تقييم فن القصة وما تزخر به من دلالات عميقة
قراءة في مجموعة قصصية بعنوان "وجه مارغريت القبيح" للقاص قاسم مرواني
ضحى عبدالرؤوف المل
استخرج القاص قاسم مرواني في مجموعته القصصية "وجه مارغريت القبيح"، الصادرة عن دار "هاشيت أنطوان"، من الواقع قصصًا محشوة بالرؤى الاجتماعية والسياسية والأدبية، ما إلى ذلك. وقد قدم تلك القصص وفق محورية الحياة التي تحيط بالإنسان بماضيه وحاضره، دون أن يتعرى من الحقائق أو يحاول تجميلها، بل تركها للقارئ بمفارقاتها الجمالية ومعاييرها السردية، للدخول من خلال الفكرة إلى فهم النص السردي الذي يقدمه كحكاية يقرأها لوجه مارغريت بأوجه مختلفة تحمل القبيح والجميل، والواقع والخيال والسريالية. مزودًا كل قصة بافتتاحية قبل العنوان، مما يفضي إلى تكوين قيم فن القصة وما تزخر به من دلالات عميقة تستدعي الذهن لاكتشاف المغزى دون تعقيد، مستخدمًا ومضات النهاية ونص القصة بفكرتها الإنسانية بشكل عام.
وبذلك، من المشاعر والأحاسيس، يجعل من الأشياء المألوفة حبكة لحقيقة واقعية تكتسب في مجازياتها ترميزًا نستنتج من خلاله ميزة التنوع في مستويات القصص بمجملها، دون أن يغفل عن وجه مارغريت للحظة، بأسلوب يستفز القارئ وهو يتنقل من قصة إلى قصة، محاولاً اكتشاف ماهية وجه مارغريت ولماذا منحها صفة القبح. لنستوضح معه الفهم الخاطئ للعنوان، فهو حصيلة القصص المقيدة بجملة القفلة التي تضع القارئ أمام عدة تساؤلات، أو بالأحرى الجملة التي تصفعه وتؤثر في الانفعالات المشبعة بالتناقضات لمواجهة الشخصيات بعد ذلك بالثغرات التي لن أتطرق إليها في هذا المقال، لأنها بمثابة العثرات الجميلة التي تزيد المفارقات القصصية تأويلات تكشف كل منها عن طبيعة القصة في مجموعة القاص قاسم مرواني ووظائفها في تشكيل المجموعة بأكملها، ليهيمن طيف مارغريت على القصص بأكملها من منظور الذات إلى جدية الواقع وإشكالية السرد في هذه القصص.
هذا الجسد، يا مارغريت، ليس لي. هذا ما يجعلنا نشعر أن الحياة هي مارغريت، الغائية عن الوجود، والتي تركته في الواقع المتناقض الذي يراه بعد غيابها من كوة الذاكرة. ليعيد خارطة الكتابة ويستعيد وجه مارغريت الذي نسيه في خضم الحياة وواقعها المنتمي إلى حريات شخصية يقمعها ويتركها بين الممنوع والمسموح، لتتناقض وتتصارع وتضع النقاط على حروف غير مقروءة من المجتمعات التي ترفض العلاقات بأسلوب تدرجي ووعي لم يسلم من تلغيز الحدس القصصي لاستدراج القارئ نحو العمق غير المألوف أحيانًا في تدوير الحدث البسيط، وقلب المقاييس لتكون بعيدة عن القولبة التي يتمرد عليها. ويلملم من الذكريات الصور التي يجمعها، كما يجمع شعر مارغريت الذي تساقط من أثر السرطان، ليكتب ما لم يكتبه عند موت مارغريت التي تركت دفاترها وأقلامها ورحلت عن الدنيا. فتح في دفاترها وكتب من القصص ما لم تكتبه مارغريت عن ذكريات كثيرة محشوة في رأسه الذي ينتقد الواقع بعيدًا عن التخصيص، بل بشكل عام.
ينهل قاسم مرواني من الواقع ما يجعله ينتفض ويثور ويعيد لوجه مارغريت جمالية غيابها في حضور شخصيات هي من أساسيات السخرية المبطنة بكل معنى ومعنى، بعيدًا عن المباشرة في طرح الانتقاد الحياتي بأشكاله المختلفة، التي تغدو غير متأثرة بالفوارق الدينية، وإنما بالفوارق الاجتماعية البحتة التي لا تتفهم الجوهر الأساسي لوجود الإنسان، خصوصًا في صور الحروب والآثار النفسية المدمرة التي تصيب المحارب أو غيره، والمعاناة التي يصفها وفق مفارقات تنطوي في الكثير منها على السخرية السوداء، وإن بتذبذب بين عدة إشكاليات أمسك بها واحتفظ من خلالها بالتقاليد التي ظهرت في قصة الكاتب ابن البخيل الذي لجأ إلى القرية، ليكتب رواية كتبها أهل القرية عنه. لنخرج من القصة بالعديد من القصص في قصة واحدة تماسكت، وإن كانت تحتاج لحبك الخيوط بشكل أدق، إلا أنها مليئة بالحياة الموجعة التي تركتها أفعال الإنسان وانفعالاته، وعكست أوجه الألم حين ينتاب الذاكرة مشاعر توحي بالصدمة من الصور التي تتجلى أمام المخيلة التي تعود لها الحياة بين الحين والآخر.
ما من غرائبية إلا في وجه مارغريت التي غابت عن الحياة، بينما حضر كل شخصيات قصصه في المجموعة عبر فن سردي حظي بالأمكنة والأزمنة، والإشكاليات المحورية التي تدور حولها الأحداث في كل قصة، حتى كانت المجموعة متصلة ببعضها البعض لاستخراج الحكمة، وكأنها قصة قصيرة جدًا هي السمة التي تتقارب معها في ضوء الدلالة الروائية التي يتبارز معها دون أن يطفئ القلق الذي يفضي إلى الجسد الذي يظلله الموت من خلال عبارات، وإن مات فسيحيا، لتتحول الأشياء من منظوره إلى ملامح يتنفس من خلالها بعمق، ليمحي العقد النفسية المسكونة بالإنسان، بهدف إعادة بناء الصور التي تحتفي بالواقع الحقيقي للمجتمع الذي نعيشه بخطوات مفعمة بالمعاناة الناتجة عن العلاقات الاجتماعية، وحنينها إلى المألوف وغير المألوف في تشكيل البنية السردية، بعبارات لا ترهل فيها لما تمتاز به من بساطة لغوية وجرأة لم تفضح المعنى القبيح عن تصويرات الحياة التي تدفقت من قصصه في مجموعة "وجه مارغريت القبيح".
تستند مجموعة "وجه مارغريت القبيح" للقاص قاسم مرواني إلى مجموعة من الموضوعات المتنوعة التي تتداخل فيها الرؤى الاجتماعية والسياسية والأدبية. يعكس العمل مشهدًا معقدًا من الواقع من خلال حكايات متعددة تعبر عن جوانب مختلفة من الحياة الإنسانية. يتناول القاص قضايا مثل الصراع بين الواقع والخيال، وتناقضات الحياة، وعلاقة الإنسان بماضيه وحاضره، وذلك من خلال أسلوب سردي يتسم بالتعددية والتنوع. العنوان ذاته "وجه مارغريت القبيح" يشير إلى محاولة استكشاف أبعاد الجمال والقبح في شخصية مركبة تعكس قضايا وجودية واجتماعية.
