المخرج الفلسطيني أحمد العربي خميس لمرايا: "الرسائل المسرحية هي ما يحدث في الوطن العربي حاليًا من نزوح وحروب أهلية" حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
أن تبكي وتضحك في آن واحد، فهذا يعني أن التأثر بلغ من واقعيته ما جعله يستفز أحاسيسك إلى الحد الأقصى، وهذا ما يشعر به المشاهد وهو يرى مسرحية "حكي قبور" التي كتبها أحمد العربي خميس بأسلوب الكوميديا السوداء الذي استخرجه من لب الواقع الاجتماعي والوطني الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني في المخيمات أو في أي مكان آخر في العالم. إلا أن ما يميز أعماله هو قوة النص الدرامي الذي يعتمد على المفارقات الاجتماعية. درس الكاتب والمخرج الفلسطيني أحمد العربي خميس الأدب الإنجليزي في الجامعة اللبنانية، وكتب العديد من القصص القصيرة التي تم نشرها في بعض المجلات والمواقع الإلكترونية، بدءًا بالكتابة والإخراج منذ عام 1995. وأسس مع بعض الأصدقاء والشباب من ممثلين وموسيقيين، ورسامين وشعراء ما يُسمى بالمسرح الوطني الفلسطيني في لبنان. وحتى الآن قدم حوالي عشرة أعمال في عدة مناطق مثل طرابلس وبيروت وصيدا. فقط الأعمال المسرحية، لكن الحلم هو أن يتجول هذا المسرح في كل البلدان العربية. ومع الكاتب والمخرج الفلسطيني أحمد العربي خميس أجرينا هذا الحوار:
- مخرج فلسطيني من مخيم البداوي في مدينة طرابلس، لبنان، ما صعوبة الفن المسرحي في ظل ضيق المساحة الوطنية للمسرح الفلسطيني؟
أعتبر أن المسرح بشكل عام في لبنان لا هوية له إن كان لبنانيًا أو فلسطينيًا. لأن المعاناة كبيرة في لبنان من حيث القدرة على تقديم الأعمال الفنية المسرحية، سواء من الفنان الفلسطيني أو اللبناني. ربما يتميز الفنان اللبناني قليلًا لأنه يستطيع تحصيل التمويل لأعماله أكثر من الفنان الفلسطيني المحصور بين عدة جهات، ويحاول قدر الإمكان الصمود بالمسرح الوطني. ليجد تمويلًا من جهة معينة لا تفرض عليه شروطًا أو الإلغاء لأي فقرة بالنص، كنوع من الرقابة. حقيقةً، نحن نعتمد على الجمعيات الشبابية وبعض الشخصيات، وعلى المكتب الحركي الطلابي، لكن المعاناة مشتركة بين الفنان اللبناني والفنان الفلسطيني.
- مسرحية "حكي قبور" حملت عدة رسائل، وأنت من كتبها وأخرجها، ماذا تريد أن تقول من خلالها؟
الرسائل المسرحية هي ما يحدث في الوطن العربي حاليًا من مجازر وتهجير ونزوح وحروب أهلية دخلنا في دائرتها وتنهش بالجسد العربي والأوطان منذ سنوات، مثل الذي حدث في ليبيا والعراق وسوريا. فالمسرحية تحاول الإضاءة على كل هذه الحروب العبثية والموت المجاني، والمعاناة التي مزقت أوطاننا وحتى الآن لم تقدم ما هو جيد للأوطان، بل قسمت وشتت الإنسان المشتت نفسه.
فلسفة الحياة بعد الموت بصيغة متنوعة أبكت وأضحكت، هل تعزف على الوجع الفلسطيني؟ لم نحاول في هذا النص المسرحي الدخول في فلسفة الحياة بعد الموت. أخذنا هذا المنحى الفني لمخاطبة الأحياء من خلال الأموات، فالمسرحية عنوانها "حكي قبور" وهي تتكلم عن مقبرة، لنخاطب الأحياء بطريقة مواربة لكي نخلق الأجواء الفنية المسرحية التي تجذب المشاهد دون مباشرة في طرح القضايا التي تم تناولها في المسرحية. هدفنا من المسرحية هو مخاطبة الأحياء من خلال سيرة الأموات فقط.
الإخراج بمؤثرات مدروسة وأقل تكلفة ممكنة، هل هو مغامرة أم مخاطرة وتهور أم ثقة بالذات؟ الإمكانيات المسرحية في هذا العمل التي لا تتحمل سينوغرافيا أكثر من ذلك، ربما فقط بعض الإكسسوارات كالشجرة التي تحيط بالقبور بشكل عام، لا تحتاج أكثر من ذلك، وإلا تصبح مجانية. حاولنا قدر الإمكان منح النص المسرحي حقه، وبالنهاية النص هو بطل العمل أو العنصر الأساسي إلى جانب العنصر التمثيلي. المشكلة الوحيدة التي واجهتنا في هذا العمل كانت الإضاءة؛ لم نستطع تنفيذ الإضاءة كما يجب لعدم جهوزية المسرح لذلك.
- أتقنت لعبة الكتابة والإخراج، وبرع الممثل في خلق مونودراما لا يمكن وصفها بالسهولة أبدًا، ما رأيك؟
المونودراما لعبة خطيرة جدًا، لأنها تصعب مسك الجمهور أو جذبه لأكثر من ساعة دون ضجر أو ملل، بأسلوب تشويقي كي لا يتشتت الجمهور. طبعًا، تحتاج إلى نص مركب بطريقة ممتعة فيه حركة لافتة، وعرض مثير للمشاهد، بل وتجعله في حالة دهشة مستمرة. اعتمدنا على الموسيقى، وعلى الممثل "فواز بسومي" الذي استطاع تنفيذ ذلك بقدراته من تمثيل وغناء ورقص وتأدية أصوات ولهجات مختلفة. المسرح المونودرامي من أصعب المسارح، والكتابة المونودرامية أيضًا تتميز بالصعوبة، لكننا اعتمدنا على الكوميديا السوداء والكونتراست بين الحزن الفجائي والكوميديا التي نسميها كوميديا سوداء.
- لو تكلمت بلغة النقد المسرحي لتناسيت بعض الثغرات، لأن الدهشة المسرحية حققت غايتها، كيف تخطيت ذلك كتابة وإخراجًا؟
الإخراج يحتاج إلى مكان وإضاءة وبعض المؤثرات والإكسسوارات غير المجهزة في المسرح. لهذا اعتمدت على قوة النص وجدارة الممثل. يمكننا القول إن الممثل في هذه المسرحية كان عاريًا وخاليًا من أدواته الضرورية، لأنه اكتفى بأدوات بسيطة. فالمسألة هي أن المسرح المجهز بكل الوسائل التقنية اللازمة للمسرح التمثيلي والضرورية غير موجود في مسارح طرابلس. وأؤكد أن المسرحية تتناول قصصًا حقيقية عايشتها وسمعت عنها، ودفاعًا عن الكثير من الأشخاص الذين ماتوا ظلمًا سواء كانوا صبية أو شبابًا أو عجائز. واعتبرت المسرحية نوعًا من التحية لهم وتعويضًا معنويًا لما حدث لهم، وآخرها الحادث الذي تم عرضه على الأخبار وهو شاب من بيروت أنهى تعليمه الجامعي ومات نتيجة حادث سير، الذي رويناه في المسرحية، وهي تحية لكل الشهداء الذين ماتوا في كل الوطن العربي والذين ماتوا ظلمًا، سواء بحادث تفجير أو ضحايا تخلف وجهل وما إلى ذلك.
- ما مدى صعوبة تجوال المسرح الفلسطيني في الدول العربية؟
صعوبة كبيرة جدًا، لأن الإنسان الفلسطيني ممنوع من الدخول بسهولة إلى أي بلد عربي. حاولنا التواصل بشكل جدي وكبير مع مسرح الفجيرة ومهرجانه المونودرامي، ولكن لم نحصل على الرد. يمكن أن تكون الصعوبة أيضًا في أمور أخرى، مثل الدعوة إلى تونس، ولكننا لم نستطع لأننا لا ننتمي إلى أي جهة رسمية فلسطينية.
- هل من مسرحية جديدة سيتم تقديمها على مسرح طرابلس؟
نعم، نحن مستمرون في أعمالنا ونعمل حاليًا على مسرحية بعنوان "بانتظار فرج" سيتم تقديمها بعد عيد الفطر السعيد. وهي عمل جماعي يحكي عن الوطن العربي بأسلوب المسرح العبثي "بانتظار غودو" من خلال شخصيات تنتمي لعدة جنسيات. وأيضًا مسرحية مونودرامية بعنوان "النورس" وهي قصة فتاة أسيرة، وسنختار لها ممثلة تتقن الكثير من الفنون، وهي تحية لكل أسير فلسطيني.
في رؤية تحليلية للحوار وللمسرحية
مسرحية "حكي قبور" تتناول موضوعات اجتماعية وسياسية عميقة تتعلق بالأزمات الإنسانية والحروب الأهلية التي تعصف بالعالم العربي. تركز المسرحية على المفارقات الاجتماعية والإنسانية التي يعيشها الناس في ظل النزاعات المستمرة، من خلال استخدام أسلوب الكوميديا السوداء لإبراز التناقضات بين الحياة والموت، الفرح والحزن. موضوعها الرئيس هو كيف يمكن للأحداث السياسية والاجتماعية أن تؤثر على الفرد والمجتمع، مسلطة الضوء على الألم والتهجير والموت الذي يتسبب فيه الصراع.
تتيح المسرحية للمشاهدين فرصة للتعامل مع مشاعر الحزن والغضب عبر الكوميديا السوداء، مما يخلق مساحة للتعبير عن الألم بطريقة غير مباشرة. الكوميديا السوداء تساعد في تخفيف وقع الرسائل الثقيلة، وتسمح للمشاهدين بالتفاعل مع المحتوى بشكل أكثر راحة. استخدام الموت كمحور رئيسي في الحوار مع الأحياء يوفر استكشافًا عميقًا للوجود والعدم، مما قد يؤدي إلى شعور بالتحرر العاطفي والتفكير في قضايا الحياة والموت بطريقة جديدة.
تعتمد المسرحية على أسلوب الكوميديا السوداء، الذي يتطلب توازنًا دقيقًا بين الفكاهة والمأساة. المسرحية تمتاز بالأسلوب الإخراجي الذي يركز على النص أكثر من الإبهار البصري، حيث تُستخدم عناصر بسيطة مثل الإضاءة والإكسسوارات لتعزيز الرسائل الدرامية. في هذا النوع من المسرح، يعتبر النص والتمثيل هما العناصر الأساسية التي تدفع العمل قدمًا، مع التركيز على كيفية تقديم القضايا الاجتماعية والسياسية بشكل يثير التفكير.
"حكي قبور" تسعى لتحقيق تأثير بصري محدود ولكن مؤثر. استخدام الإضاءة البسيطة والإكسسوارات كالشجرة التي تحيط بالقبور يعكس الطبيعة المتواضعة للمسرح ويحافظ على التركيز على المحتوى النصي. الجمالية هنا تقوم على تقديم تجربة بصرية غير معقدة، مما يعزز التجربة النفسية والذهنية للمشاهد. البساطة في العرض تعزز من الرسائل الدرامية وتسمح للمشاهد بالتركيز على التفاعل الفكري والعاطفي.
المسرحية تستخدم أسلوب "المونودراما" لخلق تجربة أداء مكثفة. تمثيل الممثل فواز بسومي يأتي كعنصر رئيسي في هذا التعبير، حيث يقدم أداءً متنوعًا يجمع بين التمثيل والغناء والرقص، مما يضيف عمقًا وتجسيدًا للشخصيات والمواضيع. هذا الأسلوب يخلق لحظات من الدهشة والالتزام، مما يعزز من تأثير الرسائل المسرحية على الجمهور.
المسرحية تعتمد على تنسيق دقيق بين الإضاءة والإكسسوارات والحركة المسرحية. الإيقاع البصري هنا ليس سريعًا أو معقدًا، بل متوازن وموجه بشكل يسلط الضوء على النص والتمثيل. الإضاءة تُستخدم لتحديد أوقات مختلفة في الرواية وتعزيز الحالة المزاجية المطلوبة، بينما الحركة المسرحية تُحافظ على التدفق السلس للعرض دون تشتيت الانتباه عن الرسائل الرئيسية. هذه البساطة في التنسيق البصري تدعم الإيقاع العاطفي والفكري للمسرحية، مما يعزز من تجربة المشاهد ويعكس التوترات والاتساع في النص.
"حكي قبور" تعكس قدرة المخرج أحمد العربي خميس على دمج القضايا الاجتماعية والسياسية العميقة مع أسلوب فني مميز يتلاعب بالكوميديا السوداء. التوازن بين الإيقاع البصري البسيط والعناصر الدرامية يخلق تجربة فريدة تتيح للمشاهدين التفاعل مع قضايا إنسانية عميقة بشكل يثير التفكير والتأمل. من خلال التركيز على النص والتمثيل واستخدام أسلوب بصري محدود لكن فعال، تحقق المسرحية تأثيرًا قويًا على جمهورها، يعكس التحديات والمعاناة التي تعاني منها المجتمعات العربية في الوقت الراهن.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol