات حالة الوعي واللاوعي عند الفنانة. الألوان والتكوينات التي تستخدمها قد تعكس تجارب شخصية، أحلامًا، أو مشاعر كامنة. لوحاتها تحمل في طياتها بُعدًا نفسيًا يتعامل مع مفاهيم الطفولة، النضوج، والذاكرة، مما يعكس رحلة الفرد الداخلية والتطور العاطفي. التباين بين الألوان والأشكال يمكن أن يعكس صراعات داخلية أو حالات من التأمل والهدوء.

تتميز أعمال ماجدة شعبان بالجمع بين التكوينات الشكلية المتنوعة، مثل المربعات، المستطيلات، والدوائر، مما يخلق إيقاعًا بصريًا متوازنًا. استخدام الألوان الداكنة والفاتحة يعزز من التأثيرات البصرية ويضيف عمقًا للعمل. التوظيف المبتكر للأشكال والألوان يعكس إتقانها للفن التشكيلي وقدرتها على إنشاء مشهد بصري يتناغم مع المضمون الشعري للأعمال.

تتمتع لوحات ماجدة شعبان بجاذبية بصرية تعكس تناغم الألوان والأشكال. الألوان المتباينة تنسجم بطريقة تخلق جمالية فريدة، تتناغم مع المشاهد وتؤثر عليه. المساحات الواسعة والتفاصيل الدقيقة تساهم في خلق جمال بصري يشد الانتباه ويحفز التأمل. الألوان المتداخلة والأنماط المتنوعة تضيف إلى التجربة الجمالية عمقًا وتعقيدًا.

تحمل لوحات ماجدة شعبان رسالة قوية تتجاوز التمثيل البصري لتصل إلى مستوى التعبير الشخصي والفني. الألوان والتكوينات تعكس مشاعر وأفكار الفنانة، مما يخلق صلة عاطفية مع المتلقي. التعبير عن الطفولة، النضوج، والذاكرة من خلال اللوحات يجعلها تتواصل بشكل فعال مع التجارب الإنسانية المشتركة، مما يعزز من تعبيريتها وتأثيرها.

توفر لوحات ماجدة شعبان تجربة تنقل المشاهد عبر تتابع بصري يشبه الإيقاع الموسيقي. الألوان المتناغمة والتكوينات المتغيرة تخلق إيقاعًا بصريًا يستدعي حركة العين عبر العمل الفني، مما يعزز من تجربة المشاهدة ويجعلها تفاعلية. الإيقاع في الألوان والأشكال يعزز من تأثير العمل الفني ويضيف بعدًا إضافيًا للتجربة الجمالية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF%D8%A9-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%BA%D9%85-%D8%AD%D8%B3%D9%8A/?fbclid=IwAR3PoEg0k-5vyYZgbTsHi6Dj-pdUR29FCR9KDMytNFa8-TylJMTTPck3j7E