الانطباع الأولي من قراءة مجموعة "وجه مارغريت القبيح" هو التعقيد والتنوع الذي يعكسه النص. يشعر القارئ بأن كل قصة هي قطعة من لوحة كبيرة، تتجمع لتشكل رؤية شاملة ومعقدة عن الحياة. الطابع الأدبي للقاص يبعث على التأمل في كيفية تعامل الشخصيات مع الواقع الذي يحيط بها وكيفية استجابتها لمتغيرات الحياة. قد يشعر القارئ أحيانًا بالارتباك أو حتى التحدي، لكن هذا الارتباك هو جزء من التجربة الأدبية التي يحاول القاص تقديمها. إذ تعكس المجموعة صراعات داخلية عميقة تسكن الشخصيات. تُبرز القصص مشاعر الإحباط، التناقض، والتشوش التي تعتري الإنسان عندما يواجه الحقائق المرة أو المواقف التي لا يستطيع تفسيرها. إن تصور "مارغريت" كرمز قد يعكس صراعات نفسية معقدة تتعلق بالجمال والقبح والقبول والرفض، ما يضفي بُعدًا نفسيًا عميقًا على النص. القصة تتناول جوانب من الذات الإنسانية التي لا تعكس فقط الأحاسيس الفردية، ولكنها أيضًا تعبر عن قضايا اجتماعية أوسع.
يتميز أسلوب قاسم مرواني بالسرد المتشعب والتداخل بين الواقعية والخيال. استخدامه للأحداث والأماكن كأدوات لتعزيز المضمون القصصي يعطي النص طابعاً سردياً غنياً. القاص يتقن استخدام الرموز والإشارات التي تتطلب من القارئ التفاعل معها بعمق لفهم الرسائل المخفية. البناء السردي للقصة يتسم بالمرونة والتعقيد، حيث تدمج العناصر السردية بشكل يعكس إبداع القاص في توظيف التقنيات الأدبية.
، يتميز النص بجمالية سردية تتناغم مع تعدد الأوجه والطبقات في النص. الأسلوب الكتابي للقاص يخلق تجربة بصرية وفكرية غنية، حيث تمزج الصور الأدبية بين القبح والجمال بشكل يعكس تعقيدات الطبيعة البشرية. النص يستفز القارئ لمعايشة التجارب الإنسانية بتفاصيلها الدقيقة والمتناقضة، مما يعزز الجمال الفني الذي يعكس فلسفة القاص في تقديم رؤى متعددة الأبعاد.
فيما يتعلق بالتعبير، يُظهر قاسم مرواني قدرة بارزة على التعبير عن مشاعر وتعقيدات الشخصيات بشكل يجعل القارئ يتفاعل عاطفياً مع النص. الكتابة مليئة بالصور التعبيرية التي تضيف عمقًا وجاذبية للنصوص. القاص يستخدم لغة تتسم بالجرأة والصدق، مما يجعل التعبير عن القضايا الإنسانية أكثر تأثيراً وقوة. تعبيراته تسلط الضوء على التناقضات والآلام بطريقة تتحدى القارئ وتثير التفكير.
تمثل مجموعة "وجه مارغريت القبيح" تجربة سردية مميزة تدمج بين تقنيات السرد الكلاسيكية والتجريبية. القاص يستخدم سردًا متنوعًا يعتمد على تقنيات مثل الافتتاحيات، والمفارقات، والتداخل بين القصص لتكوين رؤية متكاملة عن الموضوعات التي يتناولها. كل قصة تعد جزءًا من كل أكبر، مما يمنح النص بنية سردية تشكل نسيجًا معقدًا يساهم في تحقيق التجربة القصصية الشاملة.
باختصار، مجموعة "وجه مارغريت القبيح" لقاسم مرواني تقدم عملاً أدبيًا متنوعًا ومركبًا يجمع بين الجوانب النفسية، الفنية، والجمالية. النص يستفز القارئ للتفكير والتأمل، ويعكس بصورته الفنية تجربة إنسانية متعددة الأبعاد، حيث يشكل كل عنصر من عناصر السرد جزءًا من تجربة قراءة غنية ومعقدة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol