قيمة حيادية تمثل التفاوت اللوني بين الشكل والفراغات
ضحى عبدالروف المل
تحمل لوحات الفنانة "دورين الزين" (Doreen Khanamirian El Zein) قيمة حيادية تعكس التفاوت اللوني بين الشكل والفراغات، أو حتى الفواصل الضوئية، باعتبارها تجريدات تحركها الرؤية الإبداعية، اللاشعورية المتمردة على التحليلات والتفسيرات. تكشف هذه اللوحات عن عوامل نفسية مكونة من عدة إحساسات، تصهرها في لوحة تتميز بعوامل جمالية متنوعة تحيط بالخصائص الفسيولوجية للأشكال التي تتوالد وتندمج ضمن مستويات مختلفة ومتباينة في سماتها. هذه الأشكال تحاور البصر والجوانب الانفعالية الباردة، القادرة على امتصاص مزاجية المتلقي وتناقضاته الداخلية، وكأنها جزء يساهم في ترجمة الصورة التي تنشأ في المخيلة وحيز الوجود بشكل ظاهر ومبطن.
تتيح الفنانة "دورين الزين" الغوص في تأملات تتكثف فيها الزخرفات التفاعلية، الناتجة عن حركة الألوان الحرة والتلقائية في تشكلها الإيحائي ذي الأشكال المتشعبة والمشبعة بالمزاجية الخلاقة التي تتخطى شمولياتها ما يوحي بالانفجار الكوني وتشظيات الضوء مع الرمادي، مما يستوفي خلجات الفن التجريدي. يندمج هذا مع المفاهيم الأخرى التي تتعدد تأويلاتها وفق المضمون الخاضع لرؤيتها الكونية للإنسان.
تتميز قوة الحركة في لوحات الفنانة "دورين الزين" بالتشظي وبخصوصية العناصر المكونة للأشكال التي لا نهاية لها. فالتحول الجزئي من صورة إلى صورة يتفاوت في التخيلات التي تنعكس على الخيوط اللونية، والمربعات، والمثلثات، والدوائر المخفية بين التجريد الذي ينم عن قوة الحواس والروح في الطواف بين الوجود والفناء، ومعنى البقاء المعلق في الحياة. تتساءل الفنانة في لوحاتها عن قوة الوجود أو قوة العدم، أو حتى قوة الروح عند الإنسان التي تتشكل وفق مؤثرات الحياة من حزن وألم وفرح، وأوجاع وحلم ويقظة، نافية للأجساد ومتعلقة بها.
تتناغم الفنانة مع روح اللون عبر موسيقاها الذاتية، لترحل بموضوعية مع المتلقي وتحاوره ذهنياً عبر أبسط الأشكال التشكيلية العبثية. تسعى لإعادة مفهوم البشرية إلى الأصل الذي خرجت منه كما تراه من منظورها الفلسفي والتشكيلي، سابحة بين الألوان وفق تدرجات الألوان الباردة. تؤكد على وجود النور والظلمة في لحظة ما معاً، لتتشكل الإنسانية مع الصراعات الداخلية في النفس قبل خروجها إلى عالم المادة، الذي تخفيه بأسلوبها التشكيلي الذي يميل إلى إبراز قيمة التشكيل في خلق المفاهيم الفلسفية وتساؤلاتها التي لا تنتهي في ماهية خلق الإنسان. فهل تبحث عن سعادة لا شقاء بعدها؟ أم تريد محو الشر والعودة إلى قوة الوجود المطلق بعيداً عن المادة؟
لوحاتها سهل ممتنع، تتداخل فيها الصور الإيحائية وتتشابك الخطوط، وتختلط فيها المعاني لتصحح الاستدارات وتتركها ضمن الأشكال الرياضية والتجريد القادر على خلق تعبيرات تنسجم مع ألوانها الهادئة، الخاضعة لمزاجية الريشة التي تنتظر الضوء الذي يعتمد على إظهار الحركة في الألوان الحيادية الباردة التي يستحيل تحريكها. لتكوين حركي دائم لا نهاية له، كأنها ترفض فكرة الموت أو السكون المطلق في تجسيد الخلود الروحي والسلام الذي تبحث عنه "دورين الزين" بين الألوان والأشكال التي تبهرها وتنقلها بإحساساتها وتدرجات الألوان إلى المتلقي.
إنها رؤية جديدة للبشرية، ولكن عبر لوحة تشكيلية هي القوة الحقيقية للحياة التي تراها "دورين الزين" وفق منظورها الداخلي، وإيجابية إحساساتها التي تتناقض مع المعاناة والحزن، لتحافظ على قوة روحية اللوحة. إذ تشكل لوحات الفنانة "دورين الزين" تجربة بصرية تثير الانتباه وتدعونا لاستكشاف عالم بصري غني بالتفاصيل. تنقل اللوحات إحساسًا بالعمق والتعقيد من خلال التلاعب بالألوان والأشكال. الانطباع الأول الذي تتركه هو مزيج من التأمل في التوازن بين الشكل والفراغ، حيث تتدفق الألوان بتنوع في تناغم لا يخلو من التجدد والابتكار. يشعر المتلقي بحركة غير محددة ومرنة بين الألوان، مما يخلق شعوراً بالانسجام المستمر، كأن اللوحات تنبض بالحياة.
تعكس اللوحات قيمة حيادية تعبر عن التفاوت اللوني بين الأشكال والفراغات. الألوان تتجسد عبر تدرجات مختلفة، مكونةً تباينًا بصريًا يعكس تقلبات وتجاذبات الضوء والظل. التكوينات التجريدية تُظهر الأشكال بأبعاد غير محددة، مما يتيح للمتلقي أن يفسرها بشكل شخصي. الفنانة تعتمد على تجريد الأشكال والفراغات لخلق تجربة بصرية تفتح المجال لتعدد القراءات والتفسيرات.
من الناحية النفسية، تنقل اللوحات مجموعة من الأحاسيس والانفعالات المتباينة. الألوان والتجريد يعكسان حالة من التأمل العميق والبحث عن معنى في عالم متغير. الاستخدام الديناميكي للألوان يعكس الصراعات الداخلية والتناقضات النفسية التي يعيشها الإنسان. التجريد البصري يقدم مساحة للتفاعل الذهني والشعوري، مما يسمح للمتلقي بالتعامل مع مشاعره وأفكاره من خلال التجربة الفنية.
تقنيات الفنانة تتميز بالابتكار والتجريب، حيث تستخدم الألوان والأنماط بشكل غير تقليدي لتكوين تأثيرات بصرية مميزة. التكوينات الفنية تتسم بالمرونة والحركة، مما يعكس إيقاعًا بصريًا يستمر في التطور مع كل نظرة جديدة. الأسلوب التجريدي يعزز من قوة التأثير الفني، حيث يتم استكشاف علاقة الألوان بالأشكال بطريقة تتجاوز البنية التقليدية.
جماليات اللوحات تقوم على التوازن بين الشكل واللون، حيث تعزز الألوان الباردة والحيادية من تأثيرها البصري. تنبض اللوحات بجمال يعكس تباين الألوان والأشكال، مما يخلق تجربة بصرية مريحة ومعقدة في الوقت ذاته. التناغم بين العناصر البصرية يعزز من الجمالية العامة للعمل، ويجعل كل لوحة تشكل جزءاً من كينونة جمالية متناغمة.
الإيقاع البصري في أعمال "دورين الزين" يعكس حركة مستمرة وتناغمًا داخليًا بين الألوان والأشكال. يتسم الإيقاع بالبنية الديناميكية التي تحاكي الإيقاعات الموسيقية، حيث تتنقل العين بين العناصر البصرية بسلاسة. الألوان تتدفق بشكل يعكس حركة لحن بصري، بينما الأشكال تعزز من الإيقاع من خلال تكرارها وتباينها. هذا الإيقاع يخلق تواصلًا بين العمل الفني والمتلقي، محققًا توازناً بين العناصر البصرية وتدفق المشاعر.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol