وجه الحضارة العربية يتجلى عبر مخطوطاتها في دار النمر

ضحى عبدالرؤوف المل

يبرز وجه المخطوطات العربية في "دار النمر" عبر معرضها الذي جرى في دار النمر، تحت عنوان "مِداد: فن الخطّ العربي في الحياة العامة والخاصة"، المرتبط بنواحي حضارية عامة وخاصة. لنتذوق حقيقة الفن الذي يرتبط بالخط من عدة نواحي تنطلق من ضرورات الاكتشاف، لما فيه من حركة تاريخية وجمالية تضعنا وجهًا لوجه أمام المخطوطات التي تحمل عدة عناوين، بدءًا من "قرآن بيد أيوبا سليمان ديالّو" (في قسم الخطّ العربي أبعد من البلاد الإسلامية المركزية) وصولاً إلى كتاب "مواعظ مسيحية" لبطريرك القدس أثناسيوس الخامس، مصدره الأراضي المقدسة، سوريا أو لبنان، ويعود تاريخه إلى بداية شباط 1663م (القسم الثالث). تحتوي هذه المخطوطة على ستٍّ وستين موعظة. من المرجّح أنها كُتبت أصلاً باللغة اليونانية، لكن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في فلسطين كانت من أوائل الكنائس التي تبنّت استخدام اللغة العربية بشكل واسع منذ القرن التاسع على الأقل، في نصوصها التعبّدية والدينية.

وجه فني يقيني يتحدث عن الحضارات التي نشأ فيها، والحقائق التي يرسمها هذا المعرض لما يحتويه من معروضات تهيئ للكثير من الباحثين والمتذوقين صورةً لفن ذي زوايا وجودية للتصور الفني الذي تجتمع فيه الرؤى التي تذخر بالموروثات التاريخية المتعلقة لا شعوريًا بالماضي الموحي بالعبقرية الفنية، والمؤثر بالحاضر الذي يحمل صورة يتم تحديثها، لتشمل بعض ما عرفته البشرية من طبيعة جمالية تبرز في القطع التي تتضمنها المجموعة من مخطوطات ونقود وقطع خزفية وتحف زجاجية وأسلحة ودروع وأقمشة وأدوات معدنية وتحف خشبية مطعمة بالصدف وأيقونات وصلبان مسيحية من القدس، وفخار أرمني أيضًا من القدس وأعمال فنية فلسطينية حديثة ومعاصرة، بالإضافة إلى لوحات ورسوم لمستشرقين. وكأن الحياة تستمر ما دامت متعلقة بحضارات وتراثيات ارتبطت بمراحل تجعلنا على اضطلاع ومعرفة بما مر به أصحاب هذه الأعمال، مثل "قرآن بيد أيوبا سليمان ديالّو" (في قسم الخطّ العربي أبعد من البلاد الإسلامية المركزية). نَسَخ هذا القرآن أيوب بن سليمان ديالّو (1702-1773م)، وهو من عائلة مسلمة من بلاد البند الواقعة في السنغال حاليًا. عام 1730م، أرسله والده لبيع اثنين من العبيد وشراء الورق بثمنهما. لكنه فشل في الاتفاق على سعر مناسب مع قائد إحدى السفن الإنجليزية فقرر الذهاب إلى داخل البلاد لإيجاد شارٍ. وفي الطريق، أُسرته قبيلة منافسة وباعته إلى قائد السفينة ذاته الذي تفاوض معه سابقًا. بعد شهر واحد، رست السفينة التي تحمل ديالّو في أميركا حيث بيع لصاحب مزرعة تبغ. هرب عام 1731م، ولكن سرعان ما قُبض عليه. فأخبر القاضي، وهو رجل إنجليزي يُدعى "بْلُويت"، عن تعاسته لعدم قدرته على ممارسة شعائره الدينية. فكان أن أُعيد إلى المزرعة وسُمح له بكتابة رسالة إلى والده يخبره فيها عمّا آل إليه وضعه. ولدى مرور الرسالة في إنجلترا في طريقها إلى أفريقيا، قرأها السياسي جايمس أوغلثورب، الذي قرر شراء ديالّو من صاحب السفينة.

في عام 1733م، وصل ديالّو إلى إنجلترا حيث تمّ اعتاقه وأصبح مشهورًا نوعًا ما في الدوائر الأرستقراطية إلى حد تعريفه إلى الملك جورج الثاني والملكة كاثرين التي قدمت له ساعة ذهبية. وفي تموز عام 1734م، عاد أخيرًا إلى بلاده حيث قام بتأسيس علاقات تجارية متواصلة مع البريطانيين. نَسَخ ديالّو هذا القرآن من الذاكرة خلال إقامته في إنجلترا. ليسطع نجم الخط العربي في عدة مراحل فيما بعد. فهل تتغير وجوه الحضارات بمتغيرات الزمن أم تبرز اختلافات كل منها عبر ما تتركه من أثر؟

، تسلط المخطوطات الأثرية الضوء على مدى تنوع وتطور الخط العربي عبر العصور. تشكل هذه المخطوطات سجلاً تاريخياً قيماً يعكس تحولات المجتمع العربي والإسلامي، من حيث الديانة، والسياسة، والثقافة. تسهم المخطوطات مثل "قرآن بيد أيوبا سليمان ديالّو" في تقديم معلومات دقيقة حول طرق انتقال النصوص وتوزيعها عبر الأماكن والحقب الزمنية المختلفة. توفر المخطوطات الأثرية أيضًا رؤى حول تقنيات الكتابة، المواد المستخدمة، وتطور الخطوط وتنوعها.

يمكن أن تثير المخطوطات الأثرية مشاعر التعجب والإعجاب أمام الإبداع البشري والجهود الفردية في الحفاظ على التراث. التأمل في المخطوطات يعكس الحالة الذهنية للعصر الذي نشأت فيه، ويعبر عن هويات اجتماعية ودينية وثقافية مختلفة. تعكس جودة الخط والتقنيات المستخدمة المشاعر المرتبطة بالقدسية والتفاني، وكذلك الحرفية والتفوق الفكري للكتّاب والخطاطين.

من الناحية الفنية، تعتبر المخطوطات الأثرية تجسيداً للإبداع الفني في كتابة الخطوط العربية. كل مخطوطة تعبر عن مهارة فنية متميزة تشمل نوع الخط، التكوين، والزخرفة. يعكس الأسلوب الفني تطور المدارس المختلفة في فن الخط وتفاعلها مع الحرفية. مثلاً، يمكن أن توفر التفاصيل الدقيقة والتصاميم الزخرفية في المخطوطات نظرة على تطور أساليب الفن الإسلامي وتفاصيله الجمالية.

من وجهة نظر جمالية، تقدم المخطوطات الأثرية تجربة بصرية غنية. الخط العربي، بمزج بين جماليات الشكل والكتابة، يشكل عنصراً مركزياً في التجربة الجمالية للمخطوطات. الألوان المستخدمة، تزيين الصفحات، والتقنيات التي تعتمد على التنقيط والتظليل تجعل كل مخطوطة عملاً فنياً مميزاً. تنقل المخطوطات جماليات متعددة، من الأناقة البسيطة إلى التعقيد الزخرفي، مما يعزز من تقدير المتلقي لجماليات الفن العربي.

تعد المخطوطات الأثرية دليلاً على التطورات الثقافية والعلمية في العصور التي أنشئت فيها. توفر هذه المخطوطات معلومات حول المواد المستخدمة مثل الورق والحبر، وتفاصيل حول طرق الإنتاج والنقل. كما تعكس العلاقات التجارية والثقافية بين مختلف المناطق عبر النصوص المكتوبة. المخطوطات التي تشتمل على معلومات عن الأماكن والأحداث التاريخية تمثل سجلاً مادياً يتيح للباحثين فهم كيفية تطور الحضارات والتواصل بينها.

تمنح المخطوطات الأثرية عبر التحليل الموضوعي والنفسي والفني والجمالي والأثري فرصة فريدة لاستكشاف تاريخ وتطور الخط العربي وفنونه. إنها نافذة إلى الماضي تقدم رؤى عميقة حول الثقافة والهوية والمجتمع، وتوفر تقديراً لجمال الفن وحرفيته التي شكلت جزءاً هاماً من التراث الثقافي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol