مبدأ الصدمة البصرية لإثارة المزيد من التساؤلات الفنية

ضحى عبدالرؤوف المل

يبوح الفنان طلال معلا (Talal Moualla) بمكنون الأفكار التي تتوارد في مخيلته، ليتُرجمها الأشكال والأحجام والألوان إلى فلسفة حياتية تعكس تشكيلياً تجليات الإنسان وهمومه، ونوازع الخوف والأمن بتضاد بين المضمون والأسلوب. ليستخرج أوجاع الشعوب بتعبير يخوض من خلاله صراعات فنية مفتوحة على حقائق تتصف بعدة تصنيفات. إذ يعتمد الفنان طلال معلا على مبدأ الصدمة البصرية لإثارة المزيد من التساؤلات الفنية التي تقود الحس نحو التفاصيل الأكثر حرارة والقادرة على تكوين المشهد الداخلي بعفوية يتركها تترجم الحركة والضوء، بنماذج مع الألوان الحارة ليصرخ بعفوية في لوحة تحاكي الهموم الإنسانية بشكل عام. حيث يزج بالهواجس بين مقاربات لونية تتلاءم مع نسيج اللوحة ومعناها المتجذر من الوقائع التي توحي بحدث ما راسخ في وجدانيته وبحساسية مقروءة باستبطان جمالي، ليتحول المحسوس إلى بصري عبر أجزاء يستجمعها الذهن بتآلف فني واعٍ ينسجم مع العفوية الظاهرة في اللوحة، وإنما ضمن أطر الوعي التي يتمسك بها الفنان طلال معلا كلوحات معتقل الخيام وغيرها.

يسعى الفنان طلال معلا إلى زرع القيم الإنسانية في لوحة تسيطر عليها نزعة الإنسان المقاوم للصراعات، وبتنوع بصري ذي تدرج يغلب عليه التضاد المبني على التفاعل الحركي بين الألوان. لتحاكي الريشة الفراغات بين التفاصيل التي يتركها للاستقراء، مما يحقق التحفيز للقيمة الجمالية المشتركة من حيث الموضوعية والذاتية. ليجمع بين الحالة اللاشعورية والاختزان الداخلي، لتستمد اللوحة معانيها من الخزين الفلسفي الذي يستجمعه من التفاعل الاجتماعي والإنساني مع القضايا التي تستجد على أرض الواقع، وتؤثر على مسارات الإنسانية. لتكون لوحاته رسالة تعطي للوجود الإنساني قيمة تاريخية ذات معنى جمالي ترتبط بمفهوم الفن التشكيلي وأهدافه، المرتبطة بالأفكار والقيم والتحولات التي تتأثر بها ريشة الفنان. فهل تمثل لوحات الفنان طلال معلا تطورات الصراعات في النفس الإنسانية؟

انسجام تفاعلي بين الألوان والتعبيرات المرتبطة بالقضايا الإنسانية، ليحتفظ كل لون في لوحات طلال معلا بمعنى خاص يعكس وجهاً إنسانياً لحضارة من الماضي هي حاضر الفنان طلال معلا، ليحتفظ بالحقوق الإنسانية لمستقبل تكون اللوحة فيه هي الوجه الأساسي القائم على أسس تشكيلية لا يمكن محوها عبر التاريخ، لأنها تحمل من صفات الواقع التخيلات الهادفة إلى صقل المشاعر والأحاسيس التي تهدف إلى رفع المعنى الجمالي وتطوراته ضمن الحركة الداخلية، وقوانين اللوحة التي تهدف إلى التفاعل الإنساني مع واقع المجتمعات التي تتأجج فيها الصراعات والانتهاكات، وتترك أثرها الكبير على الإنسان، مما يعطي قيمة مضافة لمعنى الفن التشكيلي الذي تبرز من خلاله الأفكار التي ترمز إلى القوى الإنسانية وثوراتها النفسية الداخلية العارمة بالألوان المختلفة، النارية منها والباردة، والقادرة على خلق عدة تفاصيل جدلية ذات أسس جوهرية لمنطق الجمال التعبيري الذي يجسد كافة التشكيلات ومقاييسها المعاصرة، والمتحررة من القوالب الضيقة، لتتسع المفاهيم في لوحات طلال معلا وتتخذ عدة أشكال ورموز إنسانية باعتبارها مرآة الحياة، بل ومكنون الإنسان الذي يحتفظ من خلالها بهمومه ومخاوفه الإنسانية لربط الحركة في اللوحة بالحياة اليومية، بل وبسجل الصراعات التي تقلق البشرية.

أعمال الفنان طلال معلا تترك انطباعًا قويًّا من حيث القدرة على نقل الأحاسيس والتوترات النفسية عبر الألوان والتكوينات البصرية. تتسم لوحاته بقدرتها على استحضار مشاعر القلق والألم، مما يخلق تجربة بصرية تعكس عمق الاضطرابات الداخلية والمعاناة الإنسانية. تستخدم الألوان الحارة والباردة بطريقة متميزة، مما يمنح اللوحات ديناميكية تعكس تعقيدات النفس البشرية وصراعاتها. كما تتناول أعمال طلال معلا قضايا إنسانية عميقة، مثل الصراعات الداخلية والخارجية، والهواجس، والهموم الإنسانية. تعكس أعماله تأملات في المشكلات الاجتماعية والسياسية، مما يجعلها تعبيرًا عن الواقع المعاش من خلال فلسفة تشكيلية. الأسلوب الذي يعتمد عليه، مثل استخدام الصدمة البصرية والتضاد بين الألوان، يهدف إلى إثارة المزيد من التساؤلات حول التجارب الإنسانية وتفاعلها مع الظروف المحيطة.

تجسد لوحات طلال معلا عمق الصراعات الداخلية، حيث يتمثل الألم والخوف من خلال إيقاع بصري متقلب. الأسلوب التعبيري الذي يتبعه يعكس التجربة الإنسانية الذاتية ومعاناتها، مما يسمح للمشاهد بعيش تجارب شعورية مشابهة لتلك التي يمر بها الفنان نفسه. التركيز على الألوان الحارة والباردة يساهم في تمثيل التناقضات النفسية، مثل الخوف مقابل الأمل، والانكسار مقابل القوة.

يتسم أسلوب طلال معلا بالإبداع في استخدام الألوان والتقنيات البصرية. يعكس عمله توازنًا بين الأسلوب التقليدي والابتكار المعاصر، حيث يدمج بين التقنيات الحديثة والتأثيرات الكلاسيكية لخلق تجربة بصرية غنية. الألوان القوية والحركات الجريئة في لوحاته تساهم في تعزيز الإيقاع البصري، مما يجذب الانتباه ويحفز الاستجابة العاطفية للمشاهد. كما تُظهر أعمال طلال معلا قدرة فائقة على التعبير عن المشاعر المعقدة عبر التكوينات والألوان. الألوان الحارة والباردة تُستخدم لإبراز التباين بين الأمل واليأس، والقوة والضعف، مما يخلق تأثيرًا بصريًّا متنوعًا ومعبرًا. حركة الألوان والتقنيات التعبيرية تضيف بُعدًا إضافيًّا للشكل والمحتوى، مما يعزز من تجربة المشاهد ويمنحه فرصة للغوص في عمق الرسائل الجمالية والفلسفية التي يحملها العمل.

تتميز لوحات طلال معلا بإيقاعها المتنوع، الذي يتراوح بين السكون والحركة. الألوان والخطوط تشكل إيقاعًا ديناميكيًّا يعكس تدفق المشاعر والتوترات النفسية، مما يساهم في خلق تجربة بصرية تشد الانتباه وتثير التفكير. التباين بين الألوان الحارة والباردة، والتكوينات غير المنتظمة، يعزز من الإيقاع البصري ويعكس حيوية التفاعلات الداخلية والخارجية، مما يجعل كل لوحة بمثابة لحظة مؤثرة في الوقت والفضاء.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol