ريشة تبحث عن ذاتها
ضحى عبدالرؤوف المل
هل تريد القول "يمن نشابي" في معرضها التشكيلي "رفقًا بالقوارير"؟
تكثر الفنانة يمن نشابي (Yumin Nashaby) من استخدام المستطيلات في أعمالها، وتتوازن الأشكال الأخرى مع بعضها. إلا أنها تميل إلى الارتفاع أو الطول، مما يضفي نسبة جمالية عالية بصريًا، تاركةً المرأة في فوضى منظمة بين الخطوط والألوان، لتتزين وتتجمل وتتمرد، وتنتفض وتؤلف نغماتها الفنية وفق ريشة تبحث عن ذاتها بموضوعية مع الألوان وسطوعها الإشراقي الذي يزيد من الاستبصار، لتخلق دهشة خاصة بها وإن مزجت أسلوبها بالكثير من المفاهيم المزدانة بالحركة الصاخبة، والأشكال الساكنة التي تحاور المتلقي بفن يغلب عليه المحاكاة اللونية بين الأشكال الرياضية التي تتباهى في اللوحات، وكأنها المساكن التي تحتوي روح الجمال القابع في المرأة، خاصة وإن تعرجت أطيافها في بعض اللوحات، لتخرج عن المألوف بتكثيف تتجاوز من خلاله برشاقة المسافة بين التعبير والحس التجريدي والتخيلي الغارق بالرومانسية، بإيجاز رمزي ذي سمات جمالية طويلة بصريًا، لأنها تتضمن عدة خصائص متفاوتة وتربطها بقاسم مشترك مع أنماط الأشكال الرياضية التي تطمسها، وتستخرجها كأشكال اجتماعية عديدة، لتتلاعب بالتعبيرات وتضعها في خانة غرائبية تعبيرًا عن تمرد تستبطنه بالحس الأنثوي في الوجوه التي تجردها من ملامحها، وتتركها في حالة إثبات إنسانية تجمعها مع الآخر إنسانيًا، وكأن المرأة قارورة عطر تدهش الحواس عند تواجدها في كل مكان، بمقاييس غير محددة وباختلافات تنظر إليها من داخل مستطيل أو من قارورة حساسة. فهل تريد القول "يمن نشابي" في معرضها التشكيلي "رفقًا بالقوارير"؟
في معرض الفنانة يمن نشابي، تظهر أشكال إيحائية تتسلل معانيها الجمالية وفق مقتضيات بصرية تفضي إلى مبالغة أحيانًا في طول الشكل المستقيم والمتعرج، للكشف عن واقعية ما ترسمه وتخيلاتها التي ترى من خلالها الصور الاجتماعية، المبنية على قدرة الريشة في الغوص إلى أعماق اللون، واستخراج كنه المرأة التي توحي برؤية دقيقة الاختيار. وتحدث دهشة تفاجئ الخيال بمفارقاتها التي تستوحي من معاني اللوحة ما يراه في المرأة، وبمستويات تختلف من رأي لآخر، دون أن تستنسخ أشكالها أو تمارس التكرار الخالي من الإيقاع أو النغمة التي تكشف عن منولوجات نشأت من عدة عوامل إنسانية تتوافر فيها جماليات لا يمكن اكتشافها، لتحفيز الحس على تذوق اللوحة المشهدية أو الشعبية القادرة على فرض المرأة وفق معادلات حساسة في تطلعاتها نحو التحرر أو التقييد بما تحمله المرأة من ألوان مختلفة جسديًا وفكريًا وروحيًا، كعطر ينشر شذاه في كل مكان. فهل تتحاشى يمن نشابي النقد الاجتماعي اللاذع للمرأة وتضعها في أماكن جمالية وزعتها بين المستطيلات والمربعات وحتى الدوائر، لتكون المرأة في كل مكان هي لوحة الجمال التي تهدف إلى إشباع الوجود بالحس الفني المطلق؟
سطوة قوية للشكل في لوحات يمن نشابي، مما يجعل من اللون وسيلة تتغلب على اللوحة، وكأنها الأثواب المزركشة التي جردتها، لتمنح اللوحة حيوية تتسم بمفارقات الحياة، لما تحويه من تناقضات بين الألوان الحارة والباردة، وبريشة اعتيادية لم تخرج من عباءة الفن التشكيلي ولم تنتفض عليه، إلا من خلال الطاولات التي رسمت عليها. ليلاحظ المتلقي المزج الذي جعلته وسيلة لإحداث الإدهش بتأنٍ، لامس حدود الأشكال، وخرج عنها في بعضها دون إفراط في استبدال المعنى الموحي بجمالية المرأة بكافة أشكالها، وأينما تواجدت، مستحدثة بعدًا آخر للصورة الاجتماعية للمرأة دون تفريط بحساسيتها التي تشبه قارورة العطر، وبروح مختلطة بين التقاليد الشرقية والانتفاضة عليها، ولكن ضمن أهمية المرأة وحريتها.
وبرؤية أخرى من خلال استعراض أعمال الفنانة يمن نشابي، يلاحظ أن اللوحات تتسم بنوع من الفوضى المنظمة، حيث تكثر المستطيلات وتتنوع الأشكال. هذا التنوع في الأشكال يعكس حالة من الحركة المستمرة والتوتر البصري، مما يخلق انطباعًا بأن الأعمال ليست ثابتة، بل تتنفس وتتغير. هذه الديناميكية تعبر عن قلق داخلي أو تمرد، ينسجم مع الطبيعة البشرية.
تستفيد يمن نشابي من الأشكال الهندسية كأدوات تعبيرية، حيث تركز على المستطيلات بشكل رئيسي وتوازنها مع الأشكال الأخرى، مما يخلق تناغمًا بصريًا معقدًا. الموضوع الرئيسي يتمحور حول المرأة وتعابيرها الداخلية، مما يعكس اهتمامًا بالبعد النفسي والرمزي للأنوثة. استخدام الألوان وتوزيعها لا يتبع قواعد تقليدية، بل يعبر عن حالات مختلفة من التوتر والهدوء، مما يعكس حالة المرأة كما تراه الفنانة.
تعبر الأعمال عن صراع داخلي وعاطفي، حيث يظهر التوتر من خلال تقلب الأشكال والألوان. هذا يمكن أن يُفَسَّر على أنه تعبير عن المشاعر المتضاربة التي تعاني منها المرأة في المجتمع. الألوان الجريئة والأشكال القوية تعكس رغبة في التحرر والتعبير عن الذات، بينما الأشكال المتوازنة تشير إلى محاولة البحث عن الاستقرار وسط الفوضى.
اللوحات تثير شعورًا بالدهشة والفضول لدى المتلقي، حيث يدفعه التباين بين الألوان والأشكال إلى التفكير والتفحص العميق. هذا قد يخلق تأثيرًا نفسيًّا مزدوجًا، يجمع بين الإعجاب والإرباك، ويحفز المتلقي على التفكير في الأسئلة المتعلقة بالهوية والتعبير الشخصي.
من الناحية الفنية، تميز أعمال يمن نشابي بتقنيات متقدمة في استخدام الألوان والأشكال. التلاعب بالأشكال الهندسية والألوان الحية يعكس مهارة فائقة في خلق توازن بصري، بينما تمنح استخدامات اللون القوي وتداخل الأشكال إحساسًا بالعمق والتعقيد.
الجمالية في أعمالها تكمن في قدرتها على الجمع بين التناقضات: بين الأشكال الصارمة واللمسات التعبيرية، وبين الألوان الحارة والباردة. هذا التباين يخلق جمالًا ديناميكيًّا يثير الإعجاب، ويعكس طبيعة متجددة وغير ثابتة للمرأة كما تُعبِّر عنها الفنانة.
الأعمال تعكس إيقاعًا بصريًّا مركبًا، حيث يتغير التوازن والتنسيق بين الأشكال والألوان باستمرار. هذا الإيقاع يتجلى من خلال التكرار والتباين بين المستطيلات والأشكال الأخرى، مما يخلق حركة وتوترًا بصريًّا يثير الانتباه ويجذب العين.
تعبير الإيقاع في الأعمال ينم عن تنوع في الحالة المزاجية والرمزية التي تحاول الفنانة تقديمها. الإيقاع البصري ليس منتظمًا بل يتبع تدفقات غير متوقعة، مما يعكس تعقيدات المشاعر والأفكار. التغيير في الإيقاع يعزز من تجربة المتلقي البصرية والنفسية، مما يجعله يشارك في العملية الإبداعية بشكل أكثر تفاعلًا.
يمكن القول إن أعمال يمن نشابي تعبر عن حالة من التوتر الداخلي والتغيير المستمر، مع التركيز على تعبيرات المرأة من خلال الأشكال والألوان بطريقة تعكس قوة وعاطفة. الإيقاع البصري في أعمالها يعزز من تجربة المشاهدة، مما يخلق تأثيرًا عميقًا ومستدامًا على المتلقي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol