الفنان صالح الهجر للواء: "ريشتي هي من صلب راحة يدي كما لو كانت أصبعي السادس، أصيغ بها كل الأشكال."

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

يحاول الفنان "صالح الهجر" تثبيت الحرف كعنصر تشكيلي مجرد قائم بحد ذاته ضمن جمالية الحركة المرتبطة بالخط ودرجات اللون، ويقدمه بشكل تشكيلي أو تجريدي من خلال مساحات لونية كثيفة بعناصرها ورموزها التشكيلية. لتكون المدرسة الفنية الحروفية هي البديل الأفضل والأجمل من العمل على مساحات لونية فارغة لا معنى لها يحاول البعض تكريسها، وهي حالة فارغة من أي مضمون. أما عن الحروف وتكرارها، فهذا شيء طبيعي في صورة الحرف العربي الذي يأخذ أكثر من شكل حسب وروده في سياق المفردة. وفي معرضه الذي يقام حالياً في مركز العزم الثقافي - بيت الفن ميناء طرابلس، أجرينا معه هذا الحوار:

- ما الرابط المشترك بين الحروفيات والإيقاع المرتبط بنغمة كل حرف في لوحاتك؟

الحرف العربي هو صورة الصوت كما السلم الموسيقي صورة صوت أي آلة عزف. لكن في حالة الحرف هناك فرق؛ فالحرف يحمل العديد من الدلالات الصورية، مثل حرف الهاء في وسط الكلمة الذي يعطي صورة أذن الفرس، وحرف الباء المرسل بخط الثلث الذي يعطي شكل السيف، وحرف الألف الذي يعطينا صورة الشامخ بقامته وعنفوانه إذا ما تصورناه كالرمح. وهناك الكثير من الصور، مثل حرف السين الذي يعطي شكل الأسنان ولفظه يأتي من خلف تلك الأسنان عند النطق به، وحرف العين الذي يأتي في بداية الكلمة وصورته البصرية تتناسب مع شكل الحاجب والعين للإنسان. والعيون وسط الكلام تعطي صورة العين ورمشها. أما عن علاقة الحرف بالنغمة، فهي الأجمل حين صيغت بقصائد شعر وحركة التفعيلة في بحور الشعر. وهنا لكل خط جمالياته كما في بحور الشعر، لكن ما كان لبحور الشعر أن توجد لولا وجود حرف عميق وجميل بلفظه ليؤخذ من حركاته وزناً للشعر.

- تميل إلى الخط المنحني غالباً أو الإيقاع المتصف بالليونة، كيف تسخر ذلك؟

شكل وتركيب اللوحة يأتي حسب مضمون الفكرة المراد إيصالها للمتلقي. فهناك العمل الذي يحمل دلالة بصرية، مثل لوحة "شيء من الجنة" التي أخذ تشكيلها الطابع الروحي بامتداد وتماهي الحروف ببناء وتشابك قوي، واعتمدت خط الثلث فيها وبنيته على مساحة اللوحة مع الحفاظ على شكل التوازن في بناء العمل. أما عن الانسياب والليونة في بعض الأعمال، كما في لوحة "الفجر" ذات الطابع الرمزي، فقد أردت إيصال صورة بصرية بمفردة واحدة. وهي أحد الأعمال التي نفذت بخط الديواني الجلي الذي يعطيني ما أريده من مد وجزر في حركة الحروف بما يتناسب مع الصورة المراد إيصالها.

- ما قيمة الضوء الذي تتركه كلغة بصرية خاصة في لوحاتك؟

أحاول من خلال عملي أن تكون مفردتي التشكيلية وهي الحرف، متجاوزة لحدود اللغة. أريد منها الصورة البصرية لتكون لغة أخاطب بها الآخر مهما كانت لغته. وهذا هو الضوء الذي أعمل على إيجاده في عملي الحروفي.

- الحرف العربي لغة القرآن، هل تتصف لوحاتك بالحروفيات الإسلامية البحتة؟

الحرف العربي لا شك بأن نزول الوحي به كلغة أضاف له قداسة عظيمة. وبخصوص هذا الأمر، كانت تجربتي مع الحرف المقدس وهذا المعرض الحالي "حروف على ضفاف الشهر الفضيل" هو الجزء الثاني، ويأتي استكمالاً لهذه التجربة التي كان جزؤها الأول قدمته في معرض "أسماء الله الحسنى" بجمعية الإمارات للفنون عام 2013. وفي معرضي الحالي قد طورت بعض أدواته ودلالاته بحيث أقدم صوراً بصرية مشكلة من الحرف العربي، لتعطي صورة بصرية خارج نطاق اللغة ولفظها وأيضاً بعض الحالات الرمزية بمضمونها للتوافق بصرياً مع تلك المفردة كما هو الحال في لوحة "الفجر".

- الحرف العربي يمتلك قواعد الرسم برمتها أو فن الخط الهندسي أو حتى الأكروباتي أو الراقص في الفراغ، ما رأيك بهذا الكلام؟

الحرف هو مفهوم فن الكتابة وهو صورة صوتنا بشكل عام. أما من ناحية الحرف كخط عربي، فهو أولاً علم لأنه يعتمد على قواعد وأسس ثابتة، ولكل حرف ميزان ويختلف الميزان للحرف باختلاف نوع الخط. وهو فن لأنه يختلف من أسلوب خطاط لآخر، وما يميزه عن غيره من الأبجديات هو تراكيبه الجميلة سواء النباتية أو الهندسية منها الدائرة والشكل البيضاوي، وفيه الكثير من التوازن والتناظر. وبهذا يكون الخط العربي قد وصل إلى مرحلة الكمال والجمال. ولكي لا أقع في مسألة التكرار والبقاء ضمن حدود اللغة، ذهبت للتداعي الحر مع الحفاظ على شكل الحرف الموروث، وأخذت من هذا الحرف العنصر التشكيلي المجرد في بناء لوحاتي وتعدد أشكالها بازدحامها وهدوئها وفضائها.

- ريشتك تلتقط الإحساس بجملة الحروف وليس بالحرف الواحد، ما رأيك؟

نعم، ريشتي هي من صلب راحة يدي كما لو كانت أصبعي السادس، أصيغ بها كل الأشكال التي أريد بالحرف واللون. وبالتأكيد كل ما نطقه لسان العرب هو من عالم لوحتي، وريشتي هي أداة تنفيذ أشكالها وأنواعها.

وفي حوار آخر معه لجريدة اللواء ايضا

- الفنان التشكيلي صالح الهجر للواء: "أهتم بالعمل على النصوص وتحويلها من الحالة اللفظية إلى الحالة البصرية."

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

يغرق الفنان "صالح الهجر" في ينابيع الكلمة التي تتخذ من الحروف العربية أساساً لها، مما يسمح له بتحويلها إلى فن تشكيلي بصري ذي جذور عميقة تتخطى حدود طقوسها الكتابية دلالياً وجمالياً. إذ يعمل صالح الهجر على ما يتضمن من أسرار الكلمة منحىً فنيًّا وآخر أبجدي مرتبط باللغة العربية الأكثر تعقيداً من رموز الحرف وما يعنيه رياضياً أو جيومترياً أو فيزيائياً أو حتى كل ما من شأنه أن يتخطى حدود الرؤية الحروفية حدسياً، ومعه أجرينا هذا الحوار:

تجمع بين جماليات حروفية وعشوائية الحركة ضمن نظم التعبير البصري المؤدي لجماليته الفنية، كيف تحقق ذلك؟

الحرف العربي هو عنصر تشكيلي وتجريدي قائم بحد ذاته، وهذا يعطيني المجال لاحتواء الكثير من عناصر الجمال من حيث اللون والتشكيل والتكوين. وهذا يجعل مساحة التعبير تتسع للخيال لتتكون منها الصورة البصرية التي أود إيصالها.

- هل تكافح تشكيلياً من أجل الوجود في العالم الحديث ونحن حالياً أمام عصر الذكاء الاصطناعي أو اليد الإلكترونية؟

الفنان الحقيقي هو الذي يسعى دائماً للبحث في كل ما هو جديد من حيث التقنيات والأساليب والمواضيع التي يطرحها للمتلقي. أما ما يخص الأعمال الرقمية ومنها الذكاء الاصطناعي، فهي مجرد شيء تنافسي وأعتقد أن هذا يعطي الحافز للفنان ليكون متجدداً دائماً ويقدم أفضل ما لديه من نتاج إبداعي وفكري.

- ما الذي يحاول تجديده أو إيجاده صالح الهجر في الفن ونحن أمام تغيرات مستقبلية في كل شيء؟

أنا اتخذت من الحرف العربي رهاناً تشكيلياً ليكون واحداً من أهم مدارس الفنون الحديثة، ويحقق الانتشار الواسع على مستوى العالم ليتجاوز حدود اللغة والجغرافيا. وهذا يتحقق في الكثير من الأماكن في أوروبا وأميركا، ووجود اللوحات الحروفية في أكبر المتاحف العالمية. وما زلت أبحث في مكنونات هذا الحرف حتى الآن.

- التكرار الإيقاعي في الشكل وبمقاييس مختلفة، هل من تشكيل موسيقي تهتم له بصرياً؟

نعم، أهتم بالعمل على النصوص وتحويلها من الحالة اللفظية إلى الحالة البصرية. وقدمت هذه التجربة في أحد معارضي وحولت بعض المقطوعات الموسيقية إلى حالة بصرية. لتكون الحالة اللونية والتكوين هي الإيقاع الذي يضبطه الحرف العربي بكل تجلياته وتشكيلاته المختلفة، وهذا يعطي شيئاً من مفهوم العمل المرئي والمسموع.

- الفنان صالح الهجر، أين هو اليوم وما الذي يشكل ثقافتك الفنية وتعتمد عليه؟

ما زلت هنا أواصل عملي في محترفي، أبحث في كل خبايا الحروف وكل ما هو جديد، وأجرب الكثير من الأدوات والتقنيات حتى أصل إلى النتائج التي ترضيني لأقدمها في معارضي. وفي هذا الإطار، قدمت معرضي الشخصي "حروف من أجل الإنسانية" في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي كان في أكتوبر الماضي وضم 25 لوحة. كما قدمت معرضي الشخصي "الأبجدية تعانق الرياض" في المملكة العربية السعودية في مدينة الرياض في غاليري عارف آرت، وكان من تنظيم الأستاذ عامر عبدالحي مؤسس مجموعة روابط الفنية بمناسبة يوم اللغة العربية. وهذا كله يجعلنا نبحث دائماً عن التطوير في مجمل أعمالنا التي لا تقف عند أي حد.

- ما هي مشاريعك التشكيلية القادمة وأين أنت بين القديم والحديث؟

من المشاريع الفنية التي قدمتها العام الماضي هي لوحة بانورامية، وهي توثيق بصري تشكيلي، وهذا يعد نقلة نوعية في اللوحة الحروفية. والجديد فيها أيضاً هو دمج الصورة مع الحرف العربي. وكان العمل لتوثيق المواقع الأثرية في سورية ومدى الضرر الذي لحق بها جراء الحرب. وكان اسم العمل "سوريا.. وجه التاريخ يحترق"، وتم عرضها في متحف ثقافات الشعوب في مقاطعة كولونيا في ألمانيا ضمن فعاليات "سوريا ضد النسيان". ومن مشاريعي القادمة هي عرض لمجموعة من أعمالي في معرض فردي ضمن فعاليات مهرجان الفنون الإسلامية في الشارقة أواخر هذا العام بدولة الإمارات العربية المتحدة.

من خلال قراءة الحوار مع الفنان صالح الهجرنكتشف أنه يظهر أن انطباعه عن الفن يعتمد بشكل كبير على استخدام الحرف العربي كعنصر تشكيلي يتجاوز حدود اللغة. يظهر انطباع قوي عن أن الحرف ليس مجرد رمز لغوي بل هو عنصر بصري ذو قيمة جمالية وإيقاعية. يصف الهجر الحرف وكأنه "أصبع" إضافي يخلق أشكالاً تتناغم بصرياً مع الإيقاع واللون، ما يمنح انطباعاً بأن الفن لديه بعداً نفسياً وجمالياً عميقاً.

يركز صالح الهجر على دمج الحرف العربي مع عناصر تشكيلية أخرى مثل الألوان والتكوينات الجمالية. يسعى لخلق إيقاع بصري من خلال تكرار الحروف وتداخلها بطريقة تعكس تنوع الإيقاعات الموسيقية. الحروف تتخذ طابعاً تجريدياً أو تشكيلياً، مما يعزز من قدرتها على التعبير عن الحركة والنغمة. هذا الاندماج بين الحرف واللون يعزز من الطابع الموضوعي الذي يعبر عن تعقيدات اللغة العربية وجمالياتها.

يظهر الفنان تواصلاً عميقاً مع عناصر عمله الفنية. يعبر عن شعور بالتحرر من القيود التقليدية، حيث يرى في الحرف العربي وسيلة للتعبير الحر والتجريد. هذا التحرر النفسي يتجلى في طريقة استخدامه للحروف، حيث يعبر عن الإيقاع والشكل كجزء من عملية إبداعية تتجاوز الأبعاد اللغوية إلى البُعد الإنساني الأعمق. يظهر أن الهجر يجد في الحرف وسيلة للتواصل بين الثقافات والأزمنة، مما يعكس حالة من التفاعل العاطفي والتأمل.

يمتاز عمل صالح الهجر بتركيب بصري معقد حيث يتم دمج الحرف العربي مع عناصر تشكيلية أخرى لإنشاء إيقاع بصري. يستخدم الحرف كعنصر أساسي لتكوين التوازن والتباين في اللوحات. يُلاحظ استخدامه لألوان متنوعة وتكوينات متباينة تخلق حركة وانسيابية تشبه التفاعل الموسيقي. يوضح الحوار أن الهجر يعمد إلى تطوير تقنيات جديدة للتعبير عن الحرف، مما يساهم في إبراز جماليات الخط العربي بطريقة تتناغم مع الألوان والتشكيل.

يبرز الفن الحروفي لصالح الهجر كأحد التجسيدات المثيرة للتنوع الجمالي في الفن التشكيلي. الحروف ليست مجرد رموز بل عناصر جمالية تشكل لوحات تعبر عن الحركية والنغم. تتفاعل الألوان والتشكيلات لتخلق جواً بصرياً يعكس التنوع والانسجام، مما يعزز من قيمة الأعمال الفنية كعناصر تعبيرية جمالية.

تُظهر أعمال الهجر القدرة على نقل المشاعر والأفكار من خلال الإيقاع البصري للحروف. الحروف تتخذ أشكالاً تعبيرية تعكس حالات مختلفة من السكون والحركة، والاتزان والاضطراب، مما يضيف بعداً عاطفياً عميقاً إلى اللوحات. التجريد واستخدام الألوان والخطوط تعزز من قدرة العمل على التعبير عن معانٍ متعددة، مما يعكس قدرة الهجر على تحويل النصوص إلى تجارب بصرية حية.

يُعتبر عمل صالح الهجر مثيراً في كيفية استخدامه للحرف كعنصر يخلق إيقاعاً بصرياً مميزاً. الحروف تتفاعل مع الألوان والأشكال بطريقة تخلق حركة وانسجاماً يشبه الإيقاع الموسيقي. استخدام التكرار والتباين في الألوان والتكوينات يُسهم في خلق إيقاع بصري يعزز من تجربة المشاهدة ويجعل كل لوحة تحمل نبضاً بصرياً خاصاً بها.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol