الهذيان وسيلة قديمة للتعبير

قراءة في رواية "أرواد" للدكتور محمود عثمان

ضحى عبد الرؤوف المل

تلاشى السرد الروائي في متون "حكاية القبطان مصطفى البطريك" ضمن رواية "أرواد" الصادرة عن "دار ضفاف"، وهي للمؤلف الدكتور محمود عثمان، الذي لم يفصل نفسه عن الحكاية التي تطل على أماكن وظفها جمالياً، لتحمل نفحة شمالية حيث الميناء والأسواق وصولاً إلى جرود الضنية. وبوصف تصويري منح الحكاية موروثات اجتماعية وأماكن طبيعية اتكأ عليها الدكتور محمود عثمان في البناء الحكائي، وبتداخلات متسارعة شحذها بتعاطف فني قاده إلى الموانئ المزدحمة بالنساء "نساء الموانئ في كل البلاد عاهرات"، وبنظرة لم يكللها بتتويج المرأة ومنحها عرش الوفاء والإخلاص، بل تركها كعنصر إنساني بسلب الرجل حتى عفته وكينونته كرجل شرقي. وبتذبذب اجتماعي تكدست فيه أفعال المرأة السلبية التي تنكح حتى الرجل "إنها هي التي تنكح الرجال"، وكأن القبطان مصطفى ما هو إلا المبحر في عمق أمواج النساء وعبر بحرهن المملوء بأسرارهن التي لم يكتشفها كما اكتشفه البحارة جثة هامدة على صخر جزيرة أرواد. فهل الحكاية تسلط الضوء على جزء من الأحياء الشعبية في مدينة الميناء طرابلس؟ أم هي تروي معاناة لرجل مع النساء اللواتي خسر حياته بسببهن؟

حكاية روائية ذات مضمون اجتماعي تعيد لبحارة الميناء مجدهم الضائع عبر التاريخ، وتضعهم ضمن حكاية شعبية يسردها الدكتور محمود عثمان بلغة محفوفة بجمال أدبي. إذ انتزع منها لغة البحار الذي نشأ في أحضان مدينة الميناء القائمة على بحر لفظ جثة القبطان في آخر الأمر، وترك لدمعة النوارس الرثاء الأخير، لأنه لم يستطع أن يسكن في قلب امرأة أنجب منها الأولاد، ولا في قلب امرأة انتهكت قواه وتركته في مهب العمر مكسب النساء اللواتي لم يحافظ عليهن، كما حافظ على كيتي "حدثتك عن كيتي التي اتخذتها أختا وحافظت على عهدي معها احتراما لعروبتي وإنسانيتي". فكيف يحافظ بحار على إنسانيته مع امرأة غربية وينتهك إنسانية النساء العربيات اللواتي سرقت إحداهن عذريته؟ "أجل يا صديقي فقدت عذريتي قبل الثامنة عشرة". فالحكاية لملمت من الأشلاء الاجتماعية في مدينة الميناء ما جعلها حكاية القبطان الذي هلك بعد رحلة لم تتوج بالنصر في الحياة.

حكاية روائية غنية بالشخصيات التي بنى لها أماكن وأزمنة صالحة لخياله الروائي، المرتبط بالبحار الرمز والسمات المتعلقة بكيفية السلوك الإنساني لبحار انطلق من الشمال نحو العالم الآخر، والعوامل المؤثرة في السرد الموصول بأجناس الأماكن الصالحة روائياً والقريبة من نشأته دون أن يبتعد كروائي عن ممارسة نظرياته التي تتمخض عن منشأ ابن منطقة غنية بجمال الطبيعة، وعبق العائلة، والتمسك بالعادات والتقاليد. مما منح الرواية خاصية شمالية لمناطق بدأت من جزيرة أرواد والبحر في مدينة الميناء صعوداً إلى جبال الضنية حيث الأشجار الوارفة على جبال تعانق البحر، عبر خط انحداري أوصل القبطان إلى النهاية الأخيرة التي تركته على جزيرة وهمية من صنع الخيال. بحس شديد الموضوعية وبشفافية أتقن إبرازها، وإن باختصار روائي اشترك مع عدة خصائص حياتية لأحياء شعبية كان من الممكن منحها المزيد من الوصف التراثي الذي لم يشبع منه القارئ.

يتخذ القبطان في الرواية عدة مسارات في زمن لم يتعسر مع الحكاية والعقدة التي لم تشتد، بل أضاف على الوجوه نكهة المأثورات الشعبية المعروفة في المناطق الشمالية من لبنان، مما أغنى نصه السردي الشعبي في تطلعاته البنائية أدبياً. ليشترك مع الخصائص التي تمثل الحقائق فيها جزءاً من الواقع الروائي الذي فرضه على حكاية القبطان والحدث المشحون بتخفيف حدة التأثر والتأثير، من خلال مسار لحياة ملأها بمفارقات مع النساء التي قامت على تصوير الرجولة الشرقية التي تتباهى بإغواء النساء اللواتي عاشرهن القبطان، وتركهن على أمواجه كالمد والجزر، محاولاً بذلك "محمود عثمان" عكس الحياة الإنسانية بطبيعتها التي كانت معروفة للكثير من البحارة آنذاك، وما زالت الذاكرة الطرابلسية أو الشمالية لأبناء الميناء تحتفظ بالكثير من مخزون تلك الحياة، وحتى مفرداتها دون أن تتدنى اللغة الروائية التي استخدمها بحرص شديد على التبسيط وفك العقد. إذ لم تفقد اللغة قيمتها الأدبية رغم ما يجسده بطل الرواية من رمزية شعبية لبحار عاش في غربة واختفى في غربة توحي بالموت والولادة في ناحية أخرى أو مرافئ أخرى.

في رؤية ثانية بعد قراءة ثالثة للرواية

تترك رواية "أرواد" انطباعاً قوياً بفضل قدرتها على غمر القارئ في عالم مليء بالتناقضات الإنسانية والاجتماعية. تسلط الرواية الضوء على حياة القبطان مصطفى البطريك، الذي يعتبر تجسيداً لصراع داخلي ومعنوي يتجاوز نطاق الزمن والمكان، ويعكس صراع الإنسان مع نفسه ومع المجتمع. يتميز الأسلوب بالقدرة على خلق مشهدية شعرية مكثفة، مما يجعل القارئ يشعر بأنه جزء من رحلة القبطان المليئة بالمتاعب والتحديات.

ترتكز الرواية في إطار اجتماعي واسع، حيث تقدم صورة معقدة لمجتمع الميناء وصراعاته. تسبر أغوار الحياة الاجتماعية في هذه البيئة، مشيرة إلى القوى المدمرة التي تؤثر على الأفراد، وخاصة القبطان الذي يواجه صراعات داخلية وخارجية. الرواية تعكس التشابك بين القوى الاجتماعية والعناصر الشخصية، موضحةً كيف يمكن أن تؤثر البيئة المحيطة على تشكيل الهوية الفردية والنفسية.

تُظهر الرواية شخصية القبطان مصطفى كرمز للصراع الداخلي والتفسخ النفسي. يعكس رحلة القبطان صراعاته الداخلية بين القوة والضعف، بين السيطرة والانسياق. تبرز الرواية أثر العلاقات مع النساء كعامل مركزي يؤثر على صحته النفسية، مما يخلق حالة من الإحباط والعزلة. القبطان يمثل تراجيديا الشخصية المنعزلة التي تبحث عن معنى في عالم مضطرب.

تتميز الرواية باستخدامها المكثف للرمزية والتصوير. يتم توظيف عناصر الطبيعة والأماكن لتجسيد مشاعر الشخصيات وحالاتها النفسية. استخدام الدكتور محمود عثمان للوصف الدقيق يعزز من قوة النص ويعطيه بعداً جمالياً. تتداخل الأحداث والذكريات بشكل مبدع لتكون الصورة الكاملة للرواية، مما يعزز من تماسك السرد ويعمق من تأثيره الفني.

الجماليات في الرواية تظهر من خلال الأوصاف الحية للطبيعة والمكان، حيث يمزج الكاتب بين جمال البحر وجبال الضنية ليخلق خلفية غنية للمسار الروائي. الأسلوب الأدبي للكاتب يتسم بالثراء والتفاصيل الحسية، مما يمنح الرواية طابعاً شعرياً وجمالياً. تعكس اللغة الرفيعة والعبارات القوية الجمال العميق في النسيج الروائي.

تتميز الرواية بقدرتها على التعبير عن المشاعر الداخلية للشخصيات بطرق مكثفة وفعالة. تعبيرات الكاتب تصل إلى عمق العواطف الإنسانية وتقدم صورة دقيقة عن صراعات الشخصيات. من خلال استخدام لغة تصويرية وتعبيرية، ينقل الكاتب أحاسيس القبطان ويخلق تجربة شعورية قوية للقارئ.

تستكشف الرواية موضوعات الهوية والوجود والغاية. تساءل الرواية حول معنى الحياة ودور الفرد في مجتمع معقد. القبطان مصطفى يمثل الفرد الذي يسعى لفهم نفسه ومكانه في عالم يملؤه التناقضات. الرواية تتناول مسألة الكينونة البشرية من خلال رحلة القبطان والتحديات التي يواجهها، مقدمةً رؤى فلسفية حول معنى الوجود والتفاعل مع الآخرين.

تستخدم الرواية أساليب قوية مثل الاستعارة والتشبيه لتوصيل الرسائل بفعالية. الأوصاف الدقيقة والتصويرية تعزز من قوة الرواية البلاغية وتجعل القارئ يتفاعل مع النص بشكل عميق. اللغة تعكس الأسلوب الأدبي الغني والمتمكن للكاتب، مما يعزز من أثر الرواية ويجعلها تجربة أدبية متميزة.

رواية "أرواد" للدكتور محمود عثمان هي عمل أدبي معقد ومؤثر يجمع بين الجماليات الفنية، والتحليل النفسي العميق، والأسلوب البلاغي المتميز. إنها تروي قصة إنسانية غنية، وتقدم رؤى عميقة حول الحياة والهوية، مما يجعلها تجربة قراءة فريدة وقيمة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol