الفنان التشكيلي محمد عزيزة للواء: "العمل الفني وحده كفيل بأن يتكلم مع المشاهد، وهو كالموسيقى"

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

تشكل لوحات الفنان محمد عزيزة حركة تشكيلية تتبوأ في خاصيتها الفنية موقعًا مميزًا، لأنها رومانسية تحاول المزج بين التجريد والتعبير الموسيقي، والحس الرومانسي الطاغي على خطوط الألوان المتناغمة مع بعضها، لتطرح إشكالية في العلاقة بين الأساليب التشكيلية ورؤية الفنان الداخلية وأبعادها، ومفارقات بين المادة اللونية والدلالة التشكيلية، والمواضيع الحسية أو الوجدانية التي يحاكي بها المتلقي. فتتلخص مقارباته بتوظيف فني يهدف إلى خلق تناقضات تعكس ثراء مفاهيمه الفنية القادرة على الانصهار مع الألوان والحركة الضوئية، والضبط الإيقاعي ضمن مستويات أفرزت عدة رؤى في اللوحة الواحدة التي تنبض بأشكال روحانية تخيلية تنبض بالحياة والجمالفي عالم الفن حيث يتداخل الضوء واللون في رقصة ساحرة، يبرز الفنان التشكيلي محمد عزيزة كواحد من المبدعين الذين ينسجون أحلامهم على قماش الحياة. يُجسد عمله الفريد مزيجًا مدهشًا من الرومانسية والتجريد، محولًا كل لوحة إلى سيمفونية بصرية تلامس أعماق الروح. لقد شكلت لوحاته نافذةً نطل منها على عالمٍ من الإبداع يتجاوز حدود المألوف، ليكشف عن رؤى تتراقص فيها الألوان كما تعزف الموسيقى نغماتها.

في هذا الحوار، نغوص في عمق فلسفة محمد عزيزة الفنية، لنتعرف على كيف تجسد أعماله تناغمًا بين الإيقاع البصري والحس الرومانسي، ولنتأمل كيف يسعى من خلال إبداعه إلى التعبير عن تجربته الداخلية بطرق تتجاوز حدود الكلمات. ستحملنا كلماته إلى عالم يلتقي فيه الفن بالموسيقى، حيث يُعتبر كل عمل فني انعكاسًا لحالة من الثراء الحسي والتعبيري، ليظهر لنا بوضوح أن كل لوحة هي بمثابة سطر موسيقي، وأن كل لون هو نغمة تترجم أعمق المشاعر الإنسانية. مع الفنان التشكيلي محمد عزيزة أجرينا هذا الحوار:

- ريشة تنصهر معها الألوان فتبدو للبصر متناغمة وتثير الدهشة، كيف تولد لوحة الفنان محمد عزيزة؟

سئل الفنان الفرنسي رودان عن سر عمله الفني، فأجاب ببساطة: "أرى قطعة من الصخر، أتأملها وأزيل عنها الزوائد لتصبح على ما هي عليه." وهنا أريد القول إنني أمتلك الموهبة، وهي ليست كافية، لذلك تعمقت في الدراسات الكلاسيكية وهي الأساس، وتأثرت بأساتذتي ودرست أعمالهم جيدًا، وهي عديدة ومختلفة، أعجبتني أم لا، فقد أصبح عندي الشوق لمعرفة كافة الحركات الفنية، وقمت مطولًا بدراستها ونقلها حرفيًا لتعلم أسرارها. عندئذ قمت بدراسة لوحة خاصة بي، ولا أبالغ القول بأنني ومنذ البداية إلى الآن أرسم يوميًا على الأقل سبع ساعات، ولدي إحساس بأنني لا زلت في بداية الطريق.

- حركة رومانسية ذات نغمات متعددة وتدرجات مدروسة جدًا، هل تنتظر اللحظة وإن تأخرت لترسم؟

لدي إحساس بالفشل رغم أنني، ولا أبالغ، أملك أكثر من أربعة آلاف عمل فني. ومن هنا يأتي إعجاب طلابي في المعهد بأنني مميز، لأنني أعرف الأساليب الفنية وليس بالتنظير، لأن الأستاذ شيء والفنان شيء آخر. الفنان يرسم بأسلوبه الخاص ولا يرى غيره، أما الأستاذ فيعرف كافة نغمات الفن. أما أنا، فعندما أرسم، فإنني أرتجالي في العمل الفني، ومثلما يخطر على بالي أنفذه بعفوية صادقة غير مبالٍ بما إذا كنت سأعرض في معرض أو أي شيء آخر. هذا أنا وهذا ما أحاول قوله.

- مقاييس اكتملت النسب فيها تقريبًا، وإن بدت كتجريد عبثي، إلا أنها إيحائية لدرجة كبيرة. ما الذي تريده من الريشة ولم يتحقق؟

إن اللوحة يجب أن تتكلم مع المشاهد، وليس على الفنان أن يترجم عمله. وهنا برأيي، عندما يقف الفنان ويشرح عمله الفني، فإن العمل الفني يكون ساقطًا. العمل الفني وحده كفيل بأن يتكلم مع المشاهد، وهو كالموسيقى عندما نسمعها تحرك الأحاسيس فينا، ولا يهمني أن يشرح الفنان النوتة.

- من هو الفنان محمد عزيزة وما رأيك بالفن التشكيلي وحركته في طرابلس؟

أما الحركة الفنية في الشمال فهي ركيكة جدًا، ليس هناك إشراف من قبل الفنانين على ما يدور في أروقة الفن، وليس هناك جمهور مثقف فنياً، وكذلك ليس هناك نقد فني ليس في الشمال فحسب، وإنما في العاصمة أيضًا. وهناك عبثية بالفن والسهولة المفرطة في إنتاج العمل الفني.

- قصيدة أو مقطوعة موسيقية أو أي عمل فني يدفعك للرسم، ما هو؟

ليس هناك مقطوعة موسيقية بحاجة إليها عندما أرسم، اللحن يعزف من داخل الفنان ليترجم إلى عمل فني، ولكنني ما زلت طالبًا في الفن، وأرجو أن أكون قد وضعتك في عالمي الصغير. ولكم كل الشكر والسلام.

في تحليل لحواري معه يكتشف المتلقي أن

العمل الفني كـ "لغة": يعتبر الفنان محمد عزيزة أن العمل الفني له القدرة على "التحدث" مباشرة مع المشاهد دون الحاجة إلى ترجمة أو شرح. يُشبه عزيزة عمله بالموسيقى التي تحرك الأحاسيس، حيث يكمن الجمال في التواصل المباشر مع المتلقي عبر تعبيرات بصرية تعكس تجربته الفنية وتجعلها تتفاعل مع المشاهد بصورة غير مباشرة. هذا المنظور يشير إلى أن اللوحة تمتلك طاقة تعبيرية هائلة تتجاوز الكلمات. تتسم لوحات محمد عزيزة بدمج بين التجريد والتعبير الموسيقي، ما يعكس تمازجًا فنيًا بين الألوان والحركة الضوئية. استخدامه للألوان والخطوط يتسم بالحس الرومانسي الذي يخلق تناغمًا بين الألوان ويثير إحساسًا بالجمال. تكوين اللوحات يعبر عن رؤية داخلية عميقة وثرية بالأحاسيس.

من خلال تجربته الشخصية، يبدو أن عزيزة لا يرى الموهبة وحدها كافية؛ بل يدمج بين الموهبة والدراسة المكثفة للأعمال الفنية الكلاسيكية وتأثيرات أساتذته. هذا يبرز استمراريته في التطور والتعلم كجزء من رحلته الفنية.الشعور بالفشل والمثابرة: رغم امتلاكه أكثر من أربعة آلاف عمل فني، يشعر عزيزة أحيانًا بالفشل، مما يعكس تواضعه ورغبته الدائمة في تحسين نفسه. هذه الإحساسات تعكس صراعه الداخلي كمبدع يسعى دائمًا لتحقيق الكمال. عزيزة يفضل العمل الفني الارتجالي والعفوي بدلاً من التقيد بالقواعد أو الأساليب المعروفة، مما يدل على حرصه على التعبير الصادق والعفوي. هذا الأسلوب يجسد رؤيته الفنية الفريدة التي تتجاوز المألوف.

اللوحات التي ينفذها عزيزة تتميز بالتوازن بين الألوان والخطوط، مع إيقاع بصري يعكس تدرجات حسية وجمالية. هذا التوازن لا يجعل اللوحة مجرد عمل بصري، بل يجعلها تجربة جمالية متكاملة .ففي عالم الفنون، حيث يتلاعب الخيال بالألوان وتتجلى الروح في كل ضرب من الفرشاة، تبرز الأسماء التي تأسر القلوب وتترك بصمة لا تُمحى على اللوحات. ومن بين هؤلاء الفنانين، يبرز اسم محمد عزيزة كأحد الفنانين القادرين على تحويل اللحظات العابرة إلى تجارب فنية متفردة. إن أعماله لا تكتفي بالظهور كلوحات جميلة فحسب، بل هي سيمفونية مرئية، تنبض بالحياة وتعزف على أوتار المشاعر الإنسانية بأقصى درجات الإبداع.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol